26/11/1428

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الصواب والخطأ في مفاوضات أنابولِس

  بقلم : بلال الحسن

 

  موقع النهى*

أعتقد أن حالة غير عقلانية سادت الوسط السياسي الفلسطيني والعربي، عند مناقشة قضية مؤتمر أنابوليس. ذهب المؤيدون إلى حد القول بأن هذا المؤتمر هو أكبر إنجاز يتحقق لصالح القضية الفلسطينية، وذهب المعارضون إلى حد القول بأن المؤتمر كارثة ستودي بالحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية. وما أن وضعت القضية في هذا السياق، حتى أصبح النقاش مستحيلا، وتحول حين يجري إلى نقاش غير مجد.

لقد اختلط على المتناقشين غياب الثقة الكامل بالموقف الأميركي والإسرائيلي، وسحبوا ذلك على الموقف الفلسطيني والعربي، بينما كان من الأجدى تحديد الثوابت الفلسطينية والعربية، وتحديد ما هو مرفوض في المواقف الأميركية والإسرائيلية، والتنبيه لشراك الخداع الموضوعة في ثنايا المفاوضات. وربما يفيد هنا أن نحدد النقاط التالية.

1 ـ إن الموقف الأميركي هو الخلل الأساسي الذي يخرب المفاوضات بين العرب وإسرائيل. ولدينا على ذلك شاهدان لا يدحضان. تم الشاهد الأول في عهد وزير الخارجية هنري كيسنجر، حين تعهد لإسرائيل رسميا أثناء مفاوضات حرب تشرين الأول 1973، أن لا يقدم على أي اقتراح أو مبادرة إلا بعد التشاور مع إسرائيل والاتفاق معها، وبذلك أصبح الدور الأميركي رسميا داعماً لإسرائيل ضد العرب، وأثر ذلك على كثير من المفاوضات التي جرت. وتم الشاهد الثاني في عهد الرئيس جورج بوش الابن، حين قدم لإسرائيل ما يسمى بـ «وعد بوش» في العام 2004، وتعهد فيه برسالة رسمية موجهة إلى رئيس الوزراء آرييل شارون، بدعم موقف إسرائيل من ثلاث قضايا تفاوضية هي: حدود 1967، وبقاء المستوطنات الكبرى، وعودة اللاجئين الفلسطينيين. ثم أضاف إلى ذلك تعهدا رابعا، في رسالة منفصلة، يتبنى يهودية الدولة الإسرائيلية.

لقد نسف هذا الموقف الأميركي أساس التفاوض، ونسف تعهد بوش نفسه (منذ عام 2002) بإنشاء دولة فلسطينية، وقرر سلفا حدود ومضمون دولة غير قابلة للحياة.

وقد كان حرياً بالمتشككين الفلسطينيين والعرب، وهم محقون بتشككهم، أن يركزوا على هذا التعهد الأميركي، وأن يطالبوا بإلغائه، وبخاصة بعد أن استند إليه إيهود أولمرت في كلمته، ووضع «وعد بوش» كأساس من أسس التفاوض بالنسبة لإسرائيل. أما الذي جرى فهو شن حملة على الوفد الفلسطيني واتهامه بالتنازل، وشن حملة على الموقف العربي واتهامه بالتطبيع، وهي اتهامات ينقضها ما ورد في خطاب محمود عباس (أبو مازن)، وما ورد في الموقف السعودي كما حدده وزير الخارجية سعود الفيصل في مؤتمر صحافي. لقد تحولت المعركة إلى معركة سياسية بيننا، بدل أن تكون معركة سياسية مع أميركا وإسرائيل.

2 ـ لا يعني هذا أن الموقف الفلسطيني والعربي كان ممتازا، فقد انطوى على تراجعات لا تبشر بخير. فمثلا: لقد بدأ أبو مازن مفاوضاته مع أولمرت قبل المؤتمر مطالبا بـ «اتفاق تفاوضي تفصيلي» يتناول القضايا التفاوضية الخاصة بالوضع النهائي، ومرجعياتها، وعلى أساس جدول زمني للتطبيق. ثم تراجع نحو القبول بـ «وثيقة مشتركة» عامة تذكر قضايا الحل النهائي فقط، ثم تراجع ثانية نحو القبول ببيان منفضل لكلا الطرفين. أما حين ذهب إلى المؤتمر فقد وافق على وثيقة ثلاثية (أميركية ـ إسرائيلية ـ فلسطينية) لا يرد فيها ذكر لقضايا الحدود والقدس واللاجئين والمياه، بينما هي واردة بالتحديد في اتفاق أوسلو عام 1993. وهذا ما دفع أبو مازن إلى تضمين كل ما تراجع عنه في خطابه الرسمي في المؤتمر. ومثلا: كان العرب (ومعهم الدول الإسلامية) يمثلون وزنا كبيرا داخل المؤتمر، ولو أنهم اجتمعوا، وأصدروا بيانا موحدا، يؤكد بنود مبادرة السلام العربية، ويؤكد مطالب الفلسطينيين المحددة، ومطالب سوريا ولبنان المحددة، ويطالبون المؤتمر بأن يعتبر ذلك قاعدة رسمية للتفاوض، لما كان بإمكان الأميركيين تجاهل مطلبهم، ولتحدد إطارا للتفاوض لا تستطيع إسرائيل أن تتجاهل وجوده.

3 ـ وثمة قضايا أخرى تتعلق بتفاصيل المفاوضات، تشكل مساسا كبيرا بالمفاوض الفلسطيني والعربي، بينما أصبح الاستناد إليها شائعا في المواقف الرسمية والعلنية. نذكر منها بالتحديد قضية «تبادل الأراضي»، وقضية «النسب المئوية».

لقد طرحت قضية «تبادل الأراضي» في قمة كامب ديفيد ـ 2000، ومن ضمن مواقف فلسطينية أخرى تتمسك بالقدس والمياه والسيادة وحق العودة، وتم بعد فشل القمة إزالة كل تلك القضايا عن طاولة المفاوضات. ولكن الأميركيين والإسرائيليين احتفظوا ببند واحد وحيد منها هو البند بإزالة المستوطنات التي يتناقض وجودها مع اتفاقية جنيف الثانية المتعلقة بشؤون الاحتلال الأجنبي، والممنوع عليه أن يحدث تغييرا ديمغرافيا في البلد الذي يحتله، وأن يقول للعالم صراحة أن بقاء المستوطنات يعني سرقة المياه الفلسطينية، لأن تلك المستوطنات أنشئت عن عمد فوق آبار المياه في الضفة الغربية، وضمها إلى إسرائيل يعني ضم المياه معها.

ولقد بدأنا نسمع أخيراً طروحات غير مقبولة، هدفها تبرير «تبادل الأراضي». منها أن مساحة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 هي (كذا)، وأننا لا نقبل إلا باسترجاع مساحة مماثلة. ولا بد من أن يصبح هذا الطرح مرفوضا فلسطينيا، فالأرض التي احتلت معروفة ومحددة، والانسحاب الإسرائيلي يعني الانسحاب من تلك الأرض لا من أرض أخرى. إن أراضي الأوطان هي أراض مقدسة، وهي دائما ليست مجرد مساحات.

وبدأنا نسمع مؤخرا طروحات تحاول تسهيل قبول المواطن الفلسطيني بنظرية تبادل الأراضي. من ذلك تصريحات عنترية تقول «لا يمكن أن نقبل تبادلا للأراضي يزيد عن نسبة 2%». واللعبة هنا هي في وضع رقم (2) مقابل رقم (98)، والاستنتاج بعد ذلك أن المساومة بسيطة. لا ... فهذه المساومة ليست بسيطة أبدا. إننا نسأل ما هي نسبة مساحة مدينة القاهرة من نسبة مساحة مصر؟ وهل يمكن في ظرف ما قبول مبادلتها بأرض في النقب مثلا لأن المبادلة لا تتجاوز 1%؟ ونحن نسأل أليست نسبة 2% المعروضة من قبل إسرائيل تشمل مدينة القدس وما حولها؟ وهل يمكن التفريط بالقدس ومنطقتها لأن نسبتها لا تتجاوز 2% من نسبة الضفة الغربية؟

إن هذه التلاعبات التفاوضية لا بد أن تنتهي، وأن يكون للمفاوضات أساس فلسطيني ـ عربي واضح، أساسه المبادرة العربية (الانسحاب الشامل)، والذي يجري القبول به رسميا، ثم يجري تجاوزه عمليا.

وبنقاش من هذا النوع، ندخل في صلب القضايا، ونعرف إذا اتفقنا حول ماذا اتفقنا، ونعرف إذا اختلفنا حول ماذا اختلفنا، ونركز حملاتنا ضد الخصم لا ضد أنفسنا.

    حركة القوميين العرب

إلى صفحة مُشاركات الزوار7