18/11/1428

 البديهي الذي لا يتطلب تجاوزا..المقاومة والاحتلال وألف باء الوطنية

 موقع النهى*

 بقلم : علي الصراف

 

 أ ب ت ث، كلنا وطنيون. هكذا، خبط لزق.

 

 لا أحد تذهب به الوقاحة الى حد القول انه غير وطني. وعندما تسخن حديدة المجادلات، فان الوطنية سرعان ما تصبح تاجا على رأس مدّعيها. وككل تاج فانه لا يجلس إلا على رأس واحد. ما يعني ان حامل التاج، في نظر نفسه، هو الوطني الوحيد، او الوطني الأكثر إخلاصا.

 

وهذا من أول اللاوطنية.

الوطنية شراكة. المرء لا يكون "وطنيا" في بيته ومع أولاده. لماذا؟ لانه يملكه و"يملكهم" بمفرده. ولكن البيت شيء، والوطن شيء آخر. الشراكة في الوطن ليست خيارا، ولا "ضرورة" ولا "واجبا". انها شيء نولد عليه، لنراه في العلاقة مع الغير. فالوطن هو الآخرون الذين يعيشون فيه. انه ملك الجميع. وهو لا يعود وطنا إذا صار ملكا لأحد، او إذا زعم هذا الأحد انه "وطني" فيه أكثر من غيره.

 

الوطن هو غيرك أولا، ومصالحه هي مصالح الآخرين. والوطنية هي، بهذا المعنى، العقد الضمني الذي تعقده مع نفسك على خدمة غيرك؛ على مراعاة مصالحهم وتصوراتهم وأفكارهم ووجهات نظرهم؛ على أخذهم في نظر الإعتبار عند كل تصرف؛ على مشاورتهم في "الأمر"، إنما من دون ان تتعالى عليهم بوطنيتك الزائدة، ومن دون ان تنكر عليهم وطنيتهم التي تبدو لك ناقصة.

 

"عنطزة" المزاعم الوطنية ليست تعبيرا عن الوطنية. انها تعبير عن اللاوطنية. لأن الوطنية هي في آخر الأمر تواضعٌ أمام الآخرين، وخشيةٌ منهم، وخوفٌ من إيذاء مصالحهم، وحذرٌ من خدش مشاعرهم.

والوطنية لا تصدر بقرار من أحد. وهي لا توهب. كما انها ليست شهادة تخرج يمكن منحها للناجحين في الإمتحان. وهي ليست إستثمارا، ولا رزقا لمرتزقة.

 

لهذا السبب، فان الوطنية تضحية (بالنفس للآخرين). انها نوع من أنواع الأذى المقبول الذي يقدم عليه "الوطني" وهو يشعر بالسرور والسعادة.

 

الوطنية أمرٌ مسبق. استنتاجٌ جاهزٌ او مُعد سلفا... حتى يثبت العكس. والعكس لا يثبت إلا أمام محكمة الواقع، عبر سلسلة مترابطة ومتواصلة من أدلة السلوك والممارسة التي تبثت الخروج عن جادة الصواب الوطني.

وهكذا، فليس لأنك تقول رأيا مختلفا، تصبح لا وطنيا. وليس لانك ترتكب زلة، تصبح لا وطنيا. وليس لأنك تنتمي الى حزب آخر تصبح لا وطنيا.

 

الميل الى مصادرة وطنية الآخرين يعني انك تملكها. وانك تملك الحق في منحها أو سحبها. وهذا من أول اللاوطنية.

ولكن لماذا نختلف في الوطنية؟

 

لانها عُرف. لانها شيء مشاع. ولانها لغة سابقة على الأبجدية.

 

***

 

وضع دستور لقواعد الوطنية قد يكون شطحة من شطحات الفكر تبدد طبيعتها "البرية" و"البدائية" وتضع حواجز على المعروف والمسبق. إلا ان ذلك لا يغني، في فوضى الأزمات العنيفة، عن معايير وقيم معلنة.

وعندما يكون لدينا عملاء رسميون يتواطأون مع الاحتلال الأجنبي لوطنهم او يستفيدون من وجوده لكسب سلطة، ويقولون في الوقت نفسه انهم "وطنيون"، فهذه إهانة للمشاع وللعُرف، تكشف ان الوطنية يمكن ان تكون دعارة رسمية أيضا.

هل يمكن رسم خط للتمييز ما بين الوطنية واللاوطنية؟

ربما.

ولكنه خط معايير جامعة أيضا. خط سلوك يقتفي أثر المعنى الخام والبدائي و"المتوافق عليه" للعيش مع الآخرين. أي انه خط ما قبل أيديولوجي. خط سابق على البعث والشيوعية والقومية والاسلاموية والتقدمية والرجعية، وكل أنماط الإنحيازات القبلية. خط يقوم على إحترام حق الآخرين في الوجود والتفكير والتمايز والإختلاف، ولكن ليس على حساب قيم العيش المشترك.

 

يستطيع أي كان ان يقول انه "وطني".

وفي بلد مثل العراق يستطيع حتى نوري المالكي وجلال الطالباني ومسعود بارزاني وعبد العزيز الحكيم ومقتدى الصدر وطارق الهاشمي واحمد الجلبي وغيرهم من المجرمين والقتلة واللصوص وقادة "فرق الموت" وكلاب الإحتلال ان يقولوا انهم "وطنيون"، وذلك على سبيل العهر بالمفهوم.

 

ولكن الضمير الجمعي يستطيع ان يميّز. ولذلك فلا داعي للقلق من هذه الناحية.

 

خط المعايير مطلوب أكثر بين الوطنيين أنفسهم. وفي ظروف محن عصيبة كالتي يمر بها العراق يصبح احترام الخط  ضروريا بل مقدسا، لأن عواقب تجاوزه، حتى ولو عن حسن نية، قد تكون أمرا ضارا وباهظ الكلفة.

ولعلنا في مواجهة فاشيست امبرياليين تتوفر لديهم قدرات تأثير ضخمة، فان التمسك بمعايير أخلاقية صارمة سيثبت انه خندق دفاع لا يمكن التراجع عنه.

 

الرجوع عن هذا الخندق ليس شطارة. والتلاعب به ليس "تكتيكا". والتخلي عنه ليس سوى مشروع للهزيمة.

لا أحد يستطيع ان يقرر للوطنيين معاييرهم. ولكن الحس والمنطق والبداهة قد تكفي لإلتقاط المعنى السليم من تلك اللغة السابقة على الأبجدية.

 

والوطنية غير قابلة للشرح، ربما، وتعسر على التفسير أحيانا، ولكن يمكن الحديث عنها دهرا. وعلى رغم كل ما تبدو عليه من تعقيد، فان مسالكها بسيطة.

انها شيء من قبيل: ما يجوز وما لا يجوز، مما يتوافق مع البداهة البدائية لحماية الآخرين والدفاع عن حقهم المشترك.

 

انها بعبارة بسيطة، مدونة سلوك تجسد كلمات وحروف العقد الضمني بين الوطني ووطنيته.

انها الآخرون أولا. التضحية من أجلهم أولا. الإصغاء الى رأيهم أولا. إتقاء إيذائهم او خدش مشاعرهم أولا.

وعندما تكون المعركة بين الوطنية واللاوطنية عنيفة وقاهرة، فان خندق السلوك والقيم قد يغرق بالكثير من الدم إذا ما أجاز أحد لنفسه عبوره، او التخلي عنه.

 

***

 

وهذه عروة وثقى:

في كل معركة، هناك عدو رئيسي وآخر ثانوي؛ هدف أساسي وآخر فرعي. والوطني لا يخلط حابلها بنابلها. ولا يضحي بالأساسي لكسب الثانوي. التركيز على الهدف.. لا يقل أهمية عن الهدف. لماذا؟ لانه قد تمكن إصابة الهدف بهذه الطريقة او تلك، ولكن تحقيقه عفو الخاطر، لا يحمي من المخاطر الناجمة عن رميه عشوائيا.

 

والوطني لا يرفع سلاحا على وطني من دون ان يخون نفسه. وهو لا يصادر حقه في الوجود من دون ان يهين وطنيته ذاتها.

 

والوطني لا ينتقد وطنيا في صفّه على تفاصيل او صغائر. وقد "تعظم في عين الصغير صغارها"، ولكن هذا لا يفضي الى  فائدة. وسوى إحباط المعنويات وتشتيت الإنتباه عن الهدف، مما يخدم العدو المشترك، فان تصيد التفاصيل والصغائر يدفع الى خوض "معركة داخل معركة".

 

والوطني لا يخطو خطوة في إتجاه العدو قبل أن يعترف هذا العدو بالهزيمة. لانه بتلك الخطوة يعطيه نصرا مجانيا، ويهزم رفاقه في الميدان بباهظ الكلفة.

والوطني لا يتصرف في شؤون الآخرين بمفرده. قد لا يخونهم إذا فعل، ولكنه يخون نفسه، ويبرر للآخرين تخوينها. وهذا زائد عن "الحاجة". انه تعبير عن إضطراب في الذهن، قبل ان يكون تعبيرا عن اضطراب في السلوك.

 

والوطني لا يقدم فائدته على فوائد الآخرين، لان وطنيته لا تعود "تضحية" بل مشروعا لمكسب، أو لإستثمار تجاري.

 

والوطني إذا احتاج، فمن رفاقه يطلب، لا من إعدائهم.

والوطني إذا عجز، فانه ينسحب بصمت، لكي لا يضر بالذين لم يعجزوا بعد.

والوطني لا يقول لرفاقه في الميدان "إذا مت ضمآنا فلا نزل القطر"، لأن المبدأ هو ان يموت ويجعل من دمه فداء لقطرهم.

 

والوطني يتواضع ويحن ويعطف ويتنازل ويتسامح ويغفر لكل أولئك الذين يشاركونه في دفع ضريبة الوطنية. لماذا؟ لانه هو نفسه سيحتاج تواضعهم وحنوهم وعطفهم يوما.

 

والوطنية مسؤولية. والمسؤولية  تعني الحساب على النتائج. ولكنها ليست "موقعا" يكسبه الوطني بالتعالي على الآخرين.

 

والوطني يدفع دماً في وجه الإحتلال، من اجل ان يكسب الحرية، لا من اجل أن يقبض سلطة. الحرية شيء. والسلطة شيء آخر. معركة الحرية غير معركة السلطة. الركض وراء السلطة او وضعها نصب العين قبل الحرية، مشروع لخسارة المعركتين معا.

 

والوطني يُعلي غيره لكي يعلو به ومعه، ولكي يجعل العلاقة مع رفاقه فخرا وعزّا وقوة مشتركة. ولا يفعل العكس لانه هو الذي سيخسر.

 

والوطني يتوسل حبَّ رفاقه واحترامهم توسلا، ولا يفترضه جاهزا ومسبقا. وهو يصدقهم القول والعمل لا لكي يثبت جدارته بينهم، بل لكي يرسيها على قاعدة متساوية، فتكون سباقا نحو الأفضل. إثبات الجدارة شيء مهم ربما، ولكن عوائدها أهم.

 

والوطني قد يظلم ويقسو ويتجبر على عدوه، ولكنه على رفاقه لا يفعل، ويعتذر لهم ويتسامح مع قسوتهم عليه ويعفو عنهم لكي يبقيهم في جواره جنودا وسندا.

 

والوطني لا يكسر عصا الجماعة، ولا يُخرج عوده من بين عيدانهم، حتى ولو من اجل فوز عظيم. فالفوز، مهما صغر، يعظم بوحدة الجماعة، ويصغر من دونها حتى لا يعود فوزا.

 

والوطني قد يخطو، في مقبول أعماله، لوحده، ولكنه يسير مع الجميع.

والوطني يقدم حزب الآخرين ويبتهج بأعماله، لانه ضروري لنصره هو، وللتخفيف من أعبائه هو، فيكون قادرا على حملها أسهل.

 

والتحرير "مسيرة" لانه شراكة مع آخرين، بالضبط مثله مثل الوطنية.

وفي كل هذا، والكثير من أمثاله، هل ثمة ما يوحي بأننا نعيد إختراع العجلة؟

بالطبع، لا.

 

وحدهم فقط يعيدون اختراع العجلة أولئك الذين لم يلاحظوا ان الوطنية هي ذلك المعروف والبديهي والمشاع الذي لا يحتاج اختراعا ولا يتطلب تجاوزا.

انها لا شيء سوى: ا ب ت ث، وحسب. انها المرء أمام ضميره، وحسب. انها ذلك الأذى الذي نرتكبه ضد أنفسنا حباً وطواعيةً من اجل الآخرين، وتنازلا مُخلصاً ومجرداً لهم وحسب.

 

 

alialsarraf@hotmail.com

 

إلى صفحة مشاركات الزوار7

إلى الصفحة الرئيسية