28/12/1428

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحضيض..

اغتيال الرمز والكرامة و.. النفس أيضا 

 بقلم : علي الصراف

 موقع النهى*

لكل حضيض قاع، إلا حضيض العمائم الصفوية في العراق، فانه بلا قاع. فكلما أمكن الافتراض انه بلغ درجة لا أسفل منها في الانحطاط، اكتشفنا ان هناك من يجره الى درجة أوطأ.

بعض الحضيض قد يسمح أحيانا بامتطاء دبابات الغزاة للاستيلاء على سلطة. تحصل. هناك حالات في التاريخ ظهر فيها عملاء يبيعون شرف أوطانهم، ويغدرون بمواطنيهم، إما من أجل مال وجاه، وإما من أجل انتقام، أو لمجرد متعة النذالة نفسها، حيث العرق الخسيس هو الذي يتحكم بالسلوك.

وبعض الحضيض قد يسمح بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وحشية وتهجير تبلغ ذلك الحد الذي يوصف وفقا للقانون بأنه من أعمال "الإبادة الجماعية" او "التطهير العرقي". تحصل أيضا. فهناك من البشر ممن تغلب الأحقاد والكراهيات على ضمائرهم حيث لا يعودون قادرين على رؤية الجريمة فيما يرتكبون.

وبعض الحضيض قد يسمح بتحويل السلطة الى أداة للتخريب والنهب والفساد حتى لا يعود لأي قيمة من قيم الشرف والنزاهة أي معنى. تحصل أيضا وأيضا. فمن طبيعة البشر، إذا كانوا همجا وشرهين ان يسترخصوا فعل كل شيء من اجل ان يكسبوا أي شيء، بأي ثمن.

والبشر قد يجمعون من الشرور ما لا تستطيع أن تبلغه الحيوانات، ومن الإنحطاط ما لا تستطيع ان تبلغه أكثر الكائنات بدائية، ومن القذارة ما لا تستطيع ان تبلغه الخنازير.

ولكن الطبيعة البشرية ذاتها تظل تحفظ شيئا من القيم والاعتبارات التي تمنع بعض ما يمكن فعله.

أكثر القتلة وحشية يمكن ان يرعووا لشيء ما. وأقذر السفلة يمكن ان يشعروا بالخجل تجاه شيء ما في سفالتهم، فيتوقفوا.

أما إذا وجدوا أنفسهم في سلطة، فانهم يمنحوها (ولو من اجل متعة السلطة نفسها) بعض الإعتبارات التي تكفي لجعلها تبدو وكأنها سلطة. وإلا فما معناها؟

إلا عمائم الخنازير في العراق، وإلا رؤوس العفونة الصارخة في حظيرة السلطة و"طولة" "النظام الجديد" ومستنقع "العملية السياسية". فهذه لا تلوي على شيء. حتى لكأنها تمارس نوعا خاما ونقيا من انعدام الضمير.

فعمائم مثل عمائم الحكومة العراقية وبرلمانها وأحزاب عمليتها السياسية تستطيع ان تفعل وتزيد، وتظل تزيد من دون ان تتحرك شعرة في جسد استمرأ ان يكون قذرا من دون حدود.

الآن،..

هناك شيء أسود، وأحيانا أبيض، إن هو إلا لفافة عهر وتورية، يضعه أصحاب تلك الرؤوس على رؤوسهم ينطوي على دلالة تشير الى شيء له علاقة بالإسلام.

والإسلام (كما يعرفه مليار ونصف من البشر) نظام أخلاقيات وقيم وتشريعات وفقه فيه الكثير مما يدخل (في أبسط صوره) في نطاق الحلال والحرام؛ ما يجوز وما لا يجوز؛ المقبول وغير المقبول، ولكن، إلا إسلام الإحتلال، فهذا يستطيع ان يتحمل كل خروج على معايير الأخلاقيات والقيم، كما يستطيع ان يغض الطرف عن أحط ممارساتها المضادة، وفوق ذلك، فانه يجند نفسه بكل ما أوتي من قوة همجية، ليكون قادرا على فعلها بنفسه وعلى ترخيصها لغوغائه وعلى التواطؤ مع الذين يذهبون فيها الى أبعد.

والآن،...

يستطيع المرء ان يحقد على صدام حسين ما شاءت له الأحقاد، وان ينظر الى نظامه على انه كان نظاما فاشيا، وان يلصق به كل جريمة تخطر ولا تخطر على البال، وان ينسب له كل انتهاك، وان يرخص لنفسه ان يفعل كل شيء للتعبير عن الحقد عليه، وان يجعل حقده أعمى بدرجة تسمح له بارتكاب جرائم أبشع وأكثر وحشية وأشمل من كل ما كان يوصف به ذلك النظام.

خوش.

ولكن ما علاقة ذلك كله، بالقصر الجمهوري؟

القصر الجمهوري.. رمز. شيء له هيبة التعبير عن السلطة والملكية العامة والسيادة وعن مكانة الدولة وحضورها المعنوي والمادي بكل ما تعنيه من نظام ودستور وقوانين..

فبأي معنى كان يجوز، حتى لأكثر المتواطئين إبتذالا، ان يسمحوا للإحتلال بجعل هذا القصر مقرا لقواته، وسفارة لدولته؟

هل نقصت القصور والأماكن، لكي يُسمح بتحويل الإحتلال الى إهانة مباشرة للرمز ولكل قيمة من قيم السلطة والملكية العامة والسيادة؟

والسفارات مراكز دبلوماسية تقام على معايير المساواة والمعاملة بالمثل، ليس من حيث عدد الموظفين فحسب، بل ومن حيث المساحة أيضا. فهل كان سيُسمح للعراق بان يقيم سفارته في البيت الأبيض؟

وهذا حضيض، ولكن قاعه ما يزال أبعد. فللعراق "حكومة" و"رئيس" و"طولة" تدعى "برلمان"، ولكنه من دون "قصر جمهوري". "الرئيس" يقطن في قاعة فرعية من قاعات المنطقة الخضراء، وكذلك "رئيس الوزراء".

والمرء يحتاج ان يكون كثير الرخص مع نفسه (دع عنك بلاده ومعانيها) لكي يقبل ان يكون رئيسا ومسؤولا يمارس سلطاته في مكان ربما كان غرفتي نوم ومراحيض تابعة لحرس سابق للقصر الجمهوري.

السيادة تحتاج "شوية" شرف على الأقل، ولو على سبيل الشكليات. السلطة تتطلب "شوية" شعور بالأنفة على الأقل، وإلا فما معناها؟ ما قيمتها أصلا؟

 طز.

معقول؟

هل الى هذا الحد؟

فحتى لو كان الحاكم قد جاء من اسفل السافلين، لأسباب تتعلق بقناعاته الأيديولوجية او الطائفية او أحقاده الشخصية، فانه على الأقل يجب ألا يرضى لنفسه أن يُعامل معاملة الكلب الأجرب وهو فوق سلطته.

وقد يرضى، لمأجوريته، بألا يملك من السلطة إلا ترهاتها، ولكنه على الأقل يجب ان يُمسك بالشكل والرمز.

****

حتى إذا ما وجدت أن في هذا الأمر عارا، فهناك ما هو أعرّ منه.

علنا، وعلى رؤوس الأشهاد، ومن تحت عمائم التواطؤ، فقد أصبح ذلك القصر الجمهوري مكانا للاحتفالات اليهودية.

والمسألة انما تتعلق بإهانة الرمز، وبهدر كرامة العراقيين بالجملة، وفي الوقت نفسه، البصق على تلك العمائم نفسها وعلى لحى أهل ذلك "الدين" وترك البصاق عالقا فيها.

وتقول الضابطة في الجيش الامريكي اليزابيث روبنس في مقال مصور نشر مؤخرا بعنوان "شمعدان أركنساس في قصر بغداد": "تم الإحتفال هذه السنة 2007، بعيدنا اليهودي في القصر الجمهوري لصدام حسين في بغداد...! مَن كان يصدق ذلك...؟ نعم هذه الليلة تم الإحتفال في إحدى قاعات القصر المغلفة بالمرمر، حيث قمنا بإيقاد الشموع في الشمعدان الضخم (الرمز اليهودي) والذي بطول ستة أقدام. لقد صلينا بالعبرية، ورددنا الأناشيد والتراتيل، وأكلنا طعامنا اليهودي التقليدي لمثل هذه الليلة. ولكن ما هو أهم من كل ذلك، أننا نحتفل هذه السنة هنا على أرض العراق... أرض أجدادنا الأقدمين".

وتضيف: "حين وصل الشمعدان، قررنا أن نضعه في قصر صدام الجمهوري، وبكل فخر. إننا إذ نجتمع حوله محتفلين، نشكر أصدقاءنا من العراقيين وأهلنا الأمريكيين لما تم تحقيقه لنا. كما أننا نشكر الرب (وكان يجب ان تشكر عمائم الخنازير أيضا) على وجودنا في بغداد، وعلى أرض العراق".

السؤال الذي ربما يشغل البعض، ممن وجدوا انفسهم في الحظيرة الديمقراطية، لكي يوجهوه الى "رموز" السيادة هو: ماذا تقول في هذه الإهانة، وماذا انت فاعلٌ بشأنها؟

ولكن، إطمئنوا. فلا أحد سيسأل، ولا هم يحزنون. فغرفتا نوم ومراحيض هي كل ما لدى الرئيس وأتباعه من سيادة.

ولا قاع للحضيض، وليس هناك في أسفله دين ولا قيم ولا حلال ولا حرام ولا عيب ولا شرف ولا حتى خجل.

****

ولقد عرف التاريخ أحقادا كثيرة، ولكن يكاد من المستحيل حتى على أكثرها انحطاطا ان يتصور وضعا تقول فيه وزارة خارجية دولة الإحتلال (لا أحد غيرها) في تقرير ترفعه الى الرئيس جورج بوش نفسه: "ان وحدات «الموساد» و«الكوماندوز» الاسرائيلية تعمل في الأراضي العراقية خصيصاً لقتل العلماء والمهندسين العراقيين وتصفيتهم جسدياً بعد ان فشلت الجهود الأميركية منذ بداية الغزو في استمالة عدد منهم للتعاون والعمل في الأراضي الأميركية (...) وان هناك فريقاً أميركياً خاصاً يساند القوات الاسرائيلية في أداء هذه المهمة، وان الفريق الأمني الأمريكي يختص بتقديم السيرة الذاتية الكاملة، وطرق الوصول الى هؤلاء العلماء العراقيين، وأنه ترتب على ذلك قتل 350 عالماً و200 أستاذ جامعي حتى الآن في الشوارع العراقية بعيداً عن منازلهم". وحسب التقرير، فان هذه العمليات تستهدف أكثر من 1000 عالم عراقي. وأبعد من ذلك يقول التقرير: ان «أحد أسباب انتشار الانفجارات في بعض شوارع المدن العراقية يكون المستهدف منه قتل العلماء». بمعنى ان المسؤولين عن تلك العمليات كانوا هم الذين يقومون بتفجيرات تنسب الى "إرهابيين" و"انتحاريين" إنما من اجل قتل أحد العلماء المستهدفين، وذلك حتى ولو أدت الى قتل عشرات الأبرياء.

والعلماء العراقيون قد يكونون علماء عملوا في برامج تكنولوجية وعلمية رعاها نظام الرئيس الراحل صدام حسين (لاقامة قاعدة علمية لمشروعه الاستراتيجي)، ولكنهم مثل "القصر الجمهوري" ملكٌ للعراق وذخيرةٌ لشعبه ورمزٌ من رموز حقه، ليس بالاستقلال والسيادة فحسب، بل وبالبقاء المجرد أيضا. وهم ثروةُ معرفة وخبرات يعني هدرها هدرا لكل وجه من وجه البناء والتنمية في المستقبل.

وقتلهم قد يكون تعبيرا عن أحقاد منحطة، وعديمة الإنسانية، ولكنها جريمة حرب أيضا. فهل كان يجوز ان تمر جريمة بهذا الحجم، من دون حساب، ولا ملاحقات ولا أسئلة في "طولة" البرلمان وحظيرة الحكومة ومرتع العمائم؟

والمرء يمكن ان يكون عميلا ومأجورا ورخيصا الى أقصى حدود الإبتذال، ولكن "الشكليات" نفسها تتطلب منه أن يظهر شيئا من الإحترام لنفسه، ولو على سبيل الزيف والتقية والتمثيل والأكاذيب، ليتخذ موقفا يبدو من خلاله انه... يعني مو كلش موافق، وان لديه شوية تحفظات، وان السفالة لا تحتاج ان تبلغ هذا الحد من السفالة.

ولكن،

اذا كان قاع الصمت والتواطؤ يبدو منخفضا زائدا عن كل حد، فهناك ما هو أوطأ منه. وهو ان زعماء المليشيات الحكومية كانوا هم الذين يبيعون الأسماء والعناوين، ليس للموساد وحده وانما للحرس الثوري الإيراني أيضا. وهناك من الشهادات والأدلة والبيانات ما يكفي للعثور على مرتكبي الكثير من جرائم القتل والتفجيرات وأعمال الخطف والذبح والتعليق على أعمدة الكهرباء والإغتصاب التي تعرض لها العلماء وأفراد أسرهم وأقاربهم، فضلا عن مئات الآلاف من الأبرياء الآخرين.

والمرء قد يسعى لسلطة من أجل أن ينتقم، أو من اجل أن يكسب مالا وجاها، أو من أجل أن يمارس ذلك النوع من النذالة الذي يمكن تتبع أثره في الجينات، إلا انه ليس مضطرا، وهو في السلطة، أن يدمر القيمة المعنوية لسلطته نفسها.

معقول؟

أي سلطة تلك التي تستحق إرتكاب كل تلك الجرائم من أجلها؟ ما قيمتها؟

يا أخي، طز.

القليل من إحترام النفس، والقليل جدا من الشرف كان يكفي لأي واحد من أركان إسطبل الحمير هذا، وهو يرى ما يراه، لأن ينسحب من "الطولة" وما فيها، فما بالك أن يلتحق بها منتسبون جدد.

هكذا، ولو على سبيل القليل من الأنفة، واحترام النفس، بدلا من اغتيالها.

ولكنهم لا يفعلون، ليس لأنه لا شيء لديهم سوى الحقد المريض، بل لانه لا قاع لحضيضهم. فهم ينحدرون فيه، بسقوط حر (free fall)، لأنهم كلما عثروا على قاع وجدوا، بين أولي نعمتهم، من يجرهم الى قاع أسفل منه.

وهل يفعل الإحتلال، أي إحتلال، شيئا غير ذلك، أصلا؟

ألا يختلق كلُّ إحتلال حضيضا جديدا، لمأجوريه ومنتسبيه الجدد، كلما جدَّ في الأمر حضيض؟

alialsarraf@hotmail.com

 


 

إلى صفحة مُشاركات الزوار7