04/12/1428

بسم الله الرحمن الرحيم

  

 أخطأ من أنتقد حضور سوريا مؤتمر أنا بوليس

 

 بقلم :  العميد المتقاعد برهان إبراهيم كريم

 موقع النهى*

هرول البعض, وحثوا الخطى إلى مؤتمر انابوليس ولكل واحد منهم هدفه  وحلمه وأمله ومبتغاه.
ومع أن دعوة الرئيس بوش للمؤتمر كانت دعوة فاترة, إلا أنه قصد منها تحقيق أهداف ثلاث:
1.    عزل سوريا, وتشكيل حشد لإقصائها عن المسرح. وسوريا تعرف أن عزلها مستحيل.
2.  محاولته اللعب في الوقت الضائع لتحقيق مكسب انتخابي لحزبه, ومظاهرة إعلامية في وجه إيران وسوريا وقوى المقاومة والممانعة, وكسب بعض ما خسره وسط المجتمعين الأمريكي والعربي والإسلامي والإسرائيلي. وتحسين صورة بلاده. وسوريا تعرف أن الأوان قد فات, وأنه لم ولن  يحقق مبتغاه. وأن نائبه ونتنياهو يسعيان لإفشال المؤتمر من خلف الستار.
3.   الالتفاف على تقرير لجنة بيكر هاميلتون. الذي يؤكد على ضرورة محاورة سوريا . وذلك بإيجاد حل لقضية الصراع العربي الصهيوني بمعزل عن سوريا. يضمن له الإفلات من هزائمه وفشل مشاريعه. وسوريا على دراية تامة بأن الرئيس مهزوم ومأزوم ويائس ومحبط, وأنها مفتاح الحل والربط لمشاكل المنطقة, وتجاوزها عبث في عبث.
هرول أولمرت إلى المؤتمر ليتهرب من الملاحقات التي يلاحق بها قضائيا, ولتقوية وضعه ووضع ائتلافه. وتحسين صورته أمام الاسرائيلين. بفتح ولو ثغرة في جدار التطبيع. وخاصة بوجود 17 دولة عربية بما فيها جميع دول الخليج العربي, وكذلك لكسب الوقت وهدره بالمفاوضات مع محمود عباس, وخفض مستوى الضغوط الأمريكية(إن وجدت) على إسرائيل. والتهرب من المرجعيات الدولية للسلام, وإجهاض المبادرة العربية وقرارات الأمم المتحدة. وقنص فرصة لانتزاع  الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية, وقبول مبدأ انتهاء الصراع. ولإغتيال كل قرار يتمخض عنه المؤتمر ويضر بمطامحه الصهيونية. وتحقيق مكاسب شخصية له ولمحمود عباس والرئيس جورج بوش بفرقعة إعلامية.وسوريا تعرف انه إنما هو مهزوم يكابر وينافق, وستكون بالمرصاد لتمنع هدر أي حق, وتحبط مسعاه ومبتغاه.
وهرول البعض إلى المؤتمر متذرعا بشبه الإجماع العربي وبدعمه للحق العربي.وسوريا لم تخرج يوما من الأيام عن الإجماع العربي, وهي أكثر من ضحت من اجل الحقوق العربية.
وهرول البعض إلى المؤتمر متذرعا بدعم حقوق الفلسطينيين ومساندة سلطة الرئيس محمود عباس. وسوريا ممن تدعم حقوق الشعب العربي الفلسطيني, وليس لها خلاف شخصي مع أحد.
وهرول البعض إلى المؤتمر متذرعا بعدم تفويت الفرص السانحة  بعد تعهد رسمي من الرئيس جورج بوش. وسوريا لم تضيع أو تهدر أية فرصة, ولم تعرقل جهد يعيد الحقوق ويوفر السلام.
وهرول الرئيس محمود عباس إلى المؤتمر لتحقيق خمسة أهداف: الهدف الأول تأكيد تحالفه مع الرئيس جورج بوش. والهدف الثاني خداع الشعب الفلسطيني بأن سياسته بدأت تؤتي أكلها. والهدف الثالث نسج مظلة حماية عربية ودولية لمواقفه. والهدف الرابع إقناع الإسرائيليون بأن السلام هو المدخل الوحيد لأمنهم وأمن جيرانهم. والهدف الخامس محاصرة وعزل حماس والجهاد وباقي الفصائل الفلسطينية الرافضة لسياسته, والحصول على دعم عسكري خارجي لاجتياح القطاع. وراهن أن يعود بمكسب. فكانت ظنونه إثم, ورهاناته جميعها خاطئة, وعاد بخفي حنين.
أما سوريا فقررت الاشتراك في المؤتمر وبتمثيل مخفض برئاسة معاون وزير لعدة أسباب أهمها:
·   أنها اشترطت لحضور المؤتمر توجيه دعوة رسمية لها, وإدراج موضوع الجولان في جدول أعمال المؤتمر. فقبلت شروطها ولم يعد لها من حجة أو عذر لعدم المشاركة.
·   أنها وجدت أن المؤتمر يشارك فيه قوى دولية فاعلة ودول صديقة. ولهذا فحضورها واجب من باب الاحترام والتقدير لهذه الدول, ولكي لا يفسر غيابها تفسيرا خاطئ من قبل البعض.
·   أن المشاركين سيحملون سوريا فشل المؤتمر, واستمرار معاناة الفلسطينيين بعدم حضورها رغم دعوتها, وأنها تغيبت رغم مناقشة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان. وسوريا تعلم إن المؤتمر فاشل بحضورها وعدم حضورها.لأن إسرائيل ستتهرب كعادتها, والرئيس جورج بوش في عامه الأخير من ولايته وغير قادر على اتخاذ قرارات قابلة للصرف.
·   وبعض المشاركين أرادوا من حضورها أن تكون فرصة يستغلونها لتصحيح العلاقة معها. وسوريا تراه يصب في مصلحتها, و تريد أن يعود البعض عن خطئه ويعيد رتق ما أنفتق.
·   وبعض المشاركين اعتقدوا بان حليفهم بوش سيعيد بريقه , ويلمع صورته, فيكون موقفه موقف فخر واعتزاز لهم بعدما أحرجوا وتشر شحوا أمام مواطنيهم والعالمين العربي والإسلامي. وسوريا تعرف أن الرئيس محشور في الزاوية. وانه لا يخرج من حفرة وورطة حتى يسقط بحفر وورطات مريرة.وأمل هؤلاء كأمل إبليس في دخول الجنة.
·   أن البعض راهن على أن حليفهم جورج بوش سينقذهم مما هم فيه بحل ومعجزة. وسوريا تعرف أن المعجزات لله وحده, والحلول هي مما يجهلها الرئيس الأميركي جورج بوش.
·   أن البعض  قد يعمد إلى تجيش المؤتمر ضد سوريا وإيران والمعارضة اللبنانية وفصائل المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين. وسوريا بحضورها ستحبط هذه العملية من أساسها.
·   أن البعض سيعمد إلى تسويق نفسه على أن له وزن ودور عالمي, وأنه مازال له قوة وتأثير على مجريات الصراع العالمي والصراع العربي الصهيوني. وسوريا ترى أن حضورها سيثبت أن الوزن والتأثير والدور الأعظم والأكبر هو لسوريا فقط.
·       أن مجرد دعوة سوريا دليل على أن الهدف الأساسي للمؤتمر بعزلها قد ثبت فشله وانتفى.
ولذلك بمجرد أن قبلت شروط سوريا, وأعلنت سوريا موافقتها على الحضور, بدأ اللغط الإعلامي المعد مسبقا. وبدأت بعض وسائل الإعلام تفسره بما يسيء لسوريا وينتقص من موقفها, ويشعل الفتنة بينها وبين حلفائها. حتى أن البعض وقع في الفخ وراح ينتقد مشاركة سوريا عن نية خبيثة أو بحسن نية, ولو تمهل لوجد أن موقف سوريا سليم 100%. فالقيادة السورية تحسب ألف حساب لكل خطوة تخطوها,ولا تقامر بمواقفها.فوحدها سوريا اشترطت على المؤتمر والمؤتمرين فقبلت شروطها. في حين اشترط الآخرين فرفضت شروطهم, ومع ذلك حضروا المؤتمر.
أشترط أبو مازن لحضوره المؤتمر: تجميد الاستيطان, ووضع جدول زمني لمفاوضات الحل الدائم, ووقف بناء الجدار العازل, ورفع الحواجز العسكرية في أنحاء الضفة. فرفضت شروطه ومع ذلك هرول إلى المؤتمر.واعتبر أبو مازن وحلفاء الرئيس جورج بوش أن المؤتمر سيكون ذا وزن ومغزى وتأثير. فرد عليهم اولمرت بخطابه:أن مؤتمر انابوليس أمرا صغيرا, لكن الدول الأربعون الأهم في العالم تواجدت فيه. ومع ذلك خرج أبومازن بنهاية المؤتمر ليعلن ويقول: أن الهدف الرئيسي من مشاركته في المؤتمر وهو إطلاق عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد تحقق, وأن هنالك محطتان بعد مؤتمر انابوليس الأولى في باريس والثانية في موسكو, حيث سيكون هناك مؤتمر آخر للمراجعة لمعرفة ما تم بالمفاوضات التي ستبدأ خلال شهر كانون الأول عام 2007م. وجاء الرد من واشنطن سريعا حين سحبت مشروع القرار  الذي قدمته لمجلس الأمن الدولي لإصدار قرار بدعم نتائج مؤتمر انابوليس منصاعة لموقف إسرائيل الرافض على ذكر جدول زمني بمشروع القرار بحلول نهاية 2008م, بذريعة أنها لا تعتبر مجلس الأمن هو المكان المناسب. وبلع السيد أبومازن إهانة  رايس له أثناء المؤتمر حين قالت له حرفيا: أقلعوا عن هذه الألاعيب والمناورات يجب أن نتفق الآن. وكذلك إهانة  وزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني حين قالت لأحمد قريع : إما أن تقبلوا البيان وإلا فأتركوننا لشأننا. وبهذا يمكن القول أن السيد الرئيس أبومازن ليس صادقا في كل ما يقول ويفعل. فهو يخدعنا ويكذب على شعبه.
ورغم أن شروط أولمرت لحضوره المؤتمر قبلت من الإدارة الأمريكية. إلا انه لم يستطع أن يحقق شيئا آخر سوى إفشال المؤتمر. ولكنه حاول التماهي بكلام معسول على انه حقق انتصارات ومكاسب من المؤتمر. وهذا أسلوب صهيوني بات مفضوح.فاولمرت يعرف أن لاءاته الست وهي: لا لعودة القدس للدولة الفلسطينية, ولا لعودة اللاجئين, ولا لتفكيك الكتل الاستيطانية الكبيرة, ولا لإزاحة الجدار العنصري الفاصل, ولا لإسرائيل غير اليهودية, ولا لدولة فلسطينية كاملة السيادة, بدأت تتهاوى واحدة اثر أخرى. وكذلك محاولاته  ترويج أن القضية الفلسطينية ليست هي قضية شعب مشرد وأرض مغتصبة .وإنما هي قضية صراع بين أخيار وأشرار. أخيار هم العرب الطيبين والإسرائيليين الذين يؤمنون بالتسامح والتعايش بنظره. وأشرارهم العرب والمسلمين الراديكاليين والأصوليين الذين يرفضون السلام ويرجون لكراهية ويمارسون الإرهاب (وهو التعبير الذي يستخدمه ككناية للمقاومين) ويرفضون التنازل عن بعض الحقوق لإيجاد حل دائم, هي الأخرى لم تعد تلقى أذانا صاغية. فشعوب العالم وغالبية اليهود والإسرائيليون لم يعودوا مقتنعين بهذه الأكاذيب والسفسطائيات. فالعالم تغير, واللوم ينصب على إسرائيل كزخات البرد من كل جانب.فجهود قوى الانتفاضة والمقاومة مزقت برقع الحمامة المسكينة التي تتقنع به إسرائيل, وأظهرتها على حقيقتها وحش كاسر وعدواني. وتهمة محاربة السامية التي ترهب بها العالم لم تعد تخيف أحد, والعالم بدأ يطالب بالضغط على حكومة إسرائيل للقبول بالدولة الفلسطينية, والتحرك باتجاه إيجاد تسوية تمنع خطر نشوب الحروب. والدليل على ذلك أن أحزاب إسرائيل لم تعد تحظى بالمصداقية. وخير دليل على ذلك نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة والتي كشفت عن عدم ثقة الإسرائيليون بأحزابهم وجيشهم وساستهم.ومع ذلك خرج أولمرت ليقول متفاخرا وعلى مضض: حين كنت ألقي كلمتي في المؤتمر وصفق لي البعض شعرت أن 40دولة  صفقت لخطابي, ويمكن التفكير أن كل هذه المجموعة تصفق طوال اليوم لإسرائيل.وراح أولمرت يستخف بمحمود عباس حين قال: أن أبومازن  قال أمام ممثلي الجامعة العربية  أنني أعمل من اجل السلام رغم أنني لم أتنازل عن شيء. وقال اولمرت أنه خلال مأدبة العشاء في وزارة الخارجية الأميركية اقترب مني معظم وزراء الخارجية العرب وصافحوني كلهم تقريبا باستثناء السوريين و الأمير سعود الفيصل.وهذا دليل على انه لم يستطع أن يحقق ما كان يصبوا إليه.
ورغم أن الرئيس جورج بوش أندفع ليقطع  وعدا على نفسه بإقامة دولتين منفصلتين واحدة إسرائيلية والأخرى فلسطينية. إلا أنه لم يلفظ في المؤتمر كلمة استيطان أو مستوطنات, حتى لا يحرج نفسه وأولمرت. ويضع نفسه وإسرائيل في ورطة. إلا انه ومع ذلك لم يسلم من حليفه طوني بللير حين أعتبر أن الرئيس جورج بوش تسرع وأخطأ بتعهده إقامة دولتين منفصلتين لأنه غير قادر على الوفاء بتعهده, وكان من الأفضل له ألا يتعهد. وبعد المؤتمر بدأ يتهرب مما وعد.
وخرج الكثير من الحضور إما  خائبا أو محرجا أو غاضبا أو عاتبا أو معاتبا أو مذهولا من وهن الرئيس جورج بوش وإدارته. فالعالم تغير, والأساليب السابقة والحالية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية لم تعد نافعة أو مفيدة أو ذات جدوى. ولم يعد لها شيء من البهرجة والسحر والقوة الذي كان تخلب بهم عقولهم وألبابهم. فذاك زمان ولى على غير رجعة. والكل مقتنع أن على كل نظام أن يعتمد على كاهليه ونفسه وإمكانياته وقدراته, ويقلع شوكه بيديه دون أن ينتظر أحد.
وحدها سوريا خرجت من المؤتمر وهي الرابحة.لأنها لم تعول أصلا بشيء على هذا المؤتمر. ووضعت الإدارة الأمريكية في حرج كبير. فالإدارة الأمريكية التي قطعت شوطا كبيرا وبعيدا في العداء لسوريا وجدت نفسها مجبرة ومرغمة للحديث والتحاور معها والتباحث معها بشأن كثير من القضايا العربية والإقليمية والدولية. وسوريا تعرف أن ما تسعى إليه سيتحقق عاجلا أم آجلا, وبدون إن تتنازل عن أي من ثوابتها القومية والوطنية. وكان موقفها كعادته على أفضل ما يكون. بفضل سياسة وهمة وحكمة قيادتها الوطنية والشجاعة. فألف تحية لسوريا وقيادتها والسيد الرئيس بشار حافظ الأسد. ونتمنى على من أنتقد حضورها أن لا يتسرع ويكرر خطأه مرة أخرى.
 الأربعاء 12/12/ 2007م                       
       بريد الإلكتروني:

   burhank45@yahoo.com

                       :  bkburhan@maktoob.com

                         :  bkriem@gmail.com

 

 

 


 

إلى صفحة مُشاركات الزوار7