15/12/1428

بسم الله الرحمن الرحيم

   

 نقول للسيد الرئيس نيكولا ساركوزي من باب الوفاء

 

    بقلم : العميد المتقاعد برهان إبراهيم كريم

                 

  موقع النهى*                   

قذفت نتائج الانتخابات الفرنسية  بالسيد ساركوزي ليكون الفائز والرئيس الفرنسي الجديد.

وبظن من صوتوا له أنه سينجز المزيد من الرفاهية والازدهار, ويحقق لهم ما عجز عنه سابقيه.

وخاصة أن الشعار الذي اختاره لحملته الانتخابية طنان رنان وهو: العمل أكثر لكسب المزيد.

تقلد منصبه والموقف الفرنسي مازال قوي. وجمح بنا الخيال لنتخيل أنه سيقول للرئيس جورج بوش: لو استمعت لنصيحة فرنسا,لوفرت على نفسك الذل الذي ترزح فيه. ولو احترمت الرأي العام العالمي والموقف الفرنسي والسوري وبقية مواقف الدول الرافض لغزوك العراق, لوفرت على بلادك الخسائر الفادحة في المال والعتاد والأرواح. ولما أوقعت نفسك وإدارتك وبلادك والعالم في الجحيم, ولما عانت إدارتك وبلادك وجيشك مما يعانوه من هزائم وتفكك وخراب. ولكن الرئيس ساركوزي فاجأ الجميع حين ارتدى لباس الحرب, وسافر إلى واشنطن ليضع نفسه وبلاده في أمرة وتصرف الرئيس جورج بوش ليحارب سوريا وإيران والإرهاب. وكأنه  يريد أن يزاحم الحكومة البريطانية والسيد طوني بللير على دور التابع الذليل لجورج بوش. والمرفوض من غالبية البريطانيين. والذي  تحاشاه رئيس وزراء بريطانيا الجديد خليفة طوني بللير. والسيد ساركوزي بهذا العمل, إنما يريد أن يعوض الرئيس جورج بوش بحليف فرنسي بديلا للحليف البريطاني الذي كان يشد في عضده, بعد أن  انفرط عقد تحالف غزاة العراق , وراحوا يفرون بجلودهم بعد أن انهارت كل الحجج والذرائع الواهية والكاذبة التي فبركوها لاحتلال العراق.  

عجيب أمر الرئيس ساركوزي, ومحزنة تصرفاته , وكأنه يجهل أن الحروب تخلف الفقر والفاقة والعوز والإجرام والبطالة والتشرد والفساد وبيع الضمائر والتخلف وممارسة البغاء, وتفسد تربية الأطفال, وتشوه البشر. وأكثر ما ترمي بثقلها وظلالها القاتمة على الأطفال. وبلاده عانت من حروب كثيرة مازالت آثارها المدمرة محفورة في الذاكرة وتتناقل كالموروثات من جيل إلى جيل.  وغريب أمره حين خاطب الشعب الفرنسي قائلا: إن الفرنسيين لا ينتظرون مني أن أوزع هدايا مثل بابا نويل لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الصناديق خالية من المال. وفرنسا من دول العالم المتقدم والمتحضر, والفرنسيين شعب مجد في عمله ومنتج, ولم يخطر بذهن احد أن ينتظر يوما أن يطرق بابه بابا نويل, أو غير بابا نويل. والأنكى من ذلك حين نصب نفسه أستاذا ليعلمنا معاني الصداقة والوفاء. وتناسى أنه لم يكن وفيا لزوجته, التي سارع ليطلقها فور تسلمه لمهام منصبه الجديد. وراح يحدث الشعب الأميركي عن ما يكنه له من حميم صداقته ووفائه. رغم أنه كان من الأجدر به, أن يكشف للشعب الأمريكي عدم وفاء إداراته للفرنسيين. الذين وقفوا مع الشعب الأميركي في حروبه لنيل الاستقلال من الاستعمار البريطاني, وتحقيق وحدة تراب بلاده, وضمان وصيانة إتحاد ولاياته. وأن يذكر الأميركيين بصداقة الفرنسيين لهم في  مواجهتهم لكل المحن. وأن يذكرهم بأن صداقة الفرنسيين  لهم عادت عليهم بالربح وبالوضع المتميز والفريد. وأدهش العالم والفرنسيين  بخطابه الذي حشر فيه كلام نابي. حين ندد بالزعران غير المنظمين وبالمهربين في الضواحي المستعدين للقيام بأي شيء. مؤكدا بان ما حصل في ليه لوبيل لا يمت بصلة إلى أزمة اجتماعية, بل انه مؤشر على دور الأنذال. والأغرب من كل هذه الأمور ما بات ينتهجه ويتمسك به في سياسته الخارجية, والتي لا تقنع غالبية الفرنسيين والعرب والمسلمين:

·    فتشدده في موضوع الملف النووي الإيراني حتى بأكثر من الرئيس جورج بوش, وكأن الهدف منه أن يثبت لإسرائيل التي هي من تهول لإخطار المشروع النووي الإيراني, على انه إسرائيلي أكثر من ألإسرائيليين, وصهيوني أكثر صهيونية من أي صهيوني.

·   وتبنيه لمواقف وطلبات الرئيس جورج بوش وإدارته حرفيا وبحذافيرها. والتي راح يتبجح بتأييده لها,ويدعيها لنفسه ولإدارته,  ويحملها لوزرائه وموفديه لإقناع الآخرين بأنها طلبات ومواقف فرنسية أولا. ومواقف وطلبات المجتمع الدولي ثانيا. والتي تسيء لفرنسا والجمهورية الرابعة التي شيدها الجنرال شارل ديغول ولكل الرؤساء من سابقيه.

·   وحذفه الدور الفرنسي المناهض لبعض جوانب السياسة الأمريكية لأربعة عقود بجرة قلم. إنما يقزم منصبه من رئيس فرنسي ليكون أشبه بدور وزير أمريكي لا أقل ولا أكثر.

·   وتناسيه أن تصرفات بعض الإدارات الأمريكية, ومنها إدارة الرئيس جورج بوش. كانت أكثر عدوانية بحق فرنسا والشعب الفرنسي. وأنهم لم يدخروا جهدا من أجل تقسيم فرنسا وإنهاء دورها, وحتى القضاء على ثقافتها ولغتها, والتحكم بمصالحها الاقتصادية. وأنهم لجئوا إلى كل الحيل والمناورات  لإفشال وإحباط مشروع الاتحاد الأوروبي. وحتى إجهاض الدور القيادي لفرنسا,إن كان على صعيد الوحدة الأوروبية أوالصعيد الدولي.

حتى الآن فإن سياسة الرئيس ساركوزي  لا لون لها ولا طعم, ولا ثمر ولا زهر, ولا منظر. وإنما تناقضات وأصوات وحركات راقصة مزعجة لا معنى لها وتعكر المزاج ولا تسر النفس.

تحرك ساركوزي لحل أزمة انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان فجاء التحرك الأول خطأ بعنفه وتهديده ووعيده لقوى لمعارضة, وحاول تصويبه في التحرك الثاني فجاء متسما بالميوعة كي لا يحرج سعد الحريري والأكثرية. وربما يكون الموقف الثالث خلطة من كلا الموقفين والله اعلم.

وصلب موقفه من سوريا في البداية, ثم راح يعدله كل يوم, ويعطيه لون وطعم جديد, مع ثباته على التهرب من الاعتراف بسلامة و صوابية السياسة السورية في كل اتجاه. وراح يفرض نفسه على السوريين وسوريا فاحصا ومدققا ليختبر نواياهم في كل مرة, ويتجاهل أن سوريا هي من طورت وعززت صداقاتها مع فرنسا, حين كانت فرنسا تواجه أشرس هجمات الإدارات الأمريكية. وأن على الرئيس ساركوزي أن يكون وفيا لسورية إن كان حفا ممن ينتهج الوفاء.  ومع تركيا تشدد في دخولها الاتحاد الأوروبي, وراح يضع الحواجز والعراقيل. إلى أن أجبر رئيس الوزراء التركي أن يرد عليه ويقول: أن موقف ساركوزي من تركيا يفتقد اللباقة والكياسة. أما بخصوص العراق فراح يطابق موقفه مع الموقف الأمريكي, ويلغي كل زاوية وفرق صفحة نجمت عن موقف المسئولين الفرنسيين السابقين والرئيس شيراك. ويتجاهل مواقف السخرية والازدراء بحق فرنسا والأوروبيين والقارة الأوروبية العجوز. التي تلفظ بها ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وغونداليزا رايس وباقي الصقور والمحافظين الجدد المتصهينين في عز المعمعة.

أما في فيما يخص الوضع الفلسطيني فيصر ساركوزي على توافق وتطابق موقفه مع الموقفين الأمريكي والإسرائيلي. ويؤكد على دعمه فقط لمحمود عباس وسلطته. وهو بهذا الموقف يخالف ويناقض موقف الاتحاد الأوروبي, بل انه يتعارض حتى مع الموقف الفرنسي الرسمي.

أما تحركه المتواصل لتوطيد العلاقات الفرنسية مع دول المغرب العربي. فأن تحركه وزياراته يجهض نتائجها بتعنته في رفضه تقديم الاعتذار عن مرحلة الاستعمار الفرنسي, وما سادها من أعمال جور وظلم واستبداد بحق الجماهير في تونس والجزائر والمغرب.

والعجيب أن البريطانيين طوروا موقفهم من قضية الشرق الأوسط . فأعلن جون ويلكس الناطق الرسمي باسم الحكومة البريطانية في خطاب موجه لدول الشرق الأوسط : الشرق الأوسط بأكمله يجب أن يكون خاليا من أسلحة الدمار الشامل. ثم أعقب جون ويلكس تصريحه الأول بتصريحين اثنان. التصريح الأول أعلن فيه:أن قوى الغزو في العراق فشلت في خلق نظام أفضل من النظام السابق. وفي التصريح الثاني قال: مصير الشرق الأوسط يعتمد على حل النزاعات الرئيسية وفي مقدمتها النزاع الفلسطيني الإسرائيلي والوضع في العراق وأزمة لبنان والوضع في دارفور. وان أسباب مشاكل الشرق الأوسط هي الاستعمار القديم وأمريكا والديكتاتورية وقرارات النخب السياسية الفردية. بينما تراجع وتخلف الموقف الفرنسي في ظل ساركوزي إلى الحضيض. فلا الرئيس ساركوزي يقدم اعتذارا باسم شعبه الفرنسي لكل  الشعوب التي استعمرتهم بلاده. ولا هو  ينأى بنفسه وبلاده عن إدارة الرئيس جورج بوش التي بدأت تتفكك وينفك عنها صقورها ومحافظيها الجدد وينهار تحالفها فيما يسمى غزو العراق والحرب على الإرهاب, ولا هو يتخذ موقفا من الديكتاتوريات تفرح  و تنشرح له كل من الحرية والديمقراطية. ولا هو على الأقل يحافظ على صداقات فرنسا مع الآخرين. والتي شيدت بكثير من الجهود وعبر عدة عقود.

نتمنى على السيد الرئيس ساركوزي أن يقوم بزيارة دمشق ويستمع لوجهة نظرها , وعندها سيكتشف انه هو يسير بعكس الاتجاه وبعكس الريح, وأن سوريا كانت ومازالت على صواب.

     الأربعاء 19/12/2007م                          

       بريد الإلكتروني:   burhank45@yahoo.com

                       :  bkburhan@maktoob.com 

إلى صفحة مُشاركات الزوار7