18/11/1428

لماذا يغيب العراق عن منتديات الثقافة العربية؟   

  بقلم : محمد عارف

 يومَ بدأت الصواريخ الإيرانية تدك بغداد خلال حرب الخليج الأولى اتصلتُ هاتفياً من لندن بشقيقي الضابط بالجيش، وسألته السؤال العراقي المُعَمّى: "شكو.. ماكو"؟.. أجابني متسائلاًً: "ليش شكو"؟!.. أوضحتُ بلهجة خافتة: "الحرب"؟.. قال، وهو يضحك بقوة: "أيْ حرب أخي؟.. كل شي ماكو"!.. ولم أملك سوى أن أشاركه الضحك. وسمعتُ نفسي أضحك الضحكة نفسها في منتديات مخصصة للثقافة العربية عُقدت أخيراً في المنطقة العربية. ولم أجد غير نفسي أسألها: إذا كان شقيقي في ثمانينات القرن الماضي يأخذ في حسابه عندما يتكلم بالهاتف أجهزة تنصت المخابرات العراقية والإيرانية والإسرائيلية والأميركية.. وإلى آخره، فما في حساب مفكرين عرب يحجمون عن ذكر اسم العراق، وهم يتحدثون عن أخطر التحديات، التي تواجهها الثقافة العربية في القرن الحادي والعشرين؟

حضور موضوع العراق في هذه المنتديات كان، كغيابه شبه مطلق. وأنا لا أعرف بلداً آخر غير العراق يُبادُ فيه المثقفون صباح مساء. بيانات نعي المثقفين العراقيين أصبحت باباً ثابتاً في سِجِّل "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة" (اليونسكو). آخر نعي صدر عن "اليونسكو" حتى كتابة هذه السطور ذكر أن عدد قتلى الصحفيين والإعلاميين العراقيين بلغ 122، إضافة إلى 42 من مستخدمي الهيئات الإعلامية. ولا تملك المنظمة الدولية إحصائيات موثقة بعدد القتلى والمختطفين من رؤساء وعمداء وأساتذة الجامعات، والعلماء والأطباء والمهندسين والكتاب والفنانين، لكنّ مسؤولي "الأمم المتحدة" يعترفون بأن أيَّ بلدٍ في العصر الحديث، وربما في كل العصور لم يشهد عمليات قتل وتهجير ونزوح للمثقفين كتلك، التي تجري في العراق منذ احتلاله عام 2003.

إن لم تكن هذه أسباب تستدعي ذكر العراق في المنتديات الثقافية العربية فماذا عن استمرار المثقفين العراقيين في الإبداع والازدهار؟ ألا يستحق الاهتمام كيف تشق الثقافة العراقية عبر جحيم الأوضاع الراهنة طرقاً جديدة في التفكير والممارسة؟ ففي مدينة دبي حقق الفن العراقي رقماً قياسياً عشية عقد "المؤتمر الأول للمعرفة". حدث ذلك حين باع مزاد "كريستيز" فرع دبي لوحة زيتية للفنان ضياء العزّاوي عنوانها "الوضع البشري" بمبلغ 120 ألف دولار. وكان "كريستيز" قد باع قبلها بالسعر نفسه منحوتة "الطوطم" للعزّاوي، ولوحة بالإكريليك بسعر 72 ألف دولار. وتحمل أعمال العزاوي، التي ضمها أكبر معرض استعادي لفنان عربي في باريس بصمات الحياة الثقافية العربية، من معلقات الشعر الجاهلي إلى مذابح صبرا وشاتيلا وجرائم الحرب على العراق.

 

وفي بيروت تُعبّرُ عمارة من خمسة طوابق تضم خمس منظمات ثقافية عربية عن إنجازات واحد من ألمع المثقفين العراقيين. تحمل العمارة اسم "بيت النهضة" وتقع على مسافة دقائق مشياً من فندق "كراون بلازا" حيث عقدت أخيراً "مؤسسة الفكر العربي" اللقاء التحضيري حول "التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية". ولعب الدور الأساسي في إنشاء "بيت النهضة" المفكر العراقي خير الدين حسيب. ويُعتبر "مركز دراسات الوحدة العربية" الذي أنشأه حسيب عام 1975 المنظمة الأم، وصدر عنه ما يزيد عن 700 كتاب في السياسة والاقتصاد والفكر والعلوم، بينها "موسوعة تاريخ العلوم العربية" بثلاثة مجلدات. ولم تتوقف مجلة "المستقبل العربي" التي أسسها المركز عام 1978 عن الصدور شهرياً حتى في أكثر أيام الحرب الأهلية اللبنانية دموية. وتشكل أعداد المجلة، والكتب الصادرة عن احتلال العراق مكتبة قائمة بذاتها، صدر منها أخيراً مجلد "الحرب على العراق" الذي يقع في ألف و600 صفحة، ويضم يوميات ووثائق وتقارير للفترة 1990-2005.

ويلعب المركز، الذي أطلق أخيراً "المجلة العربية للعلوم السياسية"، ومجلة "بحوث اقتصادية عربية" دور الحاضنة لمشاريع ثقافية عربية بالغة الأهمية. ففي عام 1999 ساهم بتأسيس "المنظمة العربية للترجمة"، التي أصدرت لحد الآن ما يزيد عن 50 كتاباً من عيون الفكر الفلسفي والعلمي العالمي. وهي كتب لا تتحمل أعباء ترجمتها وإصدارها دور النشر التجارية، وبينها كتاب "فنومينولوجيا الروح" للفيلسوف الألماني هيغل، وكتاب "العلم والفرضية" للعالم الفرنسي هنري بوانكاريه. وفي عام 2005 أطلق المركز "المنظمة العربية لمكافحة الفساد" التي يرأس مجلس أدارتها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سليم الحُص.

و يقوم واحد من أهم إبداعات الموهبة المعمارية العراقية على مرمى النظر من فندق "شانغريلا" في أبوظبي، حيث عقدت صحيفة "الاتحاد" منتدى "تحديات الثقافة العربية في عصر العولمة". جسر أبوظبي الجديد، الذي يربط جزيرة العاصمة بأرض الإمارات العربية المتحدة صمّمته ونفذته المهندسة العراقية زهاء حديد. ويستحق الجسر ندوة ثقافية تناسب أبعاده، التي تمتد مسافة 900 متراً وترتفع 60 متراً فوق سطح الماء. فهو أول جسر في تاريخ العمارة العالمية تقيمه امرأة، وأول جسر يقيمه مهندس معماري، ويُعتبر بناؤه واحداً من أهم فصول الثقافة العربية والعالمية، وأروع قصص زهاء حديد مع العمارة، ومع الجسور بالذات. فالجسر كان موضوع أطروحة تخرجها من كلية الهندسة المعمارية في لندن AA. وفي عام 1996 فازت على 296 مهندساً بتصميم "الجسر السكني" Habitable Bridge على نهر "التيمس"، الذي يضم قاعات مسرح وسينما وفنادق ومطاعم. و"الجسر السكني" واحد من تصاميم معمارية عدة فازت بها المهندسة العراقية على أبرز المعماريين العالميين وحُرمت من تنفيذها.

وتمثل أعمال العزاوي وحديد وحسيب الذروة البارزة للعيان من جبل الثقافة العراقية الوطنية، الذي ترتقي سفوحه الآن أجيال جديدة تُعرض إبداعاتها الفنية المقاومة للاحتلال في مؤتمرات ومعارض ومهرجانات حول العالم. والعراقيون فنانون بالفطرة، إذا أخذنا بتعريف المسرحي الألماني برتولد بريخت للفن، الذي يغذي أعظم الفنون قاطبة Lebenskunst، ويعني "فن شق الطريق في الحياة".

تلك هي روح الثقافة الوطنية العراقية، التي تشق طريقها عبر ثقافات متصارعة متداخلة، منذ مولد الحضارة البشرية في هذا البلد قبل أكثر من سبعة آلاف عام. وليس من قبيل الصدفة أن ينفرد المفكر المغربي محمد عابد الجابري بذكر العراق في بحثه، الذي افتتح منتدى صحيفة "الاتحاد" في أبوظبي. تناول بحث الجابري "طبيعة العلاقة بين ثقافة النخبة وثقافة المجتمع وأثرها في تطور المشهد العربي منذ الخمسينات" وقد أعاد به الاعتبار إلى مفهوم "الثقافة الوطنية" الذي اختفى من الأجندة الثقافية العربية منذ أكثر من نصف قرن.

وتنبض الصورة الشعرية المرهفة، التي استخدمها الجابري لتعريف موقعه من مشهد الثقافة العربية بقلب الجيل الجديد من المثقفين العراقيين: "فأنا مُشاهِدٌ ومُشاهَدٌ في الوقت نفسه: كنتُ في الشارع أطل على نفسي من النافذة.. كنتُ حاضراً في الموضوع .. ولا زلتُ.. أمّا إذا طلبتم مني أن أعكس المنهج لأنطلق من المشهد الثقافي العربي كما هو في الوقت الراهن.. فأنا على استعداد لأعترف أمامكم أن هذا المشهد يبدو لي كمن يرى صورته في مرآة مهشمة. لذلك فضّلت أن أتكلم من داخل المرآة، وليس عمّا يمكن أن أراه على سطحها".

 التجديد العربي

 

إلى صفحة مشاركات الزوار7

إلى الصفحة الرئيسية