الأسيرتان... عالمتان من العراق

 د. شاكر الحاج مخلف

 رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي

                                                        Al-madar@maktoob.com

 د. رحاب رشيد طه

تعتبر العالمة د. رحاب رشيد طه ورفيقتها العالمة د. هدى صالح عماش من أبرز المسؤولين عن برامج الأسلحة البيولوجية في العراق خلال عهد الرئيس " صدام حسين " وتعد العالمة الكبيرة " رحاب طه " من أبرز العلماء العراقيين الذين أوكل إليهم الرئيس السابق مهمة تطوير الأسلحة البيولوجية ، وتذكر التقارير التي نشرت قبل حصول الحرب أنها ساهمت في تطوير هذا النوع من الأسلحة باستخدام بكتيريا الجمرة الخبيثة " الانثراكس " وكذلك بكتيريا التسمم " البوتولينيوم " وهي زوجة وزير النفط السابق " عامر رشيد " الذي شغل في فترة من الزمن الماضي منصب المسؤول الأول عن التصنيع العسكري ، وتعتبر الدكتورة رحاب طه من العلماء القلائل في العالم المتخصصين في علم الأحياء المجهرية ، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم " السموم النباتية " من جامعة " إيست إنجيليا " وذلك مابين عامي 1980- 1984 ، كما تعتقد التقارير المنشورة بخصوصها أنها عملت في مجال الأسلحة الجرثومية في أحد المختبرات السرية في العراق ، والذي كان يسمى " مختبر الحكومة " وذلك في أواخر الثمانينات من القرن الماضي ، وتذكر تلك التقارير أيضا أنها تعاملت مع شركات أميركية في هذا الشأن والتي لبت جميع طلباتها بالفعل ، وقد عملت الدكتورة رحاب طه التي أطلق عليها مفتشي الأسلحة لقب " الدكتورة جرثومة " للتأكيد على عملها في مجال تطوير الأسلحة البيولوجية مدة " سبع سنوات " وذلك حتى العام 1995 يسجل لها أنها رفضت خلال فترة مسؤولياتها عن تلك المرافق العلمية أنها رفضت بشدة تلك العمليات الاستفزازية التي قامت بها طواقم التفتيش الدولية ضد العلماء العراقيين ، كما دافعت بقوة عن حق علماء العراق في رفض التعاون مع فرق التفتيش ، يصفها المفتشون الذين التقوها في تقاريرهم السرية والمنشورة منها بأنها كانت امرأة صعبة المراس ، حازمة شديدة الاعتزاز بوطنها وبواجبها تجاه القيادة التي تشرف على تفاصيل عملها وهي دقيقة جداً في أقوالها ، لا تعترف بوجود أسرار لديها ، رغم أنها لم تنكر وجود تلك الأسلحة ولكنها قالت بوضوح أكثر من مرة بأن العراق كان يمتلك تلك الأسلحة البيولوجية وقد تم إتلافها بقرار من رئيس الجمهورية ، وفي مقابلة مهمة أجراها معها التلفزيون البريطاني B.B.C وذلك في أوائل العام 2003  أي قبل وقوع الحرب ، قالت " أن العراق تعرض للتهديد من قبل أعداء مختلفين ونحن في منطقة تعاني من الصراعات الإقليمية ومن حقنا أن ندافع عن أنفسنا " ، كانت فرق الأمم المتحدة تعتقد أن فريق الدكتورة رحاب طه قد طور أسلحة بيولوجية تحتوي على " سم ّ البوتولينيوم " وهو نوع من السموم الغذائية يؤدي إلى تورم في اللسان وإلى اختناق الضحية إضافة إلى مادة " الأفلاتوكسين " التي تسبب سرطان الكبد ، وبالرغم من اعتقاد الولايات المتحدة بأن لها صلة رئيسية بإنتاج أسلحة محرمة فأنها تدرجها في قائمة المسؤولين العراقيين التي ضمت 55 اسماً لأهم المطلوبين لدى واشنطن من أقطاب النظام السابق لكن القوات الأميركية اعتقلتها على أمل أن تدلها على ما تصفه بأنه خبئ من أسلحة الدمار الشامل المزعومة ، وكانت القوات الأميركية قد أغارت على منزلها في أبريل /  نيسان 2003  دون أن تعثر على زوجها أو عليها ، إلا أن الدكتور عامر رشيد الذي كان في المرحلة السابقة مسؤولاً عن التصنيع العسكري في العراق ومن القائمين على برامج الصواريخ العراقية سلم نفسه بعد أيام من الغارة على منزله ، وكذلك استسلمت رحاب طه إلى قوات الاحتلال في مايو/ أيار 2003 بعد سلسلة من المفاوضات مع تلك القوات لضمان حقوقها ومنع الكويتيين واتباع الفرس من المساس بها ، كانت كغيرها من علماء العراق وأساتذة البحث العلمي فيه قد فهموا الرسالة الأولى التي ترافقت مع بداية احتلال العراق حيث اندلق الغوغاء القادمون من مركز الحقد الشعوبي الفارسي ومعهم قوات المخابرات الكويتية التي يتشكل أغلبها من ذوي الأصول الفارسية أيضاً ، في تلك الأيام السوداء بدأت حملة تجفيف المنابع العراقية وحرمان العراق من باحثيه وأكاديمييه وذلك في هدف واضح ومعروف  ، عمل التكوين الثلاثي الغادر " الكويتي – الإيراني – الصهيوني  " على تدمير الهوية الثقافية العراقية الوطنية ، تلك الخطة بدأت بتدمير المكتبة الوطنية ومتحف صدام للفنون ونهب مقتنيات المتحف الوطني العراقي وحرق المكتبة الإسلامية والمخطوطات النادرة فيها ، وكذلك الأرشيف الوطني العراقي إلى جانب أرشيف الإعلام الخاص بمحتويات الإذاعة والتلفزيون والمطبوعات الثقافية لدار المأمون ، المغول عند اجتياحهم بغداد حولوا مياه نهري دجلة والفرات إلى مدفن كبير للثقافة ولجثث العلماء وكتبهم ، والاحتلال القادم برؤيا كويتية فارسية حول المواقع الثقافية الحضارية التراثية إلى مواقع تتواصل فيها الحرائق والدمار الشامل تلك كانت رغبة العملاء من أمثال الجلبي – علاوي ..

 

الدكتورة هدى عماش

توصف بأنها عالمة عراقية كبيرة وضعت برامج طموحة لتطوير البلاد علميا وتخريج الكوادر القادرة على إنجاز مراحل التحول التقني العلمي في المجالات التي تمتلكها دول الصف الأول ، ذات شخصية قيادية قوية متزنة مخلصة غاية الإخلاص للعراق وشعبه ، التقيتها في العام 1986 في ندوة عالمية لخبراء البيئة ومشكلاتها عقدت في الكويت وهي تلقي بحثها الذي تحدث عن المشكلات المستعصية للبيئة العراقية وكذلك الأمراض المتوطنة والتشريعات القانونية التي أقرتها الحكومة العراقية خلال الحرب مع إيران ، كانت متفوقة تماما على أقرانها من المشاركين وقد اهتمت كثيرا بالبحث الذي ساهمت به وكان عن الإعلام البيئي في العالم الثالث – المشاكل والحلول ، سجل حياتها العلمي يشير إلى تخرجها من كلية العلوم – جامعة بغداد ثم استكملت دراستها المهمة في الميكروبيولوجي في جامعة تكساس – دانتن وذلك في العام 1979 وحصلت فيما بعد على الدكتوراه في ذات الاختصاص في جامعة ميزوري بكولومبيا في العام 1983 ، تدرجت في الرتب والمواقع القيادية ، اختيرت عضوا في المجمع العلمي العراقي وذلك في العام 1996  ثم عضوا في المجمع الإسلامي ، حتى حصولها على عضو في القيادة القطرية لحزب البعث ومن الجدير بالذكر هي أبنة عضو مجلس قيادة الثورة السابق صالح مهدي عماش وكانت تحمل الرقم 53  على لائحة المطلوبين العراقيين لقوات التحالف التي تضم 55 مطلوبا ، أطلق عليها الأميركيون لقب الدكتورة  " جمرة خبيثة " كانت هدى عماش (  (49 من النساء القلائل اللائى ضمن الدائرة القريبة من صدام حسين والمرأة الوحيدة في تلك القائمة التي تبحث عنها قوات الاحتلال ، وهي أيضا المرأة الوحيدة التي تمتلك مقعداً في القيادة القطرية ، معروفة بصلاتها القوية ببرنامج الأسلحة الجرثومية وتعتبر المسؤولة عن بناء منشآت الأسلحة العراقية بعد حرب الخليج كما تدعي الولايات المتحدة وبريطانيا ، يقول المسؤولون الأميركيون بأنها قد تدربت بعد عودتها للعراق على يد العالم العراقي الكبير " ناصر الهنداوي " الذي يوصف بأنه " رائد برنامج الأسلحة البيولوجية في العراق ، في العام 1996  أصبحت رئيسة جمعية الأحياء الدقيقة وهي الجهة التي تتهمها المخابرات الأميركية بالوقوف وراء برامج تطوير جراثيم الانثركس والجدري واستخراج قوانين أسلحة الدمار الشامل ، كان الرئيس صدام حسين يوليها ثقة تامة ويكلفها بالنيابة عنه وعن العراق في المهمات السريعة في الدول العربية والأجنبية، " تصفها جريدة التايم الأميركية بأنها المرأة الوحيدة التي كانت تظهر في الصور التي تعرض على شاشات التلفزة تلك المشاهد المنقولة عن اجتماعات القيادة العليا التي كان يترأسها الرئيس السابق وهي تضم في الغالب عدداً محدوداً من القياديين الذين يشكلون الحلقة القريبة من صدام حسين " ، اختفت هدى عماش بعد أسبوع من انهيار النظام الحاكم في بغداد وعندها تحدثت وسائل الإعلام الغربية عن هروبها إلى سوريا وكان وراء تلك الإشاعة الدوائر الإسرائيلية للربط بين هروبها ووجود الأسلحة العراقية المزعوم في سوريا ، لكنها فيما بعد اعتقلت في بغداد ووضعت في سجن انفرادي تشرف عليه القوات التابعة للولايات المتحدة وهي تقبع كرفيقتها " رحاب طه " في زنزانة معتمة لا تليق بمكانتها كعالمة ووزيرة ، لا توجد ضدها أدلة على أنها ارتكبت جرائم تحاسب عليها والتحقيق معها يتواصل في تلك الظروف القاسية ويؤكد الجنرال الأمريكي " جيفري ميللر " المكلف بالإصلاحات في سجن " أبو غريب " الذي شهد فضائح تعذيب للسجناء العراقيين كشفتها أجهزة الإعلام الغربية ، حيث يقول " أننا مازلنا نحتجز سجينتين نعتبرهما خطرتين بسبب علاقتهما ببرنامج الأسلحة الجرثومية للنظام السابق " ، بينما برر المتحدث الرسمي باسم وزير العدل في حكومة الاحتلال " نور عبد الرحيم إبراهيم " استمرار حجزهما قائلا ً " أنه من المستبعد إطلاق سراحهما لأنهما مازالتا تشكلان تهديدا خطيراً للأمن القومي العراقي والأمريكي ..!! " كانت جريئة في دفاعها عن أطفال العراق الذين تعرضوا للإصابة باليورانيوم المنضب الذي استعملته قوات الغزو ، وشاركت بشكل فاعل وواضح في فضح المخطط الأمريكي الذي عمد إلى قتل العراقيين من خلال أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً كاليورانيوم المنضب والأسلحة البيولوجية والكيماوية والإليكترونية المشعة ...

إلى صفحة مشاركات الزوار