مصالحة وطنية أم إنقاذ للاحتلال وعملاءه؟

د. محمد العبيدي

 

لم تصدر عبثاً تلك الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية التي تعطي الحق للشعوب التي تحتل أراضيها بمقاومة تلك القوات المحتلة من أجل تحرير بلدانها وإعادة السيادة التي سلبتها منها. ومن هنا فإن للمقاومة العراقية الوطنية المسلحة حقاً كفلته تلك القوانين الدولية إضافة لكونها واجب وفرض ديني أملته جميع الأديان السماوية ومنها الدين الإسلامي الحنيف على وجه الخصوص. وتبعاً لهذه الحقوق والأعراف ومن مبداً تحرير العراق بكافة الأساليب المتاحة ومنها أسلوب المقاومة المسلحة، نهضت جموع العراقيين الأحرار المتمسكين بتربة وطنهم والمؤمنين بدينهم ليستلوا أسلحتهم في مقاومة باسلة شجاعة لأعتى قوة عسكرية غاشمة شهدها التأريخ أمعنت بإذلال شعبنا ودمرت دولته المستقلة ذات السيادة وبالشكل الذي وضعت خططها لكي تنهي وإلى الأبد دولة بنيت على مدى ثمانين عاماً بجهد أبناءها وتضحياتهم وتفانيهم من أجل وطنهم. والأنكى من ذلك أن قوات الإحتلال الأنكلوأمريكي الصهيوني في العراق، وبعد أن إتضح كذب وزيف كل إدعاءاتها التي سوقت لها حول أسباب غزوها للعراق وإحتلاله بالشكل الذي حدث، قد نصبت على رأس السلطة فيه دمى كانت هي الأساس في ضخ المعلومات الكاذبة والملفقة عن أسباب إحتلال العراق التي تشدقت بها قوى الإحتلال. وبهذا فقد أصبح من حق الشعب العراقي ومقاومتة الوطنية أن تتعامل مع قوى الإحتلال والدمى التي نصبوها والقوى الأمنية التي أوجدوها بشكل متساوٍ كمجرمين جميعاً لأنهم كانوا ولا زالوا شركاء في الجريمة التي ذهب ضحيتها العراق وشعبه. وما الإرهاب المعلن والمخفي الذي مارسوه بحق شعبنا والدمار والخراب الذي طال جميع مدن العراق طيلة العشرين شهراً الماضية إلا جرائم يجب أن يعاقب عليها هؤلاء أيضاً، بل ويعاقبوا عليها بقسوة أكثر من القسوة التي مارسوا بها إرهابهم هذا على شعبنا لكي يذوقوا مرارة ما جنت أيديهم بحق شعبنا ووطننا.

 

بعد الذي حدث للعراق وشعبه من مآسي يندى لها جبين الإنسانية طيلة فترة الإحتلال وقبله، وبعد أن إشتد عود المقاومة العراقية الوطنية الباسلة لتذيق قوات الإحتلال وصنائعها الصاع صاعين لما إقترفت أيديهم بحق الوطن وأبناءه، وأثناء إنعقاد مؤتمر شرم الشيخ الأخير سئ الصيت ظهرت علينا أصوات نشاز تدعو إلى ما يسمى بالمصالحة الوطنية. وقد أطلق تلك الصيحات أشخاص معروفون بركوبهم موجة التملق للإحتلال من جهة ومعارضته من جهة أخرى، فتراهم موجودون في كل مؤتمر وتجمع يناقش القضية العراقية بشكل أو بآخر محاولين إظهار أنفسهم بأنهم المدافعين الوحيدين عن حقوق الشعب العراقي ومصالحه التي سلبها الإحتلال وعملاءه منذ وطأت أقدامهم أرض العراق.

 

وفي الوقت نفسه نادت جامعة الدول العربية ودولة خليجية (عربية) بالدعوة لمثل هذه المصالحة التي يبدو أنها جاءت لدعم أولئك الأشخاص المشبوهين الذين أطلقوا تلك الدعوة الخبيثة الخائبة أثناء مؤتمر شرم المتآمرين على شعب العراق، ويا ليت هؤلاء قد سكتوا وأكرمونا بسكوتهم. فأين كانت أصواتهم عندما زحفت جيوش الغزو البربري لتدمر دولة عربية ذات سيادة وعضو مؤسس في الجامعة العربية ضاربة بعرض الحائط جميع الأعراف والقوانين الدولية وتحت ذرائع يعلموها قبل غيرهم أنها كانت واهية ومخالفة للحقيقة؟ وأين كانت أصواتهم لما حدث لشعبنا من قمع وقتل ومجازر أدانها جميع شرفاء العالم والتي لم تحرك في دواخلهم النخوة العربية، التي ربما لم يعودوا يمتلكوها؟ وها هم الآن وعلى غفلة من الزمن أصبحوا حريصين على العراق وشعبه خصوصاً في وقت بدأت المقاومة البطولية تؤتي ثمارها لمصلحة الشعب صاحب المصلحة الحقيقية والنهائية من وراء هذا الفعل المقاوم الذي أصبحت ضرباته توجع قوات الإحتلال وعملاءها بشكل غير مسبوق وبعد أن أعلنت أمريكا وحلفاءها وعلى كافة المستويات الرسمية والمخابراتية أن من يقود هذه المقاومة هم العراقيون الأباة وخصوصاً ضباط ومراتب جيش العراق العظيم الذي يعلمون هم قبل غيرهم أنه أهل لهذه المهمة الوطنية المشرفة التي سوف لن يتوقف عنها حتى إنجازها بالكامل، ألا وهي تحرير العراق من الغزاة ومن والاهم.

 

وهنا علينا التساؤل، مع من المصالحة التي تدعون إليها وعلى أي أساس؟ أنتم بالتأكيد تقصدون المصالحة مع المحتل وعملاءه الذين إستقدمهم إلى العراق ونصبهم على رأس السلطة فيه من الذين يمعنون بإذلال العراقيين وتقتيلهم وإرهابهم بالصور التي شاهدها العالم أجمع، فما حدث في الفلوجة وغيرها من المدن العراقية الأخرى إلا أبسط مثال على جريمتهم النكراء هذه. أضف إلى ذلك أن دعوتكم هذه تعني أيضاً المصالحة مع التنظيمات الأخرى التي سوقت للحرب على العراق وتدميره بالشكل الذي نرى صوره شاخصة أمام أعيننا منذ دخل الغزاة إلى أرض الرافدين الطاهرة والتي عملت ميليشياتها قتلاً وإرهاباً بالعراقيين المناهضين للإحتلال، وما أكثرهم. فخسئت أفكاركم وتوجهاتكم المريضة ومآربكم الشخصية المقيتة التي تزايدون بها على مصلحة العراق وشعبه. ففي الوقت الذي تنادون به لهذه الدعوة التي سيباركها بالتأكيد المحتلون وإمعاتهم لإنقاذهم من المأزق الذي يعانون منه، تشن قواتهم الهمجية عمليات قتل وإرهاب وإعتقال بحق أبناء شعبنا في العديد من مدن العراق وقصباته، بل أن دعوتكم هذه تأتي في وقت تعاني منه حكومة علاوي وقوات الإحتلال من رفض متزايد من الشعب لم يكونوا قد حسبوا حسابه من قبل خصوصاً وهم الآن على أبواب إجراء مهزلة الإنتخابات التي يأملون من وراءها ترسيخ أقدام الإحتلال تحت مسميات الشرعية لحكومتهم القادمة.

 

ولا بد لنا أيضاً أن نسأل من أعطاكم الحق للتحدث بإسم الشعب العراقي وقواه الوطنية الأبية وبإسم المقاومة الباسلة الممثل الشرعي الوحيد له الذين يرفضون بالتأكيد ما تدعون إليه؟ أم ترى أن دعوتكم تلك هي محاولة يائسة لشق الصف الوطني المناهض للإحتلال وقوى المقاومة الوطنية المسلحة. فإن كانت تلك هي أجندتكم من وراء تحرككم هذا، فأنتم بالتأكيد خائبون، لأن القوى الوطنية العراقية الأصيلة وقوى المقاومة بجميع فصائلها، رغم تباين آيديولوجياتها، رافضة لدعوتكم ولأي مصالحة مع قوى الإحتلال وعملاءه المجرمون. ولا ندري أيضاً كيف سولت لكم أنفسكم لإطلاق دعوة كهذه تريدونها أن تنتهي بوضع يد القوى الوطنية المناهضة للإحتلال بيد العملاء المثخنة بجراج شعبنا الصابر، بل وتريدون لهذا الشعب أن يدوس على كرامته وعزة نفسه التي لم يستطع غزاة العراق على مر التأريخ أن ينالوا منها. عليكم أن تعلموا أن معركة شعبنا مع الغزاة وصنائعهم قد بدأت للتو وستستمر طالما هناك من يدنس أرض العراق من محتلين وخونة وأن ما يحدث في الكثير من مدن العراق الثائرة ليس إلا بداية ثورة عارمة سيستمر أوارها وينتشر سعير نارها إلى كل بقعة يتواجد فيها عميل وخائن ومحتل. ويا ليتكم وفرتم جهدكم، فبدلاً من ذهابكم إلى شرم ترسيخ الإحتلال ودعم حكومة علاوي، كان الأفضل لكم لو دعوتم إلى المصالحة ما بين القوى الوطنية الحقيقية المناهضة للإحتلال المختلفة فكرياً ومذهبياً وعرقياً وجمعها تحت خيمة المقاومة الوطنية الواحدة من أجل وضع إستراتيجية وطنية شاملة هدفها دحر الإحتلال بكل الوسائل المتاحة، ولكم في حركات التحرر الوطني العالمية التي أنهت إحتلال بلدانها من الغزاة قدوة حسنة.

 

27/11/2004

إلى صفحة مشاركات الزوار