26/09/2005

 

ناصر... لا تتركنا فنحن بحاجة إليك !

 بقلم سومر المهداوي

هذه الصيحة , أطلقها المصريون والعرب يوم قرر الرئيس التنحي عن السلطة , عندما حاول الابتعاد أو الرحيل من عالم السياسة , فأبى الشعب .

وأعاده قائدا شرعيا , ورمزا تاريخيا يتحدى الهزيمة والانكسار ...

لكنه لم يستطع أن يثنيه عن الرحيل  , عندما خطفته يد المنون للحاق بالشهداء والصالحين من هذه الأمة ...

طافت الملايين من الأمة في شوارع المدن العربية وفي كل الأقطار , ولفّ السواد كل مظاهر الحياة , رغم إيمان الجماهير بقضاء الله وقدره , إلا أنها كانت تدرك وبحسها القومي المفرط , ماذا تعني وفاة عبد الناصر لهذه الأمة

في هذا العام أوشكت الهزيمة أن تتلاشى  من العقل العربي , وعادت الثقة إلى النفوس , وأدرك العدو ذلك تماما , فالجيش المصري قد أعيد بنائه , وتغيرت أمور كثيرة في ذلك الإعداد من تدريب وتسليح ووعي سياسي وتوجيه معنوي , رافق ذلك استنزاف كامل لمقدرات العدو , حتى أن حرب 1973 قد تم إعدادها منذ ذلك الحين , عدا ما حققه عبد الناصر من انتصارات سياسية على الصعيد الدولي لتأييد القضية الفلسطينية , وخصوصا في المعسكر الاشتراكي , وتضامن الحركات التحررية و المنظمات الإنسانية معها . فأصبحت في نهاية الستينات قضية أنصار الحرية بحق على مستوى العالم ,

لكن آثار الهزيمة بقت على ارض الواقع تدفع بعبد الناصر لمحوها , ولقد قدمت مشاريع ومقترحات عديدة أخرها مشروع روجرز بتنازل إسرائيل عن كل الأراضي المحتلة في 1967 مقابل السلام الدائم والتطبيع , تقدمت به أمريكا لتجتاز به أزمة الكيان الصهيوني والمنطقة التي ازداد التوتر فيها اثر عمليات خطف الطائرات وبشكل أربك حركة الطيران على مستوى العالم , فهل وافق عبد الناصر على المشروع فعلا ؟ وماذا قال عنه؟ ولماذا لم يطبّق إن كان ذلك صحيحا؟

قال عبد الناصر ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة , إيمانا منه بقدرة الامة العربية على تخطيها آثار الهزيمة وتحويلها إلى نصر مبين , وعندما سئل عن سبب قبوله مشروع روجرز , قال لان إسرائيل سترفضه وأننا اتفقنا مع الإخوة الفلسطينيين على استمرار المقاومة , أي أن موافقة عبد الناصر كانت مبنية على نية عدم تطبيقه واستغلال عامل الوقت الذي كان عبد الناصر أحوج إليه لاستكمال بعض الترتيبان , باعتباره سيرفض من الجانب الآخر , وهذا ما حصل فعلا  ! 

إلا أن الصراع الذي تفجر بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني في أيلول الأسود قد نسج القصة على منوال آخر,

وعقد اجتماع الجامعة العربية , وكان عبد الناصر طرفا في النزاع وليس وسيطا , يرى بأم عينيه دماء المقاومة الفلسطينية التي هي ذخيرة التحرير تنزف على ارض عربية ,

وبجهده المعروف في حل ألازمات , توقف القتال لكن !!

 

توقف معه قلب عبد الناصر !

 

أعود للمقدمة ( الفاجعة ) ماذا يعني موت عبد الناصر ؟؟

لقد كان عبد الناصر بقلبه المؤمن بالله وقدرة الأمة , ضمير هذه الأمة معبرا عن وجدانها أحسن تعبير , فلهذه الأمة قيم عرفتها منذ القدم أتمها الإسلام , وإبداع غير منقطع على مدى العصور عرفته الحضارات العريقة , ومقومات بينة واضحة من لغة وتاريخ مشترك وآمال وآلام ورقعة جغرافية ومصير وتحديات مشتركة تؤكد كل لحظة وحدة هذه الأمة , وإنسانية ورحمة كشفت عنها الفتوحات العربية الإسلامية , تخطت الإنسان إلى الحيوان والشجر واعتمار الأرض . ودين حنيف حملت رسالته هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها بلسان عربي مبين , دين يكفل الحرية والمساواة ويرفض العبودية إلا لله  , لا يفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى 

كل ذلك عبر عنه عبد الناصر في شخصيته بلغة بسيطة , فكان تجسيدا لهذه الأمة.

وكان ينفعل لنزاعاتها وقبليتها ويثور لاستعبادها ويتوق لحريتها ويسعى لوحدتها أو لمّ شملها فكان وجدان هذه الأمة .

وكان صادقا في مشاعره , يتحمل أخطاءها ويفاخر بصوابها , بعيدا عن السياسة وألاعيبها , يحملها أمانة من الله  في عنقه, فكان ضميرا لهذه الأمة .

وبعد هذا ماذا يكون موته ؟؟

 

لقد كان موت عبد الناصر بداية العد التنازلي لدور الامة العربية على الصعيدين الإقليمي والدولي ...

أين أصبح عدم الانحياز ؟ أين الجامعة العربية ؟

أين الدفاع المشترك ؟ وأين هي الامة منها ؟

أين القضية الفلسطينية ؟ وأين مشروع الوحدة العربية ؟

وعلى الصعيد المصري أين القطاع العام ؟ أين حقوق الطبقات المسحوقة في الحياة الحرة الكريمة ؟

كل ذلك جعلنا نفتقده كل يوم ...

افتقدناه في حرب تشرين , عندما حرمنا من فرحة النصر , بينما أملى الطرف المهزوم كل شروطه ...

افتقدناه في الحرب الأهلية اللبنانية , وكيف تحولت العروبة إلى شاهد فقط على جرائم الطائفية , وتحول الوطن الى وكر للغربان وجحر للعقارب والأفاعي , يموت فيه العربي بكل أصناف الموت قبل ان يموت ,

وافتقدناه في الاجتياح الإسرائيلي , وكيف استباحت الأيادي الآثمة الدماء العربية من فلسطين ولبنان ...

وافتقدناه في حرب الخليج , يوم طلت برأسها الصفوية الفارسية من جديد , مستنكرة على العربي مجده وحريته ومحاولة اعادة دولة الفرس الساسانيين فاستباحت الدم العراقي باسم الثورة الإسلامية ...

وافتقدناه يوم فقدنا الحل العربي في الكويت ...

وافتقدناه عندما تحالفت أكثر من ثلاثين دولة على مهاجمة العراق , وبكت بغداد سهام الخيانة ...

وافتقدناه 12 عاما من الحصار مات فيها مليونا عراقي , وكانت الحلقة الضاغطة والقاتلة هي حلقة العروبة ...

وافتقدناه عندما شنت قوى التحالف اظلم عدوان على شعب آمن أنهكه الحصار, دون تفويض ودون مبرر , وأجبرت القوة الأمريكية على تصديق رواياتها هذا العالم المنخور بان العراق خطر وشر مستطير يجب التخلص منه

وسقطت بغداد قلعة العروبة ...

في كل هذا افتقدناه فيحق للعرب أن يقولوا ( ناصر ... لا تتركنا فنحن بحاجة إليك )