أيها الصديق الفنان الكبير وداعاً

                                                                                    

    د. شاكر الحاج مخلف
   
رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي

                                                        Al-madar@maktoob.com

إلى الذي رحل وترك للشعب شاهداً يتباهى به ..

 فقد الشعب العراقي فنانا كبيرا ومبدعاً أصيلا وأبن بار للشعب والأمة هو  النحات العظيم الأستاذ " إسماعيل فتاح الترك " بعد مسيرة عطاء متواصل في ثلاثة عقود متداخلة كان خلالها بحق سفيرا ورائدا لفن التشكيل العراقي ، كان الترك من الأصدقاء الأثيرين على القلب رغم المحنة التي باعدت بيننا حيث الظروف القاسية التي رافقت حياة العديد من الكتاب والفنانين ، كنا نلتقي في فترات متباعدة بعد تلك العلاقة الحميمة التي تأسست أيام عملي ككاتب في الإذاعة والتلفزيون للبرامج والدراما وكذلك في فترات الدراسة ، لعل أجمل تلك الذكريات عن الفنان الراحل الكبير تعود إلى العام 1980 عندما زار الكويت وقدمته لقراء جريدة الوطن حيث كنت أعمل وطلب منه المجلس الوطني للثقافة والفنون إقامة معرض للوحاته الفنية ، كانت له همومه الكبيرة ويشكل مع رفاقه من أمثال " خالد الرحال و شاكر حسن آل سعيد وفائق حسن " أعمدة الفن التشكيلي المعاصر في العراق وفي عموم المنطقة العربية ترك المذكورة أسمائهم بصماتهم الواضحة على العديد من الفنانين الذين يواصلون العطاء في فضاء التشكيل العربي ، تلك الرموز العراقية في الفن والإبداع ظلت تحلق كما الأقمار المضيئة تواصل الإبداع من أجل العراق والأمة العربية والإنسان في كل مكان كانت رغم عوامل الاضطراب في الواقع السياسي والبيئي تجتهد لنشر القيم الفكرية الإنسانية ذات المدلولات المهمة والمؤثرة ، في زمن اشتهر بالفوضى والحروب والحصار والموت في كل التفاصيل ، ظلت تلك الأعمدة القوية تحتضن التراث العراقي وتبعثه قويا عزيزا في العيون والقلوب ، كان الترك دائم الحنين إلى أيام صباه في البصرة الفيحاء ، قادته مراكب البحث والدراسة في أكاديمية الفنون في روما لوضع منهاجه المستقبلي لمراحل الإنجاز القادمة ومنذ العام 1962 وهو دائم التفكير في بعث المفهوم العراقي البيئي والأسطوري وكذلك تجسيد المعاني الكبيرة المعاصرة ، تخرج على يديه ومعه رفاقه الكبار ؛ أجيال من خيرة الفنانين الشباب الذين يواصلون المسيرة حاليا في قيادة الإبداع التشكيلي العراقي ، عمل  " الترك " أكثر من 30 عاما متواصلة في قيادة مركب الفنون التشكيلية في العراق مدرسا وفنانا يباشر الإنجاز بحرفية وتقنية عالية ومؤثرة ، وكان صديقا ودودا لتلاميذه من جيل السبعينات والثمانينات ، أنني هنا لا أقدم رثاءا لذلك الصديق الأستاذ الفنان الإنسان ولكن أدون بعض انطباعاتي عن منهج فنان عالمي وعراقي كبير خرج من شطآن بلاد الرافدين مثل عملاق أسطوري ، له في بلاده والبلدان المجاورة بصمات وأثار ومناهج ، أعماله العديدة المميزة تمتاز بالحس الفني هي عديدة مررنا عليها ونتذكرها وربما ألتقط البعض معها صورة ولكنه قد لا يعرف من هو مبدعها العظيم ، من تلك التماثيل القمم في الفن التي انتشرت في ساحات وشوارع بغداد والتي جسد فيها الترك شخصيات أحبها أبناء العراق ومثلت قيم كبيرة في نضالهم الوطني  مثل " تمثال الرصافي وتمثال الشاعر الخالد عبد المحسن الكاظمي ، وتمثال الرسام الواسطي وتمثال الشاعر العباسي أبو نؤاس " الذي كان يحبه كثيرا ويستشهد بقصائده التي فيها من الحيلة أو التجاوز للمأزق أو شعره الصوفي الرقيق،  استخدم بعض أفكار الواسطي في العديد من لوحاته لكي يجسر الفجوة بين تراث الماضي وإنجاز العصر الحالي ، كانت حياة الفنان الترك مليئة بالعطاء المتدفق والمتميز في الغالب ، ومما يميز نتاجه أن انفتح بعقل متيقظ على الإنجاز العالمي دون أن يقلل من مصادر البيئة العراقية في نتاجه عموماً ، وقد دفعه ذلك للقيام بالعديد من الأعمال والمعارض الفنية داخل العراق وخارجه وكانت كلها تلاقي النجاح والرواج الكبير وتهتم بها وسائل الإعلام ، لقد لمس في حياته حالة الاندهاش لدى المتلقي العربي والعالمي أينما نصب خيمته الفنية ، ولولا القدر الفاجع لأقام معرضه الكبير الذي تنتظره فرنسا على قاعة المعهد العربي في باريس ، لعل من المناسب جدا والاحتلال يغطي أرض العراق والتضحيات تتواصل من أجل التحرير أكتب لكم عن أهم أعماله في مجال النحت التي تفوق بها على كل الذين يعاصرونه من رواد الفن التشكيلي ، نعم أكتب لكم عن أهم الأعمال التي نفذتها عبقريته لصالح شعب العراق ، اعني " نصب الشهيد " ذلك الإنجاز الضخم والرائع الذي ينتصب وسط مدينة الرشيد مدينة الصمود والتصدي ، سجل الكثير من النقاد العالميون المعنيون بالفنون انطباعاتهم عن ذلك العمل الكبير والخلاق واعتبره الكثير منهم غاية في العبقرية والدقة المعمارية وله دلالات على العمق الثقافي والحس الفني الموهوب ، تميز الفنان العراقي دائما بالعطاء المبهر والمتناسب مع ما يريده الشعب والوطن وما يعبر عن المرحلة، لقد تقدم ذات يوم هذا الفنان الكبير ليقترح على الرئيس صدام حسين فكرة يراها مناسبة لتلك المسابقة التي أعلن عنها ديوان رئاسة الجمهورية ، ومن ضمن مجموعة تصاميم تقدم بها فنانون عراقيون وعرب وعالميون وجد الرئيس أن ما يبحث عنه موجود في النموذج المصغر الذي أبدعه هذا الفنان العبقري ، كانت فكرته مدهشة فقد استوحى قبة المزارات المقدسة العراقية وجعلها مفتوحة النهاية بشكل يباعد بين نصفيها غير المتقابلين ، يذكر الترك في مقابلة منشورة في جريدة عراقية " أن الرئيس صدام حسين عندما استمع منه إلى ترجمة الفكرة برقت عيناه بالدمع ، وقال له هذا ما أريد وزيادة !! " يصف أحد الفنانين الأجانب النصب المذكور على النحو التالي :" تكمن عبقرية تصميم الترك لذلك النصب في الخداع البصري الذي جسده الفنان في النصب العام المقام على أرض مفتوحة الأطراف " في مقابلة نشرت مع الراحل الترك يتحدث عن الميزة المهمة في عمله الفني المثير للمشاعر " يشاهد المار بالسيارة حول النصب أن شطري القبة التي تبدو مغلقة عند بداية الشارع ، ثم يبدأن بالابتعاد أحدهما عن الآخر وكأن بوابة تنفتح أمامه تمهيداً لخروج شيء ما ، بينما يرتفع علم العراق الجميل البهي نحو الأعالي من خلال ذلك النصب مجسدا الفكرة التي تعتبر غاية في الروحانية وهي ارتقاء روح الشهيد نحو السماء " تجدر الإشارة هنا إلى أن النصب المذكور أقيم في العام 1986 تخليدا لشهداء العراق خلال الحرب الإيرانية ، أبرز معالم ذلك النصب الذي بهر العيون وشغل العقول ، تلك القبة العباسية المفتوحة والراية العراقية الشامخة ترتفع فوق تلك القبة بطول خمسة أقدام فوق الأرض وثلاثة أمتار تحت الأرض حيث تبدو على شكل ثريا ، بينما يمثل الينبوع الذي يتدفق ماؤه إلى داخل الأرض ليرمز إلى دم شهيد العراق صاحب التضحية المقدسة ...

أن إسماعيل فتاح الترك واحدا من أبرز الفنانين الذين لمعوا في العراق وقدموا بإخلاص واضح معالجتهم الفنية وتلك الرؤى الناضجة التي تنبع من التراث هي بحق الوجه الجديد لحضارة العراق ....

23/ 7/2004

إلى صفحة مشاركات الزوار