آخر الأكاذيب

 

 د. شاكر الحاج مخلف

 رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي

                                                          Al-madar@maktoob.com

التقرير الأخير لو جاء قبل بداية الحرب ربما لكان الأمر مختلفاً بالنسبة للعراق والولايات المتحدة وكذلك للمنطقة العربية عموماً وللعالم الذي يتطلع للسلام ، ذلك التقرير الذي أكتب عنه الآن هو الذي أشعل الجدال الدائر حالياً في الولايات المتحدة حول شرعية الحرب على العراق ، كان ذلك يمثل الرأي الأصلح ولكنه جاء متأخراً أو هكذا أرادوا له أن يكون " تقرير مجموعة مسح العراق " الذي أفاد بأن تلك البلاد المنكوبة لم يكن فيها أسلحة دمار شامل قبل غزوه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، التقرير الذي أكتب عنه مؤلف من 1000 صفحة والذي نشر مؤخراً وأثار تلك الضجة الكبيرة في الولايات المتحدة أولاً والعواصم المتحالفة معها ، وفي جميع أنحاء العالم الذي كان يتابع ويبحث عن الحقيقة التي ضاعت بين جبال الكذب الإعلامي والتصريحات السياسية الخادعة ، يقول التقرير في بعض صفحاته " أن الرئيس العراقي السابق كان يعتزم استئناف إنتاج أسلحة محظورة عندما ترفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق " الولايات المتحدة وبريطانيا هما من أشد الذين روجوا لمزاعم امتلاك العراق لتلك الأسلحة بهدف إيجاد ذريعة قوية تستند إليها تلك الحرب ، وفي تفاصيل أيام الانتخابات التي حصلت في أمريكا حيث استخدم الديمقراطيون ذلك التقرير للهجوم على إدارة الرئيس بوش وزعموا أنه ضلل الشعب الأمريكي في حينها قال رئيس الوزراء البريطاني " توني بلير " أنه رغم قبوله الآن بأن العراق لم يكن لديه مخزونات من أسلحة الدمار الشامل مستعد لنشرها في وقت الغزو إلا أن التقرير أظهر أن عقوبات الأمم المتحدة لم تكن فعالة ، بينما قال رئيس الوزراء الأسترالي " جون هاوارد " أن التقرير لم يغير شيئاً وأنه غير آسف بشأن الحرب وعلى مشاركة بلاده فيها ، كما قال تشارلز دولفر كبير المفتشين للأسلحة العراقية المحظورة " أن العراق لم يكن لديه مخزونات أسلحة بيولوجية أو كيماوية أو نووية قبل غزوه من قبل الولايات المتحدة وحلفائها كما أضاف في تقريره بوضوح تام " أن قدرات العراق النووية انحسرت ولم تتطور منذ حرب الخليج عام 1991 ، ولكن الجديد في ذلك التقرير أنه ينشر قائمة بأسماء أشخاص وجماعات يزعم التقرير أن صدام حسين قدم لهم النفط بأسعار رخيصة مقابل الحصول على دعمهم لرفع العقوبات الدولية عن بلاده ، المعلومات المتعلقة بتلك الأسماء أخذت من وثائق رسمية عراقية ، وظهرت فيها الدول التالية روسيا / فرنسا / الصين  ، وتلك الدول هي التي عارضت فكرة الحرب على العراق ، ورغم أن التقرير وضع خرافة أسلحة الدمار الشامل طي النسيان وأسدل عليها الستار وبشكل نهائي إلا أنه أشعل جذوة الاختلاف بشأن الاتهامات التي تقول أن العراق كان يمثل تهديداً خطيراً وكبيراً وحقيقياً تحت قيادة صدام حسين للولايات المتحدة وبريطانيا وبقية دول العالم ، وبعد صدور التقرير تحدث الرئيس جورج دبليو بوش عدة مرات وظل كعادته يدافع عن قرار غزو العراق ولكنه لم يتطرق إلى تفاصيل التقرير أو الحقائق التي يتضمنها ، ولكنه قال ملمحاً في إحدى جولاته الانتخابية " أن العالم أصبح الآن أفضل بدون صدام حسين وأن خطر قيامه بتقديم أسلحة دمار شامل للمنظمات الإرهابية كان مجازفة لم يكن بإمكاننا أن نسمح بها " لكن ابرز الدعوات وقرارها جاء من أبرز نواب الحزب الديمقراطي في لجنة القوات المسلحة وعلى لسان السناتور " كارل ليفن " الذي قال " أن نتائج تقرير دولفر تقوض مبررات الحكومة الأساسية في الحرب على العراق " وأضاف ليفن " لم نذهب للحرب لأن صدام كان لديه نوايا مستقبلية للحصول على أسلحة الدمار الشامل " وفي زيارته لأثيوبيا قال " توني بلير " أن التقرير أوضح أن صدام حسين كان يخطط لتطوير أسلحة دمار شامل " وأضاف قائلاً للصحافيين الذين يرافقونه في جولته " أرحب بالتقرير لأنني أعتقد أنه يوضح لنا أن الموقف كان اكثر تعقيداً مما يعتقد الناس " ولا يزال الإعلام الغربي وفي مقدمته قنوات التلفزة تبث أفلام عن مدينة حلبجة العراقية وكيف واجه أهلها الموت بالأسلحة الكيماوية التي تزعم أن النظام السابق قد استخدمها بينما هناك جهات محايدة تشير إلى أن إيران هي التي استخدمت ذلك السلاح الذي قتل آلاف الأكراد كما استخدمته في قصف القوات العراقية خلال معركة الفاو ، هانزبليكس في رده على المعلومات التي تضمنها التقرير قال " أنه يأمل أن يعترف بوش وبلير الآن بأن غزو العراق كان خطأ " وأضاف في التصريح الذي نقلته وكالة اسوشيتد برس للإنباء " إذا كنا قد حصلنا على بضعة اشهر أخرى لإجراء عمليات تفتيش قبل الحرب كنا سنستطيع إبلاغ الوكالة المركزية الأمريكية وآخرين بأنه لا توجد أسلحة دمار شامل في جميع المواقع التي حددها لنا " وكان ديفيد كاي الذي عمل رئيساً للجنة مسح العراق سابقاً قد استقال معترفاً بعدم جدوى الاستمرار في البحث عن لاشيء ..! وتواجه أعضاء اللجنة حاليأً اصعب مشكلة وهي ترجمة وتقييم ما يقارب من عشرة آلاف صندوق تحتوي على الوثائق التي صودرت من العراق ، ولكن التقرير الأخير هو الذي حسم جميع التأويلات والشكوك ووضع الأكاذيب في الشبكة عندما قال بوضوح لا يقبل اللبس ، النقاط التالية :

-   لم تعثر مجموعة مسح العراق على دليل يؤكد أن صدام حسين أمتلك مخزونات من أسلحة الدمار الشامل في عام 2003 لكن هناك احتمال لوجود بعض الأسلحة في العراق آنذاك  لكن ليس لها قيمة عسكرية كبيرة .

-   هناك أدلة مكثفة ، تشير إلى أن صدام كان يتبع استراتيجية للحفاظ على القدرة للعودة لإنتاج أسلحة دمار شامل بعد رفع العقوبات .

-   سلطت الأضواء على مشكلة العثور على أسلحة دمار شامل في العراق بسبب الاعتقاد الخاطئ قبل الحرب بوجود أسلحة لم تكن هناك أخطاء المحللون الفنيون الذين كانوا بعيداً عن العراق في تحديد الدليل والوصول إلى استنتاجات صحيحة .

كان من المفروض أن يضع تقرير مجموعة مسح العراق النهاية الأخيرة لمرحلة معقدة وشاقة من البحث عن أسلحة وهمية ضخمتها تقارير العملاء السريين الذين أوهموا الولايات المتحدة وبريطانيا بها ، تلك الأكاذيب التي دخلت التاريخ العالمي والتي سجل المراقبون الدوليون ورجال السياسة ووسائل الإعلام المحايدة أنها تشكل أكبر إخفاق وحالة فوضى واضحة في تاريخ العمل الاستخباري العالمي وخاصة لدى الدولتين اللتين تعتبران الأكثر اهتماما به ، المجموعة من الخبراء التي أصدرت تقريرها قالت دون تردد إلى أنه من غير المرجح أن يكون الرئيس العراقي السابق قد أمتلك أسلحة الدمار الشامل ، كما قالت اللجنة أنه كان يرغب في إنتاج أسلحة كيماوية مرة أخرى ولكن إذا رفعت العقوبات التي كانت مفروضة على العراق ، أحد الذين وضعوا ذلك التقرير المثير للجدل وهو بريطاني " كان للتأكيد على القدرة والاعتزام – على إنتاج الأسلحة – وليس على أن العراق كان يمثل تهديداً مباشراً ، وهكذا انتهى التقييم العملي لجهد تلك اللجنة التي كان يراد منها إخراج حقائق ومعلومات جديدة وغريبة ومجهولة ، لكن جهد اللجنة لم يكشف أسرار جديدة ولا نتائج غير متوقعة ومع هذا الوضوح الذي رافق تقرير اللجنة إلا أن الجدال السياسي لم يتوقف بعد ، وكذلك التقارير المتضادة لم تتوقف في الإشارة إلى الذي جرى وتراهن على أن الموضوع يحتاج إلى لجان أخرى للبحث والمتابعة ، والصورة في المواجهة هكذا ، المعارضون للحرب يشعرون بالنصر أراءهم سديدة وموقفهم كان صحيحاً ، وهم على حق في إدانة تلك الحرب الهمجية غير الشرعية وهم يطالبون بإغلاق ملف الكذب وإدانة دول العدوان وسحب القوات الغازية من العراق وترك الشعب العراقي يقرر مصيره دون قوة غزو خارجية ومن جديد يصرحون بصوت مسموع أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة الدمار الشامل ، وكان يمكن للمفتشين أن يكتشفوا هذا إذا كان قد سمح لهم باستكمال عملهم ، ولكن ربما من المفيد التوقف عند الفقرة المتعلقة بأن صدام حسين كان يمثل خطراً محتملاً فتمنح للمؤيدين للحرب متنفساً لتبريرها ، على الرغم من أن هذا لم يكن الأساس الذي بنى عليه قرار الحرب ، فقرار الحرب تم اتخاذه لأن صدام حسين كان يمثل خطراً وشيكاً وليس خطراً محتملاً ، الألفاظ تتغير والمعلومات هي الأخرى تتغير وقرارات الحرب حسب الرؤيا المطلوبة ولعل من المفيد قراءة الذي جاء في بيان وزارة الخارجية البريطانية التي قالت هي الأخرى بوضوح بعد أن تراجعت عن كل بياناتها السابقة " بالفعل أن صدام حسين كان قد أقترب من رفع العقوبات وإنه كان يمتلك برنامجاً سرياً لتوزيع النفط ، كان يجلب له ملياري دولار وإنه لم يتخل قط عن اعترافه الحصول على أسلحة كيماوية وإنه سيواصل أنشطة تطوير أسلحة الدمار الشامل فور رفع العقوبات " وقال مسؤولون بريطانيون إنه " على أساس هذا التقرير علينا أن نقبل أن صدام كانت لديه القدرة على إنتاج أسلحة الدمار الشامل ، إذن لماذا فشلت المخابرات في الكشف عنها ، أو أن جميع ما يثار حول تلك الأسلحة هو مجرد أكاذيب ، ولكن الخبراء السريين في تلك الأجهزة من الذين أحيلوا على التقاعد يقرّون بذلك الفشل ويعتبرون ذلك الذي حدث إخفاقا كبيراً لتلك الأجهزة وما يحيط بعملها من غموض وفوضى هائلة وكيف يمكن لأجهزة المخابرات أن تخطيء لهذا الحد..؟ نادراً ما يحدث أن يخطئ الكثيرون فيها ولكن بصورة قريبة وليست كما هي الحال في موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية الوهمية ، يختلط الاتهام بالترحيب إزاء جهود مجموعة مسح العراق والتي يقودها خبراء أسلحة أمريكيون ويشارك فيها بريطانيون وأستراليون أيضاً ، ويتحدثون عن إجابات مفترضة وليست لها علاقة بالواقع ، حيث تقول تلك التحليلات والآراء أن المجموعة عملت على اختراق عقلية النظام العراقي الذي سمح لهم بالإطلاع على محاضر التحقيق مع صدام حسين ومساعديه من أمثال وزير الخارجية " طارق عزيز " حيث خلصت المجموعة في تقريرها إلى القول أن عقل صدام حسين كان مقتنعاً بأن قوته تكمن في أسلحته الخاصة وعلى الرغم من اضطراره إلى التخلي عنها بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 فقد كان مصمماً على الاحتفاظ بالقدرة على إنتاجها ، وفي الوقت نفسه كان يرغب في الإبقاء على أسطورة القائد الذي لا يقهر والتي كان الفضل فيها يرجع للأسلحة المحظورة ، كما اعتقد دوماً أن التهديد باستخدام الأسلحة كان هو السبب في عدم دخول الأمريكيين لبغداد عام 1991 ولهذا فقد قام بإخفاء حقيقة ما يمتلكه ومالا يمتلكه ، وحسب تلك التقارير والظنون المستندة إليها لم تكن أولوية صدام حسين إعادة بناء أسلحته ، فهذا سيضمن بقاء العقوبات ، لكن نيته كانت التخلص من العقوبات أولاً ، وكان مستعداً أن ينتظر لبعض الوقت حتى يفقد العالم الخارجي اهتمامه به ويدعه وشأنه ، هذا بالإضافة إلى نظام الخوف والمكافآت التي كان يوزعها وهي من الأمور التي لم تكن مألوفة في الغرب قد جعلت من الصعب قراءة ما يدور داخل النظام العراقي حسب تعبير تلك التقارير فهو لم يفعل كما كانت تفعل جنوب أفريقيا وأوكرانيا اللتان فتحتا أبوابهما أمام المفتشين ، لقد غادر المفتشون العراق عام1998  وكانت مهمتهم من أصعب ما يكون وكذلك استمرت الشكوك التي أدت إلى إصدار أحكام خاطئة لم يفترض في أي منها حسن نية صدام حسين حتى عندما عاد المفتشون ولم يعثروا على شيء ، وتسببت هذه الاستراتيجية في كارثة كبيرة لصدام حسين ، لأن الغموض المحيط بأسلحته يمكن استغلالها من قبل أي إدارة في واشنطن تكون مستعدة لخوض الحرب وحسب التقارير الستراتيجية التي كشف عنها والمتعلقة بالحرب التي قادتها أميركا مع قوات التحالف أن هناك مجالاً واحداً هو الذي جرى تقييمه بصورة دقيقة إلى حد ما وهو مجال الصواريخ وهو المجال الذي قلل العالم الخارجي من خطورته وهو الأمر المثير للسخرية ، وفق مجموعة مسح العراق كانت لبغداد خطط لإنتاج صاروخ يبلغ مداه ألف كيلومتر بزيادة عن مدى مائة وخمسين كيلومتر وهو الحد الأقصى الذي كان مسموحاً به لبغداد بموجب نظام العقوبات الدولية وكان الطريق للوصول إلى هذه النتائج طويلاً ، وتختلف هذه النتائج كثيراً عن النبرة الواثقة التي كتبت بها الحكومة البريطانية وثيقة أسلحة الدمار الشامل العراقية عام 2002 وفيها زعم توني بلير رئيس الوزراء البريطاني ما أعتقد أن أجهزة المخابرات توصلت إليه بما لا يدع مجالاً للشك هو أن صدام واصل إنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وأنه يواصل جهوده لتطوير أسلحة نووية وأنه تمكن من زيادة مدى الصواريخ ذاتية الدفع ، كما أنه يختلف أيضاً عن وثيقة المخابرات الأمريكية التي صدرت في خريف عام 2002 والتي يقول السطر الأول منها " واصل العراق العمل في برنامج أسلحة الدمار الشامل متحدياً قرارات وقيود الأمم المتحدة " وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد قال مخاطباً مؤيديه في بنسلفانيا " أن خطر قيام صدام حسين بتقديم أسلحة دمار شامل للمنظمات الإرهابية كان مجازفة لم يكن بإمكاننا أن نسمح بها ، أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر / أيلول عام 2001  تعين على الولايات المتحدة البحث عن مصادر أسلحة الدمار الشامل المتاحة للإرهابيين وكان يتعين علينا البحث بدقة في كل الأماكن التي يمكن أن يحصل الإرهابيون منها على تلك الأسلحة " بينما قال وزير الخارجية البريطانية " جاك سترو " في أثناء زيارته لبغداد " أن التهديد الذي مثله صدام حسين فينا يتعلق بمخططاته كان أقوى مما رأينا من قبل وأنه كان سيعيد بناء أسلحة الدمار الشامل لو أنه ترك في السلطة " لكن تشارلز دولفر في تقريره الذي عرضه أمام الكونغرس " لا توجد في العراق مطلقاً أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو نووية وهي الذريعة التي استخدمت لتبرير الحرب ....

  23/07/2005

إلى صفحة مشاركات الزوار