بسم الله الرحمن الرحيم

16/09/1429

الأبعاد القومية لقادسية صدام المجيدة

 

 

 بقلم : المجاهد أبو الحارث

  موقع النهى*

 

أدت حدة المجابهة التي أبداها التحالف الامبريالي الصهيوني إلى تراجع حركة الثورة العربية وفقدانها للكثير من مواقعها , وقد بدأت هذه التراجعات بأزمة الانفصال والمجابهة مع الامبريالية والرجعية بعد استلام حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في العراق سنة 1963 والجهود الكبيرة التي بذلت ضد سلطة الحزب في سوريا اثر الردة الشباطية وحروب الإلهاء على الحدود بين الأقطار العربية في المغرب والجزائر وكان أخرها حروب الانكفاء القومي التي شنها الكيان الصهيوني على أقطار المواجهة وبدء سلسلة من التراجعات في القضية الفلسطينية التي شهدت تعتيما امبرياليا على تصفية القضية الفلسطينية رافقها صمت عربي ثم تراجع ثم بداية  قبول للواقع الصهيوني في فلسطين ثم في لبنان ومع كل ما تشكله ثورة حزب البعث العربي الاشتراكي في 17 – 30 تموز 1968 القومية في العراق من صدارة وفاعلية في حركة الثورة العربية إلا إن المسار العام لحركتها التاريخية في الستينات والسبعينات كان مسار انكفاء وتراجع عربي .

 

وبدت الأمة العربية كأنها فقدت حتى قدرة الاحتفاظ بما سبق أن حققته في هذا السياق من الوضع العربي فتأتي قادسية صدام المجيدة , ورغم التفاصيل الفنية لها بحكم موقع العراق المباشر والرئيسي فيها ميدانيا وشعبيا إلا إن كونها عراقية الميدان والمعالجة لا يفترض كونها حالة خاصة لا بالسياق التقليدي للثوابت وكون العراق جزء من الأمة العربية وطنا وشعبا وتاريخا ومستقبلا  وإنما بالسياق الثوري المعاصر لها أيضا باعتبار العراق قاعدة بعثية والبعث هو الحزب القومي الأكثر في التوجه القومي السليم والمتكامل فكرا وتنظيما ونضالا وتاريخا , لذلك فهي ممارسة قومية في التعامل مع الحالة العربية في وقتها بشكل عام ومع خطر يهدد الأمة العربية على وجه التحديد ومن هنا نستطيع اكتشاف الأبعاد القومية لقادسية صدام وهي :

 

أولا / حالة دفاع عن الأمة العربية ضد خصم تقليدي لها اتسم موقعه عبر التاريخ بمعاهدات وتحالف مع القوى المعادية لها , وطريقته في التعبير عن عدائه لها وتحالفاته السابقة والمرحلية مع الامبريالية والصهيونية هو صور واضحة لعدوانيته ويتجلى الشكل المعاصر للعدوان الفارسي في طبيعة ممارساته , فحتى وقت قريب كانت إيران تجابه الأمة العربية بتحالفاتها مع الصهيونية وبتهديدها المباشر بصيغ عسكرية لأغراض تتعلق بالأرض ومجابهة السياسة القومية غير إن هذا التحدي الفارسي اخذ منحى آخر وأصبح يهدد الأمة العربية في ابرز مكوناتها التاريخية (الإسلام ) منتحلا إياه في المجابهة وبمفهوم يتناقض مع جوهر الإسلام لكي يصل إلى الفصل بين العرب ودينهم وبالتالي يغطي عدوانه بهدف معلن هو ( أسلمة العرب) والأسلمة عنده ليست مستمده من جوهر الإسلام وإنما من وضع طائفي يكيف الإسلام طائفيا ويطور ممارساته باتجاهين , فهو يعزز حالة إفقاد الإسلام جوهره من ناحية بتحجيمه في حدود طائفية ضيقة ويحدث من ناحية أخرى في البناء الاجتماعي للأمة العربية على أساس طائفي أي يراهن على قدرة الطائفية في تشكيل إغراء لشريحة من المجتمع العربي يسحبها من خصمه القومي لصالحه .

 

والمتتبع لحالة التدرج في الوقف الإيراني في الحرب يكتشف هذا التوجه وكيف بدأ بالادعاء أولا أنها موجهة ضد حزب البعث العربي الاشتراكي وقائده الرئيس الشهيد صدام حسين ( رحمه الله ) ثم تطورت شعاراته إلى تحرير العراق ( أي استعباده وفرض النموذج الفارسي عليه ) ثم تطور شعار أسلمة العرب إلى فرض مذهبية طائفية معينة على العرب تبرر انقيادهم للفرس وأخيرا عندما دخل الأراضي العراقية كشف رغم قصر المدة عن حقيقة ( بويهية ) فإذا به توسعي عنصري يقتل في سبيل هدفه كل عراقي وبالضرورة كل عربي فمثلما كان متدرجا في شعاراته فهو بالضرورة متدرج بالانفراد بالعراق لكي يستفرد بالعرب قطرا قطرا مستفيدا من حالة التجزئة التي توهم بسببها بعض العرب بوجود امن قطري لا يتأثر بالضرورة عند تعرض الأمن القومي للخطر , وما تقوم به إيران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق من تدخل سافر في شؤون معظم البلدان العربية إلا دليل واضح على تلك المطامع والأحقاد الفارسية .

 

ثانيا / كشف الجوانب السلبية في الحياة العربية فيرى المراقب الذي يرصد موقف العرب من العراق وهو يخوض قادسية صدام منفردا صورة واحدة محددة المعالم وبشكل صارخ تلك هي صورة أسوأ حالة تمر بها الأمة العربية إزاء اصدق حالة تواجهها من خلال جزء واحد من أجزائها , فالعراق في قادسية صدام فعل الذي لم يستطع العرب مجتمعين أو منفردين فعله إزاء أي موقف عدواني واجههم لكنه بالمقابل يرى العرب أنظمة وجماهير وهم :

 

آ – لا يمتلكون قدرا كافيا من الوعي بطبيعة التحدي الفارسي والنتائج التي ترتبت عليه على المستوى القومي مستقبلا واستمرار النظرة التقليدية للعدو الفارسي ويتخفى هذا القصور في الوعي أو العجز الذي يمثله خلف شعارات ( الجارين المسلمين ) و ( الشعبين المسلمين ) والاحتفاظ بالقدرات الإسلامية لتحرير فلسطين دون أن يكلفوا أنفسهم إعادة النظر بوضع الفرس العنصري والمحرف للإسلام والتمييز بين إسلامية العراق العربي وإسلامية الفرس ودون أن يتحملوا عناء تقصي الدوافع التي تجعل الفرس مسبقا يطالبون بثمن إسلامهم وثمن دورهم – أن كان هناك دور في تحرير فلسطين – في شكل استعباد للعراق وهزيمة شعبه وأي نوع من الإسلام  تريد إيران وبالتالي ما مقدار صحة الشعار المطروح عن ( الجارين المسلمين ) وها هو الدور الإيراني القذر يتجسد بأبشع صوره وها هو الإسلام الفارسي يعيث بالعراقيين تدميرا وتقتيلا وما أحداث عام 1991 في صفحة الغدر والخيانة إلا شاهدا ودليلا .

 

ب – الروح الانهزامية التي لا تعبر عن استعداد لمجابهة الأخطار ذات الطبيعة الشمولية التي تهدد الوطن العربي وكأن التجزئة التي يرتكزون عليها سياج سحري ضد هذه الأخطار متناسين إن الحدود المؤشرة للتجزئة رسمتها إدارة الاستعمار وعندما يشعر الاستعمار إن هذه الحدود يجب أن تكتسح فانه لن يلتزم بها ولا يعير أهمية لكل المواثيق والاتفاقيات التي بذل جهده في ابتكارها كوسائل تضفي الشرعية على التجزئة , فالتجزئة وضعت لتجزئة الإرادة القومية وتعطيلها لا لحمايتها عندما تضعف وتتعرض للاكتساح الشامل .

 

جـ - حالة الخدر الفكري والقتالي للجماهير العربية ونجاح التصنيف السياسي الذي ينظم شرائحها في التحول إلى شكل من النسيج السياسي الذي بذلته العقلية الإقطاعية التي شهدتها المجتمعات الإنسانية وبالتالي تدجين وعيها وتخديرها فكريا ونضاليا , فالذي يجد بعض العذر للأنظمة في موقفها بحكم تناقضها الأيديولوجي مع النظام الثوري وقتذاك في العراق يحار في العذر الذي يوجده للجماهير التي يفترض أنها تشكل البناء الاجتماعي الخام للأمة العربي والذي يمتلك قدرا من الاستعداد للتجاوب وعيا وحركة مع أي موقف يهمل دلائل أخرى قوية .

 

وعندما شنت إيران عدوانها على العراق في 4 أيلول 1980 وبدأ الشعب العراقي بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ملحمته البطولية في قادسية صدام المجيدة اتضحت بالاختبار ووفق مقاييس وسياقات استثنائية لم يألفها الواقع العربي في تاريخه القديم والحديث مصداقية عقيدة البعث العربي الاشتراكي , فهذه الحرب كانت حرب بين الأمة العربية وبين القوى المعادية لها , واستمرت الحرب فتكشفت عن صيغة جديدة , فهي ممارسة الخصوصية القومية في الدفاع عن السيادة , وهكذا كلما اتسع نطاق الحرب وطال تحول إلى مراحل اختباريه لتجربة الحزب في جوانبها المتعددة فالانتصار في الدفاع والهجوم تعبير عن قدرة نظرية الجيش العقائدي على خلق عقيدة عسكرية قتالية خاصة والرهان على تحمل الشعب لعبئ الحرب الطويلة اثبت عمق الحياة التي صنعتها تجربة الحزب والغنى الروحي فيها واختبار الموقف بهجمة تراهن على الطائفية والعنصرية معا كشف أصالة المعادلة التي قام فكر الحزب خاصة في بعدها التاريخي .

 

إن هذه المؤشرات التي سجلتها قادسية صدام على مستوى توطيد القاعدة الثورية للحزب جزء من مؤشرات كثيرة سجلتها ولعبت دورها مجتمعة في تشكيل الحالة الثورية الجديدة لحركة القومية العربية , فالعراق الذي بنى نفسه قوميا وثوريا ليكون المثابة القومية للامة العربية ولمستقبل نضالها الثوري حدد بقادسية صدام صيغة التعامل المستقبلي مع الواقع القومي وهي صيغة تزيح بالعنف الثوري تناقضات الواقع وجابهت تحديات الفرس والاقتدار الثوري وهيأت هذا الواقع لزرع ركائز العمل القومي الوحدوي .

 

إن خصوم الحزب والأمة أدركوا القدرة المستقبلية لقادسية صدام على تفجير الأوضاع بوجه التحالف الرجعي الامبريالي – الصهيوني , وهذا الإدراك احد مرتكزات الموقف الدولي من العرب والموقف العربي منها أيضا وعندما سقطت كل الأوراق التي راهن عليها الاستعمار سواء محليا أو إقليميا نزلت قوى الشر بكل ثقلها وكشفت كل أوراقها وذلك بالاحتلال العلني لأرض العراق وشعبه وسيدحر جيش وشعب قادسية صدام قوى الشر هذه اشد اندحار وان غدا لناظره قريب .

 

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13