بسم الله الرحمن الرحيم

22/09/1429

 

الدعاية الأمريكية و صخب التضليل, والحرب النفسية

 

 

الباحث: مهند العزاوي

 

        رئيس مركز صقر للدراسات,21/9/2008  

            موقع النهى*

 

(إن الأكذوبة تقوم بدورة كاملة حول العالم قبل أن تنتهي الحقيقة من ارتداء سروالها) "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية"

(يعتبر "الانترنيت" من ناحية القوة الكامنة , أداة فعالة لترويج الشائعات المثيرة , بالإضافة إلى الدعاية السياسية"السوداء"والرمادية"لأن الانحياز الفعلي لمصدر المعلومات يمكن إخفائه بسهولة,كما يمكن تغيير أي مواد إخبارية مرئية أو حقائق ووثائق على الشبكة لتبدو الأحداث الحقيقة عند التشويه مزورة إضافة إلى التلفيق العدائي). مركز الإمارات للدراسات-(ستيفن هوزمر).

                           

تمتلك الإدارة الأمريكية وحلفائها في احتلال العراق, منظومة إعلامية هائلة ومحترفة في مجال الدعاية, سخرت على الدوام لتمرير مخططات حروب الولايات المتحدة الأمريكية واستهداف ضحاياها, لم ترتقي هذه المنظومة إلا ما ندر إلى مستوى الأعلام الهادف والمهني والباحث عن الحقيقة, بل لم تكتفي بذلك وأنتجت وسائل ومفاصل وأدوات ناطقة بالغة العربية والمحلية للبلد المستهدف وإدارة حرب التأثير لغزو العقول والقلوب وترويج الحلم الأمريكي, في معظم الصراعات يخوض كل فريق متحارب الحرب النفسية للتأثير في تصورات القادة السياسيين والعسكريين والقوات العسكرية والسكان والمدنيين,ودفعهم للقيام بإعمال في صالح الخصم, كما أن جوهر الأهداف الإستراتيجية للحرب النفسية,هو تدمير معنويات الخصم , وأضعاف الدعم المحلي والدولي للمجهود العسكري والسياسي والإعلامي له ,أما على المستوى التكتيكي النيل من أرادته القتالية,وأضعاف قدراته وإجباره على الاستسلام , ناهيك عن استخدام الوسيلة الأكثر انتشار (شبكة الإنترنيت) في ترويج الدعاية وتضليل الرأي العام, إضافة إلى استخدامها كوسيلة للحرب النفسية والإعلامية المستعرة ضد شعوبنا وبلداننا,والسعي الجاد لتطبيع الهزيمة وغرسها في نفوس أجيالنا القادمة على الدوام.

 لعل أخطر ما في وسائل الإعلام الأمريكية, إنها تؤثر في سياسة أكبر قوة موجودة حاليا على المسرح الدولي الولايات المتحدة الأمريكية وتضلل الرأي العام الأمريكي والعالمي, بالتالي تخدم وسائل الإعلام الأمريكية إلى حد كبير توجهات السياسة الأمريكية الخارجية, ولو سلطنا الضوء على دور الإعلام الأمريكي في السياسات والإستراتيجيات الأمريكية المختلفة, نتوصل إلى مجموعة استنتاجات تدل على قدراته الهائلة, ومدى تأثيره محلياً وعالميا,ً فالولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أكبر ترسانة إعلامية في العالم, وكالات الأنباء الأمريكية تتحكم ب 80% من الصور المبثوثة, تنتج أو تبث 57 % من الأفلام السينمائية في العالم , تزود "وكالة الاسوشيتدبرس" 1600 صفحة بأخبارها, كذلك 5900 محطة إذاعية وتلفزيونية, يشترك الأمريكيون بــ 90% في شبكة "الانترنيت, تعد محطة "السي إن إن "المصدر الأساسي للأخبار المصورة في العالم, تشير أحدى دراسات إلى أن المواطن الأمريكي يشاهد في العالم ويتابع قضايا ثقافية وإعلامية من تلفاز وإذاعة ومسرح وسينما ومطالعة, حوالي 3400 ساعة أي بمعدل (8/9) ساعات يومياً, وبالتالي يكون في مخيلته مواقف عن الكثير من القضايا من خلال هذه الوسائل الإعلامية, كما يفترض في وسائل الإعلام أن تتعامل بموضوعية مع الأحداث سواء كانت داخلية أو خارجية, ولكن نجد أن أغلب وسائل الإعلام الأمريكية لا تتعامل مع هذه الإحداث بواقعية وبدلالتها الظرفية , في ظل النفوذ والسطوة الإعلامية الصهيونية على الإعلام الأمريكي, بل تقدم وتسوق القضايا الكاذبة وإشاعتها أمام الرأي العام الأمريكي,يقول "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية(إن الأكذوبة تقوم بدورة كاملة حول العالم قبل أن تنتهي الحقيقة من ارتداء سروالها) لقد صورت وسائل الإعلام الأمريكية قضية الصراع العربي الإسرائيلي على أن الإسرائيليين هم ضحايا ومحبون للسلام؟ عملت وسائل الإعلام الأمريكية على تنميط للإرهابيين على أنهم مسلمون أو عرب .

 لقد عملت مراكز الإعلام الصهيونية في أمريكا على تعبئة الذاكرة الأمريكية بصورة مستمرة على تشويه العرب , المسلمين, ورسخت في عقول المواطن الأمريكي قبل وبعد الحرب ضد العراق أن إحداث أيلول سببها العراق, الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من المبررات المزيفة المضللة, لم ينضج جيل سياسي أمريكي خارج إطار هذه الصورة المعكوسة, لذا أن السياسة الأمريكية نتاج لعناصر داخلية ,تتفاعل ضمن الأقطاب السياسية الثلاث(الجهوريين, الديمقراطيين, الإيباك) (1) مراكز البحوث والإعلام والعلاقات ,شركات النفط والسلاح, , كلها تشكل الإطار العام للسياسة الخارجية الأمريكية المعادية للإسلام والعرب.

الدعاية السوداء

يلاحظ بين الحين والآخر هجمات تشويه منظمة ضمن مراحل الحرب النفسية المعادية, حرب إشاعات ,تصريحات,معلومات كاذبة ومزيفة ومفبركة, الغاية منها إشغال الرأي العام, واستهداف عناصر ومحاور الصراع التي لم تستجيب للإرادة الأمريصهيونية أو الإقليمية التوسعية التي تتجاذب إطراف الصراع والنفوذ والهيمنة في العراق, وعبر شبكة "الإنترنيت" التي يستخدمها الجاهل والعالم, العميل والوطني,عديم الأخلاق,وذوي الخلق الرفيع, كل على شاكلته (الإناء ينضح بما فيه) كما يقول المثل, يستخدم كذلك في الدعاية والحرب النفسية(الدعاية السوداء والرمادية) عبر الخلايا النائمة وشخصيات الظل المرتبطة بدوائر المخابرات الأجنبية.

هيأت دوائر الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية(سي أي إيه),ودوائر المخابرات الإيرانية(محاور الهيمنة والنفوذ في العراق) , خلايا نائمة مرتبطة بها عبر قنوات سرية وأخرى علنية داخل وخارج العراق, وبهياكل تبدو لأول وهلة علمية,مستقلة,لكنها لا تمتلك دلالة اجتماعية في العراق ما قبل الغزو لو بحث ذلك بدقة (2), لكنها مسخرة لتمزيق جسد العراق ونسيجه الاجتماعي, تقوم تلك الخلايا بين الحين والآخر, ببث إشاعات وتلفيق الأكاذيب عبر شبكة الإنترنيت والدهاليز المظلمة وفقا للمنهج ألمخابراتي المرتبط به, باستخدام وسائل أخرى يمكن إن يلجا أليها العقل البشري للتأثير على غيره, من خلال إقناعه وبلبلته وتضليله, إخضاعه والهيمنة على فكره, هدم شخصيته, تحطيم معنوياته, شل قدراته, وغالبية هؤلاء يعملون في الأروقة المظلمة والدهاليز القذرة, ليبث سمومه النابعة أحيانا وبشكل كبير من إحساسه بالنقص وضعف شخصيته وارتزاقه من هذه المهنة القذرة المرتبطة بدوائر المخابرات المختلفة أو بقنوات حكومية تخطط لهم منهجية الاستهداف(3).

التضليل

يعتبر التضليل احد وسائل الدعاية, والحرب النفسية وجزء من الحرب الإعلامية, ولتقاس تسمية الحرب بمقاييس الحرب العسكرية, أي الشروع باستخدام أدوات الصراع المسلح, بل هي تسبقه في ميدان الصراع السياسي والإعلامي, وأحيانا تكسب الحرب قبل بدئها, وتمتاز  بنشر وبث المعلومات والأفكار المغلوطة عن عمد, وعن سابق تصور وتصميم لخلق واقع مزيف ومغلوط, والتضليل هو أقوى أسلحة الحرب النفسية والإعلامية, ويعتبر أيضا احد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية السياسية الشاملة لأي دولة عدوانية ذات طابع توسعي , هناك عدة تعريفات للتضليل الإعلامي نذكر منه:-

1.     خلق واقع مزيف ومغلوط ومقنع بما فيه الكفاية وذلك بهدف إيقاع الخصم في الخطأ بينما هو يفكر بشكل صحيح.

2.      شكل من أشكال العدوان ونشاط تخريبي سيكولوجي وحرب الكلام والأفكار والمفاهيم وسلاح العصر السري.

أساليب التضليل

         تعمل الأقلام المأجور وعناصر خدمة الدعاية السرية المرتبطة بدوائر المخابرات الأنفة الذكر أعلاه, على شن حملات دعائية, ضمن عناصر الحرب النفسية وتستخدم وسائل التشويه والتشويش والتضليل بشكل واسع, ولن تستثنى أي وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية, المخابراتية العسكرية, عن طريق وسائل الإعلام المتاحة المعلنة والسرية ,وسائل الاتصال الأخرى, للتأثير إضافة إلى القنوات الجانبية, لنشر الخبر والإشاعة والمواد الإعلامية المفبركة المضللة إلى المتلقي, وتستخدم أساليب التضليل الإعلامي وكما يلي:-

أولا. الكذب, الخداع.

ثانيا. الإشاعة والتشويش.

ثالثا. أخفاء الحقائق والمعلومات.

رابعا. اختلاق وقائع ممسرحة.

خامسا.إغراق وسائل الأعلام بأكثر الأخبار تناقضا بحيث تفقد أي معنى عند استعمالها إذا يضيع المشاهد أو القارئ في غابة من الإشارات والعلامات والمؤشرات التي تلغي بعضها بعض بفعل الإفراط في ضخ المعلومات والأخبار وبفعل فوضى المعلومات والأخبار.

تُعَدّ الوسائل التي يتضمنها هذا التقسيم، من أقدم الوسائل وأكثرها استخداماً خلال مراحل الأزمات ومراحل الصراع ، مع تغطيتها لمساحات شاسعة, كما يمكن الاستفادة من تعدد أنواع الوسائل, وخصوصا ماهو شائع حاليا استخدام الأسماء الوهمية للنشر عبر بريد الإلكتروني باسم مستعار لا يحمل دلالة المعلومات ((يعتبر" الانترنيت" من ناحية القوة الكامنة , أداة فعالة لترويج الشائعات المثيرة , بالإضافة إلى الدعاية السياسية"السوداء"والرمادية"لأن الانحياز الفعلي لمصدر المعلومات يمكن إخفائه بسهولة,كما يمكن تغيير أي مواد إخبارية مرئية أو حقائق ووثائق على الشبكة لتبدو الأحداث الحقيقة عند التشويه مزورة , إضافة إلى التلفيق العدائي))

تأثير الدعاية

تقسم الدعاية من حيث النوع إلى:- دعاية (بيضاء – صريحة- رمادية- سوداء) فإن مخطط الحملات النفسية, إلى جانب استخدام الدعاية "الصريحة" , خلال المراحل المختلفة للصراع (قبل ـ أثناء ـ بعد انتهاء الصراع)، عاده ما يركز على استخدام الدعاية "الرمادية والسوداء" لتأثيرها, لما تمتاز به من إمكانيات وتأثير خطير في حال التخطيط والاستخدام الجيد لها فهي تحقق الآتي:                                                            -                                                                   

أولا. نشرها ووصولها إلى أعماق ومساحات كبيرة من مسارح الصراع.

ثانيا. أنها تحوز قبولاً وسرعة انتشار والتأثير بين الأفراد والمجتمعات.

ثالثا. استخدام موضوعات وأساليب يصعب استخدامها في الدعاية البيضاء مثل: -

(1) إخفاء المصدر والاتجاه ـ تزييف وثائق ـ تزوير عمله - تخريب.

(2) صعوبة وضعف تأثير إجراءات المقاومة والدعاية المضادة عليها نظراً لسريتها وعدم الدلالة.

(3) قدرة عالية على تحطيم ألذات، والقدرة القتالية للهدف المخاطب من خلال سرعة انتشارها وعدم معرفة مصدرها واستخدامها لمعلومات مفبركة مزيفة، نحتاج وقت لإثبات عدم صحتها.

رابعا. استخدام الدعاية، كأحد الطرق المدعمة لخطة العمليات النفسية، يتم التخطيط لتصميم الحملات تدار بالتوازي على المستويين الإستراتيجي والعمليات.

وأمام هذه المشهد لابد من استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة ما يجري في المناخ الإعلامي والثقافي الأمريكي المضلل خصوصا في البيئة العراقية والعربية, مناخ قابل للاستثمار المدمر, من المؤسف لا يوجد عمل عربي مضاد منظم , في ظل  تيسر موارد ومؤسسات سياسية وإعلامية يعنيها هذا الشأن,الدول العربية عبر سفاراتها ومراكزها الثقافية والإعلامية , الجامعة العربية عبر مؤسساتها , الجاليات العربية المنتشرة في أوربا ومفاصل المجتمع الأمريكي, مراكز البحوث والدراسات , الجامعات العلمية العربية, قنوات الاتصال الرسمي والشعبي, الإعلاميين والأكاديميين والمغتربين والمهجرين,هل سنستسلم للرياح الصفراء التي تنخر في جسد الأمة, هل نقف متفرجين نشاهد تدمير حاضرنا واختزال حضاراتنا,وتشويه ديننا الإسلامي الحنيف, هل نقف ونشاهد يوميا يستهدف زعيما عربيا بين إعدام واعتقال واغتيال,وإذلال,هل نترك الجرذان في الجحور تنخر كل شيء حي ينبض يرفض استهداف امتنا العربي والإسلامي, ومجتمعاتها التي أضحت تفقد أبنائها من جراء تعاطي وتجارة المخدرات , الفساد, التخنث,الجوع,البطالة,التجسس والعمالة, التجنيد في الجيوش الأجنبية,القتل الوحشي, بينما سفاحو العصر ومرتكبي المجازر والجرائم يستقبلون في أوطاننا استقبال الفاتحين, كلمة للتاريخ نحن امة لا تموت, لابد أن تستفيق وتنفض غبارها يوما ؟

 

-----------------------------------------------------------------------------

الهوامش

(1)"الإيباك" هي اكبر منظمة يهودية أمريكية نشأت في العقد الثالث من القرن العشرين في الولايات المتحدة, اسمها مختصر The American Israel Public Affairs Committeeالمنظمة اليهودية من اجل التعاون مع إسرائيل.

(2)هناك دلالة تاريخية, وطنية,دينية, إشارة اجتماعية, معروفة لكل عراقي أصيل عبر نسبه وانتمائه الديني , القومي,الوطني , العشائري, عبر ما قدمه من عطاء وتضحية للعراق, ما قدم من خدمات اجتماعية وعشائرية وإنسانية للشعب, موثقة بالوقائع والحقائق وسجلات الدولة التي احرقوها, وعدم الارتباط بدوائر وأجندات مخابراتية أجنبية, والتي أصبحت اليوم ظاهرة ارتزاقية يتفاخر بها العملاء.

(3)جرت حملات استهداف إعلاميا واسعة طيلة السنوات الماضية لتشويه فصائل المقاومة والقوى والشخصيات المناهضة للاحتلال, والرافضين لتطبيع الاحتلال الأمريكي, والنفوذين المتعاظمين الإيراني والصهيوني في العراق,في محاولة لإسكات الصوت العراقي الوطني الساعي للاستقلال وتحرير العراق

المصادر

·        وليد شميط :-إمبراطورية المُحافظين الجُدد- التضليل الإعلامي وحرب العراق- دار الساقي- بيروت -لبنان-الطبعة الأولى-2005.

·        شيلدون رامبتون وجون ستوبر:- أسلحة الِخداع الشامل - الدار العربية للعلوم- بيروت-لبنان- الطبعة الأولى-2004.

·        ديفيد ميلر:- أخبرني أكاذيب,بيسان للنشر والتوزيع والإعلام,بيروت, لبنان, الطبعة الأولى نيسان2007.

   مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية- الدور المتغير للمعلومات.

 مهند العزاوي,رئيس مركز صقر للدراسات,21/9/2008

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13