بسم الله الرحمن الرحيم

11/09/1429

 

 الإسلام وشيوخ الزلابية

 

 بقلم: علي الصراف

  موقع النهى*

 

 المجتمع ضحية سلطته عادة. ولكن إذا كانت هناك فئة إجتماعية يمكن أن يُلقى عليها اللوم بالتستر على الإنحطاط والفساد والطغيان، فهي رجال الدين.

 حتى المثقفين، بمذاهبهم الشتى، لا يمكن أن يُلقى عليهم مقدارٌ مساو من اللوم. فهم متمردون غالبا، ولا يصدر غالبهم عن أي سلطة، ولا يملكون الحجم نفسه من النفوذ والتأثير.

 ولدينا من رجال الدين ما تبرهن فتاويهم، ووجودهم نفسه، على أن إنحطاطنا شامل، ودار دورته كاملة.

 هؤلاء "البشر" (مجازا طبعا) يستمدون سلطتهم من الله مباشرة. وواحدهم، بهذا المعنى، لا يفتح فمه، إلا وهو يظن انه لا ينطق عن الهوى.

 وليس مما يُعلم إن كانت الآية القائلة "اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا" تعني انه ما تزال هناك حاجة لرجال دين يفيدون في إستكمال الكامل.

 ولكن المرء يستطيع أن يفترض أن الزلابية لم تكن شأنا مهما من شؤون الدين. وليس ثمة من حديث يحللها أو يحرمها. ومثلها الكثير من بُدع الفقه التي أراد مبدعوها، فيما يبدو، أن يستكملوا الكامل.

ولا شك انهم يفعلون ذلك، ليفرضوا لأنفسهم دورا من حيث لا حاجة له. ولكن ليس كأي دور، إنما في التفصيلي والنافل والتافه، تاركين كل ما عداه من جور وظلم وفساد وتخلف ليفرش بُسُطَه على حياة الناس ويقرر مصائرهم .

 وللزلابية قصة تستحق أن تقرأ. ليس لأن مُفتيها واحدٌ بعينه، بل لأن الكثير من شيوخ الإسلام الراهن، إن لم يكن كلهم، هم بهذا المعنى أو ذاك "شيوخ زلابية".

 فقد نسبت صحيفة جزائرية الأسبوع الماضي الى واحد من شيوخ السلفية فتوى تقضي بتحريم الزلابية. ونقلت عن أحد كتب الشيخ محمد علي فركوس، المكنى بـ"أبي عبد المعز"، ما يذهب الى القول ان "عمل بعض الحلوى كالزلابية أو العصيدة أو نحوها من الحلويات التي تخصص للمولود يوم سابعه، من بُدع العقيقة، وعمل الحلوى يحتاج إلى دليل شرعي".

 وزيادة على تحريم الزلابية، فقد حلل الشيخ فركوس تقديم الرشوة "من الملتحي الذي يريد إصدار جواز سفره بلحية إذا رفضت الإدارة استخراج هذه الوثيقة". كما أفتى بجواز التزوير وذلك "بنزع اللحية من الصورة بواسطة جهاز سكانر تجنبا للوقوع في المحظور".

 النكتة، هي انه عندما قامت القائمة في الجزائر إنتصارا للزلابية، عاد الشيخ فركوس وأصدر فتوى تحلها. ولا شك في انه سيعود ليحرم الرشوة والتزوير لو تم الضغط عليه.

 وفي حلاله، كما في حرامه، كان شيخنا تافها. لانه لم ير في مجتمعه شيئا  يهم مصائر الناس وأحوالهم، فوقع بضالته على الزلابية.

 السؤال الآن هو: كم شيخ زلابية لدينا في العالم العربي، يحلل ويحرم على هواه، ظنا منه انه يستكمل الكامل؟

 في الواقع، فهناك الكثير من رجال الدين بيننا ليسوا سوى شيوخ زلابية. ولا  شغل لهم إلا إصدار الفتاوي في الشؤون الصغيرة والفردية والخصوصية، تاركين وراءهم ظلما يمور وجورا يخور، لا ينطقون بشأنه كلمة.

 وهناك اليوم فضائيات بكاملها قد خُصصت لكي يدلوا من خلالها بترهاتهم، ناطقين بإسم سلطة لا يطالها بالنقد طائل .

 هل الزلابية، أو ما وقع في منزلتها، هي شغل رجل الدين الأهم؟

 وهل تفرق عند الله كثيرا أن تكون الزلابية حلالا أو حرما عندما يكون القهر والعوز والإجحاف وتسلط الظالم هو المألوف والسائد؟

 اذهب لتسألهم: فماذا عن فساد السلطة؟ وماذا عن الفقر؟ وماذا عن غياب العدل؟ وماذا عن الطغيان والتعسف؟ وماذا عن انتهاك أبسط حقوق الإنسان؟ وماذا عن تعذيب الأبرياء في السجون؟ وماذا عن الاعتقالات من دون محاكمة؟ وماذا عن استعباد أولئك الذين "ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟ وماذا عن جرائم القتل التي تمارسها السلطة من دون حسيب ولا رقيب؟ وماذا عن نهب المال العام؟ وماذا عن اضطهاد المرأة والحط من قيمتها كإنسان؟ وماذا عن تخلف التعليم وتراجع الاقتصاد وتدهور التنمية؟ هل عرفوا لها أسبابا؟ وهل تأملوا في مضارها ومخاطرها على أحوال رعيتهم، ومستقبل أوطانهم؟ ثم ماذا عن جور المحتلين وظلمهم وجرائمهم؟ وماذا عن الاحتلال نفسه؟ أفهل يجوز للمسلم أن يخضع لولاية غير المسلم ولا يقاومه؟ وماذا عن ما تراه العين من بطالة وجوع ومرض وجهل؟

 اذهب لتسألهم، ولكنك لن تجد عندهم شيئا أكثر من الزلابية.

 الدول الغربية علمانية كما نفهم. ولكن إذهب الى أي منها وستجد ان رجل الدين لو نطق، فانه ينطق بالحق من اجل رعيته. وترتعد لقوله فرائص السلطة.

 وما من رجل دين هناك يظهر في أي تصريح رسمي له داعما لسلطة. وكلما برزت مخاوف من مظاهر إجتماعية او اقتصادية تضر عامة الناس، تراه سندا لهم، يعبر عن مخاوفهم، وينطق بلسان حالهم.

 وهم ينصرون الضعيف على القوي، والفقير على الغني، ورجل الشارع، أيا كان، على رجل السلطة. وفي أحلك الظروف، فقد نصروا المسلمين حتى على أبناء دينهم ودعوا لحمايتهم منهم، لا لشيء إلا لأنهم أضعف.

 اما غالب رجال ديننا (وهم بلا دين بالأصح) فانهم تجار جور لدى السلطان، ويكاد واحدهم يخاف من خياله إذا وجّه نقدا. وتراهم ينصرون القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والظالم على المظلوم، ويحرضون الشيعة على السنة، والسنة على الشيعة، والمسلمين على المسيحيين، ويبررون إضطهاد الأقلية، ويتواطأون مع الغزاة، ويمالئون الحاكم حتى في جوره وجرائمه.

 ما لم يكن رجل الدين ضميرا لمجتمعه، معبرا عن مشاغله، متضامنا مع رعيته، فانه لا يستحق أن يوجد. وما من أحد يريد منه أن يستكمل ما اكتمل.

 يوجد قرآن، وتوجد سنة، وهما كافيان ليكونا دليلا للمؤمن الفرد ليتعرف عليهما بنفسه، وليحل مشاكله معهما، ولو بما تدله عليه الفطرة. وخلصنا.  وكم كان من الأولى أن يقولوا، لسائلهم في الصغائر والنوافل، "إذهب لدينك فاقرأ". ولكن أن ينشغل رجل الدين بالزلابية، او نحوها من القضايا الفردية التي لا تأمن من فقر ولا تسمن من جوع، فكأنه يترك فيل الظلم والطغيان لينشغل بالنملة.

 وهذه بالأحرى، مشاغل تافهة، تفاهة المنطق الذي يجعلهم تجار صمت على الكبائر.

 لو كان المغرمون بفتاوي التافه والنافل والشخصي، رجال دين حقا، يدافعون عن قضايا مجتمعهم المصيرية، لما كانت هناك حاجة أبدا لظهور التطرف، أو لبروز متشددين يستخدمون الدين تعلة للثورة.

 وجود التطرف الذي يتخذ من الدين ستارا يكفي بمفرده ليكون دليلا على فشل رجال الدين، وعلى أنهم يقفون على الضفة الأخلاقية والإجتماعية الخطأ، وينحازون الى الجهة السياسية الخطأ.

 رجل الدين ما لم يكن هو نفسه ثورة ضد الظلم والطغيان والتعسف، فمن الأفضل، والأشرف، والأنفع لنا وله، أن يلف عمامته على خصر راقصة في ماخور يعربد مريدوه حتى صلاة الفجر.

 ولا أدري ماذا يفعل هذا الشيخ او ذاك، هذا المفتي او ذاك، هذه الآية او تلك، وهم يرون ما يرون من أحوال الناس. لا أدري إن كانت لهم ضمائر أصلا، أو عقول أصلا، أو بصائر أصلا. وإلا فكيف تعمى قلوبهم عن الجمر الذي يتلظى به غالب رعيتهم؟

 ولكني أعرف أن الزلابية، حلالا كانت أم حراما، لن تطرد جنديا يحتل أرضنا، ولن ترد الإعتبار لضحية تُغتصب، ولن تُحرر معتقلا من دون محاكمة، ولن تحمي مالا يُنهب، ولن توقف بعض قادتنا عن أن يكونوا عملاء ومأجورين للأجنبي.

 هل لدينا رجال دين؟

 في الواقع، فان غالب ما لدينا هو كومة من التفاهة الخالصة، التي إن دلت على شيء، فإنها تدل على أن انحطاطنا دار دورته كاملة، فأحاطنا حتى من آخر منفذ للعدل والأخلاق والقيم.

 رجل دين لا يدين بكل جوارحه جورا، ولا يرفع صوته ضد الفساد،  ولا يحمي رعيته من الطغيان، أولى به أن يُحرق حيا، قبل، قبل أن يُقاوم الجور والفساد والطغيان نفسه.

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13