بسم الله الرحمن الرحيم

11/09/1429

 

 الفلسطينيون وجدل الدولة المستقلة ... و«ثنائية القومية»!

 

بقلم: مأمون الحسيني

  موقع النهى*

                                                                                         

     لشخصيات التي أطلق عليها «الفريق الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية» خلصت، في الوثيقة التي أصدرتها في خمسين صفحة وحملت عنوان «الخيارات الاستراتيجية الفلسطينية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي»، وأثارت جدلا داخل الأوساط الفلسطينية، إلى مطالبة القيادة الفلسطينية بإغلاق الطريق أمام البدائل الإسرائيلية التي لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق والمطالب الفلسطينية عبر التحول إلى استراتيجية بديلة من أربعة توجهات مترابطة، والشروع بالاسترشاد بها، سواء بشكل متدرج أو دفعة واحدة: وقف وإنهاء الخيار التفاوضي بشكل قاطع؛ إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بحيث لا تخدم المصالح الإسرائيلية المستقبلية المتمثلة في إضفاء الشرعية على الاحتلال، وتنصل إسرائيل من تحمل مسؤولياتها الكاملة عن كلفة هذا الاحتلال؛ اعتماد ما سمي «المقاومة الذكية» وتقديمها على المفاوضات كوسيلة أساسية للفلسطينيين مع إعادة تأكيد الوحدة الوطنية من خلال منظمة التحرير؛ التحول عن مسألة حل الدولتين إلى حل «الدولة الواحدة»، سواء كانت ثنائية القومية أو ديموقراطية موحدة، كخيار استراتيجي مفضل للفلسطينيين، ما سيشكل تحديا لوجود دولة إسرائيل بشكلها الحالي.

      وعلى ضوء ذلك، حدد التقرير ثلاث مهمات استراتيجية للفلسطينيين على النحو التالي: العمل على صوغ توجه أساسي لاستراتيجية فلسطينية تضمن الاتفاق، وبشكل مفصل، على بديل للمفاوضات؛ تحديد الحد الأدنى من الشروط المقبولة للتفاوض على دولة فلسطينية مستقلة تماما على حدود عام 1967، ووضع جدول زمني واضح للحكم على ما تم تحقيقه أو إذا كان قابلا للتحقيق؛ ضمان أن يكون الخطاب الفلسطيني هو قاعدة وإطار النقاشات الدولية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
    ومع أن هذا الجهد الجماعي الذي جاء بعد عقود من النكسات والأخطاء والخطايا التي وسمت مسيرة وسياسات فصائل وقوى الحركة الوطنية الفلسطينية، وأفضت إلى التخبط في متاهات السياسات الدولية والإقليمية، والضياع في دهاليز المفاوضات الكارثية التي استندت إلى مرجعيات فرضتها موازين قوى مختلة بحدة لصالح الإسرائيليين، كان مطلوبا منذ زمن بعيد لتصويب المسار ووضع الضوابط أمام القيادة الفلسطينية التي وجدت نفسها في حل من كل القواسم الوطنية المشتركة والضغط الشعبي الذي يشكل رافعة مهمة للمراجعة النقدية، غير أن ثمة ملاحظات جوهرية لا بد من أخذها بنظر الاعتبار في خضم هذه العملية التي ينبغي أن تتواصل في كافة أنحاء الوطن الفلسطيني وتجمعات الشتات والمهاجر، ولا سيما في ظل اتساع الفجوة بين الحد الأقصى الذي يمكن لإسرائيل أن تعرضه على الفلسطينيين والحد الأدنى الذي يمكن أن توافق عليه السلطة الفلسطينية التي وصل بها اليأس من إمكانية تحقيق أي تقدم في المفاوضات إلى حد التهديد  بالإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بشكل أحادي، وفق ما جاء على لسان رئيس الوفد الفلسطيني لمفاوضات الوضع النهائي أحمد قريع الذي شدد على أن استمرار إسرائيل في سياستها المنافية لأسس «عملية السلام»، يجعل باب الصراع مفتوحا على مصراعيه، فضلا عن ارتفاع الأصوات الإسرائيلية المطالبة بالتفكير بحلول أخرى، احدها هو العودة ليس إلى حدود 1967، بل إلى الواقع الذي ساد في الـ 1967، عندما كان الأردن يسيطر في الضفة الغربية.
     أبرز الملاحظات على جوهر الوثيقة، والمتعلق بالحديث عن حل الدولة الواحدة بديلا عن حل الدولتين الذي «تقضي عليه المستوطنات وأفعال إسرائيل على الأرض»، وفق ما تقول الوثيقة، هو أن هذه التكويعة المقترحة التي اعتبرتها القيادة السياسية في تل أبيب «مجرد تكتيك»، ليست أكثر من محاولة للهروب إلى الأمام، والقفز عن المعضلات والصعوبات الفعلية والواقعية التي برزت في وجه النضال الوطني التحرري الفلسطيني بدلا من البحث عن سبل مواجهة هذه الصعوبات وتذليلها، ذلك أن حل الدولة الواحدة، الديموقراطية والعلمانية والتي تضمن المساواة لجميع مواطنيها، ليس «رؤية جديدة» بل هو في الحقيقة الرؤية التي تبنتها الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها في منتصف ستينات القرن الماضي. أما حل الدولة ثنائية القومية الموحدة التي تضمن المساواة القومية بين الشعبين، فهو ما نص عليه البرنامج السياسي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين الذي ما زال ساريا منذ العام 1975، باعتباره الحل الجذري والعادل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.  

     غير أن العقبات الموضوعية التي انتصبت في وجه هذه الخيارات والرؤى التي لم تحظ بأية شرعية دولية، وفي مقدمها موازين القوى الدولية السائدة، حينذاك، والتي كانت أخف وطأة بالنسبة للعرب، أقله وجود الاتحاد السوفييتي ومنظومة دول عدم الانحياز، قادت الفلسطينيين، بعد بضع سنوات، إلى تبني «البرنامج المرحلي» الذي وضع نصب عينيه تركيز الطاقات النضالية الفلسطينية والعربية

   على هدفين يمكن أن يحظيا بالشرعية الدولية المطلوبة:

  إزالة الاحتلال الإسرائيلي عن أراضي الـ 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على هذه الأراضي، وصون حق العودة للاجئين الفلسطينيين بإحياء الإجماع الدولي على القرار 194.
الملفت في هذا الطرح القديم- الجديد الذي يحظى، وبقدرة قادر، بتأييد أوساط في كل من «فتح» و»حماس»، وبعض الشخصيات الأكاديمية التي عادة ما توصف بأنها «شديدة الاعتدال»، من أمثال رئيس جامعة القدس د. سري نسيبة الذي سبق وأن أطلق مع الوزير الإسرائيلي عامي أيالون، من حزب العمل، قبل سنوات، مبادرة سميت «الحملة الشعبية»، وتتمحور حول السعي من أجل إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، من دون حق عودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل، هو أنه يحيل التنازلات الفلسطينية النوعية، كاتفاق أوسلو وملحقاته، والانهيارات التي حدثت في هيكل الحقوق الفلسطينية وبنية الحركة الوطنية، إلى البرنامج المرحلي الذي تبنته منظمة التحرير في العام 1974، متناسيا أن المسألة ليست في البرنامج الذي شكل محط إجماع وطني، ونالت منظمة التحرير الفلسطينية، على أساسه، اعترافا عربيا ودوليا عارما، وإنما في الخروج على هذا البرنامج الذي لم يقصر وسائل الكفاح على المفاوضات، بل تحدث عن كافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح والجماهيري، ناهيك عن الصلف والتعنت الإسرائيليين اللذين وسَعا الفجوة ما بين ما سمي «عملية السلام» والوضع على الأرض.
     وإذا كانت الصعوبات والعقبات التي تعترض الأهداف الوطنية الفلسطينية، تدفع البعض باتجاه مزيد من النزق والنكوص نحو مقاربات قديمة تحتاج إلى موازين قوى وظروف ذاتية وموضوعية من طراز جديد، فإن واقع الحال يشير إلى أن حل الدولة الواحدة، إذا أريد لها فعلا أن تكون ديموقراطية وأن تضمن المساواة القومية بين الشعبين، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المرور بحل الدولتين الذي يستطيع الشعب الفلسطيني من خلاله  تجسد كيانه الوطني على أرضه وتوفير الشروط المادية للمساواة مع الشعب الآخر، خاصة وأن هذا الممر الإجباري يتضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة وانسحاب إسرائيل، بجيشها ومستوطنيها، إلى حدود الرابع من حزيران، وحل قضية اللاجئين عبر القرار 194، إذ من غير المنطقي والمعقول أن تستبدل «الحلول الصعبة» بأخرى «أكثر صعوبة» بطريقة إرادوية لا تستند إلى أية أرضية موضوعية مادية على الأرض. أما الزعم بأن «حل الدولة الواحدة» هو الذي يوحد الفلسطينيين فهو يتجاهل واقع أن خيار الدولتين بات وضع إجماع منذ أن وقعت جميع القوى وألوان الطيف السياسي الفلسطيني، بما فيها التيار الإسلامي (باستثناء «الجهاد»)على وثيقة «الوفاق الوطني» الفلسطيني التي تحدد الهدف الراهن للنضال الوطني الفلسطيني بقيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي التي احتلت عام 67 وعاصمتها القدس

 

 حركة القوميين العرب

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13