بسم الله الرحمن الرحيم

01/05/1429

الهزيمة في العراق*

 ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

 موقع النهى* 

     لم يكن غزو الولايات المتحدة للعراق بغية "إنهاء العنف". فهذا الأمر لم يكن أبداً هدفاً. ومن الغباء تصديق ما قيل بأن زيادة القوات surge حققت غايتها. إنها لم تحقق. كذلك لم تنجح الزيادة في خلق محيط أفضل لـ "المصالحة السياسية". شعار آخر لجوقة بوش Bush troupe فاقد لمضمونه وانكفأ بعيداً. 

     إن البرنامج المرسوم للعراق فشل تماماً. يظهر ذلك من طلب الحكومة الطائفية في بغداد من الولايات المتحدة مغادرة العراق "بأسرع وقت ممكن" وأن تضع إدارة بوش "جدولاً زمنياً بالانسحاب." ليس "جدولاً للأفق الزمني" كما يُلفق بعض الوزراء، بل جدولاً زمنياً بمعنى تحديد موعد لمغادرة الولايات المتحدة.

     عليه، إذا ما كانت حكومة الاحتلال في بغداد قد طلبت فعلاً من الدولة المحتلة ترك العراق، فأين "الحل السياسي" الذي كان من المفترض أن تخلقه زيادة القوات؟ لكن الحل السياسي كذلك لم يكن هدفاً. المهمة فشلت.. والنتيجة ليست محل مناقشة.

     ما استهدفته الزيادة فعلاً وبرهنت عليه هو التطهير الإثني/ الطائفي. كانت طائفة (الأقلية) تُشكل 65% من سكان بغداد، وأصبحت الطائفة الحاكمة (الأكثرية) تُشكل 75% من سكان العاصمة. الأغلبية من ملايين الضحايا المدنيين- القتلى والمُشرّدين والمُهجّرين- هم من الطائفة الأخرى. هذه نقطة مهمة ومعلم من معالم الاحتلال، وعلى الأمريكان أن يفهموها. تم إنشاء وتنفيذ حملة زيادة القوات لإخفاء disguise، بل ودعم ما كان يحدث على أرض الواقع من تطهير إثني/ طائفي كثيف وواسع. لا أحد ينكر هذا. فلقد خضعت طائفة (الأقلية) إلى تطهير purge فعّال. وهذا ليس بالحل السياسي.. إنه جريمة حرب.

     والأكثر أهمية أن القوات الأمريكية ساعدت طائفة الحكم على كسب حربها ضد الطائفة الأخرى التي أصبحت تُهيمن على العاصمة حالياً باتجاه بنا نظام الطوائف في العراق. عليه، كانت الزيادة فعالة، على الأقل، من ناحية واحدة. إنها ساعدت طائفة الحكم وحليفتها إيران على كسب حربها الطائفية. بمعنى أن بوش ساعد على تقوية أحمدي نجاد. هل كان هذا هو الهدف؟

     عادة ما تختار القوى الإمبريالية بعد إسقاط نظام حكم مُعادٍ لها إبعاد/ تصفية نخبة الحكم وأنصارها من السلطة لصالح مجموعة أخرى موالية، مع الإبقاء على أسس النظام القائم للمحافظة على الفعالية الاجتماعية، أي ممارسة قدر محدود من التقطيع والتمزيق. لكن بوش عمد إلى كسر هذه السياسة التقليدية للإمبريالية في توجهاتها تحقيق مطامعها الاستعمارية، إذ اختار إنهاء وجود الدولة بدءً بأُسسها، تمزيق وتقطيع شامل للنسيج الاجتماعي، ونشر الفوضى على نحو واسع ومكثف. الآن، وكما يقول الكاتب (المؤلف) Nir Rosen "لم يعد للعراق من وجود".

    ومع بناء السلطة على أساس طائفي، استبعد بوش بناء ديمقراطيته المزعومة التي طبّل لها كثيراً، وبدلاً من ذلك نفّذ هدفه الحقيقي: نشر الفوضى والكراهية في سياق الطائفية المقيتة.. (الفوضى الخلاّقة).. هذه هي حقيقة الإمبريالية المخادعة بوجوهها المتعددة التي نفّذ ستراتيجيتها بوش وإدارته، وكلّفت حياة أكثر من مليون عراقي، وهروب أكثر من أربعة ملايين من منازلهم، عدا ملايين الأيتام والأرامل.. وهكذا يتضح غياب أي قدر من المصداقية في دعوات بوش إقامة قاعدة أمامية للديمقراطية (العراق) في قلب الوطن العربي. لقد حكم بوش على مسألة الديمقراطية في العراق بالموت منذ البداية.

     تُشير إدارة بوش إلى التخفيف المؤقت للعنف في العراق رمزاً للنجاح. لكنها مُخطئة. إنها تستخدم مقياساً خاطئاً. لقد بلغت المقاومة العراقية ما تتمناه أية مجموعة مسلّحة في مبتغاها. ذلك أن هذه المقاومة نجحت في تقويض قدرة وقابلية العدو على شن المزيد من الحروب. فالولايات المتحدة أخذت تواجه مقاومة متنامية لسياساتها الإمبريالية في العالم، وصارت غيرة قادرة على مواجهة هذه المقاومة العالمية لأن جنودها حوصروا داخل المستنقع العراقي. وهذه النهضة الوليدة ستصبح بسرعة واحدة من الساحات الرئيسة لعدم الاتفاق في الحملة السياسية للعام 2008. العالم يتجه بعيداً عن الولايات المتحدة، ولن تستطيع العودة إلى سابق عهدها سواء اُنتخِبَ اوباما أو مكين. إن القوة العظمى باتجاه بناء نموذج للحكومة العالمية هي في طريقها إلى الزوال.

     كما أن الطريقة الصحيحة لقياس النجاح أو الفشل هنا هي في النظر إلى الميزانية المالية للولايات المتحدة التي اتجهت بسرعة صاروخية نحو العجز ليصل إلى 500 بليون دولار. والسبب الرئيس يعود إلى التكاليف المفرطة لصراع متواصل مفتوح بلا نهاية في الشرق الأوسط. لم يرتبك المستهلك الأمريكي بنبرة الزيادة في القوات. إنه يعلم بأننا نخسر الحرب. إنه ليس بأعمى. إنه يرى دليل الهزيمة في كل وقت يتجه إلى محطة الوقود. أخبرني: هل أن 4 دولار لكل غالون من الوقود هو علامة للنصر أم الهزيمة؟ الإجابة لا تتطلب تخصصاً في علم الصواريخ!

     إن المعارك الفردية والمناوشات في العراق ذات أهمية ضئيلة بالمقارنة مع ما تحقق فعلاً، متمثلاً في أن قابلية الولايات المتحدة على شن الحرب قد قوضت بدرجة كبيرة. ومع نهاية العام 2009 ستبدأ القوات بالانسحاب أو ستُترك في مكانها للاستمرار في مواجهة المقاومة الصاعدة، في حين أن سوق العقارات على وشك الانهيار collapse، النظام المالي يدخل مرحلة التلاشي meltdown، والبلاد (أمريكا) تواجه أضخم أزمة مالية على مدى تاريخها ألـ 230 سنة الماضية.

     لا تبحثْ عن دليل هزيمة أمريكا في العراق.. أبحثْ عنه في المحلات/ المتاجر المرهونة.. عند الناس المحرومين من المساكن.. والعدد المتعاظم من العقارات المعروضة للبيع والتي تحولت إلى مدن أشباح. هنا يمكن للمرء أن يرى التكاليف الحقيقية للحرب.. هذه الحرب التي ضاعتْ وبانتْ خسارتها مع إلقاء أول قنبلة..

 

 

ممممممممممممممممممممممممـ

* ترجمة موجزة بتصرف.

Defeated in Iraq? By Mike Whitney,aljazeera.com, 04/08/2008.

-- Mike Whitney lives in Washington state and can be reached at fergiewhitney@msn.com

Source: Middle East Online.

  

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13