بسم الله الرحمن الرحيم

01/10/1429

 اعتداء دمشق: هجوم على الثقافة و"تكفير" بقائمة الأعداء

 


  بقلم: علي الصراف

 موقع النهى*

 

الهجوم الذي نسبته دمشق الى "تنظيم تكفيري" قادم من احدى دول الجوار العربية، سيحقق الهدفين المرجوين منه:

ـ تقريب دمشق من واشنطن، بوصفها ضحية للإرهاب، على عكس الصورة التي ظلت تُشاع حتى الآن، بوصفها مصدرا له. و...

ـ تقريب دمشق من طهران، بوصفها ضحية للتكفير (السني)، على عكس الإنفصال الذي تزعم واشنطن انها ترغب برؤيته بين "الحليفين".

اما النتيجة، كما يستطيع اللبيب أن يلاحظ، فهي توفير بيئة بغدادية لـ"شركاء المستقبل" الثلاثة (واشنطن، طهران ودمشق) لتساعدهم على مكافحة الثلاثة:

ـ التكفير،

ـ والإرهاب،

ـ ومقاومة الإحتلال!

لو جاز لأي أحد أن يلبس حذاء واشنطن او تل أبيب، فانه كان يجب ان يعد بنفسه عدة ذلك "التنظيم التكفيري" القادم من "إحدى دول الجوار العربية"!
 

فالجريمة التي نفذت في دمشق السبت الماضي قد تحمل ما تحمل من بصمات، إلا انها تحمل بصمة سياسية واحدة تسعى الى دفع دمشق لتكون حليفا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب "القادم من احدى دول الجوار"، وتقوي في الوقت نفسه أواصر التحالف مع طهران التي يواجه حلفاؤها الحاكمين في بغداد "تكفيرا" انتحاريا مماثلا.
 

لقد قصدت هذه "العملية" ان ترفع "شركاء المستقبل" ليقفوا على منصة واحدة. فبينما تكافح الولايات المتحدة "الإرهاب" لتضمن إستقرار ونجاح الحكومة الطهرانية في بغداد، فان تحالف المنطقة الخضراء بين إيران وواشنطن على المقاومة العراقية (وهي هنا: تكفير وإرهاب) يظل ناقص الحلقات من دون دمشق.
 

ولمن يذكر، فان خطة بيكر ـ هامتلون لإشراك دول الجوار لتحقيق الإستقرار في العراق، تظل عرجاء من دون دمشق.


ما ترغب به عملية كتلك التي يتم نسبها الى "تنظيم تكفيري قادم من إحدى دول الجوار" هو القول ان دمشق تكون في وضع أفضل لو انها انضمت الى تحالف الأمر الواقع القائم بين مليشيات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات بلاك ووتر. فكلاهما يؤمنان بآية الله واحد مناهض للتكفير والإرهاب، ويصلي آناء الليل وأطراف النهار من اجل ان يتحقق الأمن ويتقدم الإستقرار لحكومة العمائم الطائفية في "الجوار".
 

والمشكلة في دمشق قد لا تكمن في أفعالها، بقدر ما تكمن في ثقافتها. فالأفعال قد تقبل الوجهين، على سبيل المناورة، كما يُقال، لكسب الوقت. ولكن الثقافة القومية والتحررية ما تزال تشكل حائلا دون الإنخراط في الجهد "النضالي" الآخر الذي يمارسه مليشياويو آية الله ضد مقاومي الإحتلال في العراق.
 

سوريا تظل، بسبب تلك الثقافة – المعضلة، تشعر انها عربية، وان تطلعاتها القومية تدفعها الى النظر الى العراق بوصفه حقلا طبيعيا لوحدةٍ ما. كما انها تدفعها أيضا الى مناهضة "المشروع الإمبريالي والصهيوني"، لا سيما وان هذا المشروع ما يزال يحتل لها أرضا، وكان وراء خروجها "الطوعي" من لبنان.
 

اما اليوم، فيبدو ان إعتداء السبت، سوف يسمح لدمشق بأن تجعل "ثقافتها" تستوعب مصطلحات جديدة.
 

فبدلا من الإتهام التقليدي لإسرائيل، الذي كان يفترض ان يغذي الشحنات التحررية إياها ضد المشروع الإمبريالي والصهيوني، فها هو "التكفير القادم من إحدى دول الجوار العربية" يبرئ ساحة هذا المشروع، ويوفر ميدانا آخر للصراع!
 

"التكفير"، كما يجب أن يُفهم من إعلانه كمتهم، يضع دمشق على حافة مواجهة ذات طبيعة طائفية. وهذا يفيد أيضا في وضع المواجهات ذات الطبيعة "القومية" على الرف.
 

ولأنه يجيء من دولة "عربية"، لا يهم من هي، فهذا يفيد في القول ان الأعداء لم يعودوا هم أنفسهم الأعداء، والمخاطر لم تعد هي نفسها المخاطر، ولعبة الصراع العربي الصهيوني لم تعد هي نفسها اللعبة!


وتستطيع الولايات المتحدة وطهران ان تريا، رؤية العين، ان دمشق لم تأل جهدا في الإعتراف بالحكومة الطائفية التي أرسى دعائمها آية الله بول بريمر، ولكنهما ظلا يخشيان من ان أقدام دمشق، على ضفة الثقافة القومية، ما تزال تشكل عقدة.

 

وبعض العقدة يتحول "تساهلا" مع مشروع مقاومة تنظر اليه طهران على انه مشروع "تكفيري" (سني)، فيما تنظر اليه واشنطن على انه "إرهاب".


وهذا ما لا يُريح آية الله تواطؤي في طهران، ولا آية الله منافقي في بغداد، ولا آية الله الذي يوشك على الإنتهاء من ولايته في واشنطن.
 

ولعل المرء يستغرب كيف تأخر "التكفير" الى هذا الحد قبل ان يأتي ليفعل فعله في دمشق. ولكن الشيء الجلي هو ان "التكفير" انتظر كل هذا الوقت، ليس من اجل ان يكون دافعا لإعادة نظر ثقافية قد تجريها او لا تجريها دمشق مع عقيدتها (وعقدتها) القومية فحسب، وإنما من اجل ان يطرح عليها التهديد من أوسع أبوابه أيضا.
 

غزو العراق لم يبدأ في الواقع عام 2003. الغزو بدأ من تفجيرات نفذها عملاء واشنطن وطهران منذ مطلع التسعينات. إيران كانت تقدم الدعم المادي والـ"سي. آي. أيه" كانت تقدم الدعم المعنوي وخطط المستقبل.
 

هذه الشراكة تواصلت في الغزو، كما تواصلت بعده. وعندما اندلعت المقاومة ضد الاحتلال وجد الطرفان (المتخاصمان على أشياء أخرى) نفسيهما ينخرطان في واحدة من أكبر المجازر التي عرفها تاريخ الحروب. ومعا، ساهما في قتل ما لا يقل عن 10% من أبناء العراق، وتهجير 25% من مجموع سكانه، ودفع 30% منهم الى العيش على حافة الجوع أو أدنى، وتيتيم 40% من مجموع أطفاله، وحرمان 70% من الماء النقي والكهرباء والخدمات.
 

وكان المطلوب من دمشق ان تغمس يدها في بركة الدماء. ولكن، ظل المانع ثقافيا بالأحرى.

عملية "التكفير القادم من احدى دول الجوار العربية"، تريد ان تقول لدمشق شيئا أهم من مجرد تفجير يُوقع بضع عشرات من القتلى والجرحى.
 

فما بدأ بتفجيرات في العراق، يمكن ان يبدأ في دمشق أيضا، لننتهي بمنطقة خضراء يرعاها آية من آيات الله، لتغذي انقسامات "تكفيرية" تستهدف تفجير البلد برمته، كما يتم اليوم تفجير العراق.
 

السيناريو موجود. وهو... قديم أيضا. والقامشلي قد تكون كركوك او خانقين أخرى ينتازع عليها اكراد التحالف مع شيعة البلد وسنته.
 

والرسالة بسيطة: أما ان تغمسوا أيديكم في بركة الدماء، أو ان تتحول سوريا نفسها الى بركة دماء.

ما تريده إيران، هنا، هو ذاته ما تريده الولايات المتحدة: نجاح الإحتلال في تحقيق الإستقرار لحكومة الولاء المزدوج في بغداد.


وآخر ما يحتاجه الحليفان (إيران والولايات المتحدة) هو ان يتبنى حليفهما الثالث لغة مزدوجة تجاه ما يفعلان.

لهذا السبب كان "التكفير" ضروريا لكي تعيد دمشق النظر في ثقافتها، وفي قائمة المخاطر وميادين الصراع.

وبإعلان "التكفير" متهماً، أعلنت دمشق بالأحرى، قبولها لوضع أشياء على الرف وتقديم أشياء أخرى غيرها.

السياسة لا تتغير جذريا، على أي حال، من دون تغيير في الثقافة. وهذه لا تتغير من دون أعداء جدد يحلون محل الأعداء القدامى.

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13