بسم الله الرحمن الرحيم

04/08/1429

مسألة توظيف المصطلحات: لا أحد يسخر من "إعلامي بغداد" بعد الآن!

 

 ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

 موقع النهى*

 

     يقول مالكولم لغوش: عندما بدأت العمل في إذاعة هولندا العام 1981- القسم الانكليزي- بصفة مذيع وكاتب أخبار وإجراء المقابلات. تم تدريبي من قبل الخبير Hans Kramer الذي نجح بسرعة في تحويلي من مذيع أمريكي إلى طراز عالمي.

     بقيت معي نصائح الخبير منذ ثلاثة عقود تقريباً: لا تسأل أسئلة يمكن الإجابة عنها فقط بـ: نعم (أو) لا.. لا تنشر تصريحاًً statement.. وعندما ناقش موضوع كتابة الأخبار، أكد الخبير على السمات الفضلى للشجاعة ودقة مصداقية الخبر.. ثم قال: "لا تستخدم أبداً لفظة (إرهابي) terrorist.. إرهابي في نظر البعض، مُقاتل في سبيل الحرية في نظر البعض الآخر.. عليه، قلّما تطرقتُ في كتابتي للأخبار إلى هذه المسألة. وعلى أي حال، أخذت لفظة "إرهابي" توجه بشكل متكرر، وفي غالب الأحوال، نحو معنى خاطئ.

     في العراق، أصبحت المقاومة في كامل نشاطها، وظهرت هنا ضد القوة المحتلة. لذلك، ففي كل مرة تُستخدم لفظة "إرهابي" من قبل الرسميين في الإدارة الأمريكية أو من قبل العراقيين المتعاملين مع الاحتلال stooges، فالكلمة تُقدم معناً خاطئاً.

     حاولت بعض وكالات الأنباء تلطيف هذه اللفظة (إرهابي) في سياق تسمية المقاومة بلفظة أخرى هي: التمرد insurgency. ومّرة أخرى، فهذه التسمية خاطئة أيضاً. التمرد هو قيام عصيان ضد كينونة شرعية، بينما الحكومة العراقية الحالية ليست شرعية. فمن كان في الحكومة العراقية الشرعية صار مآله أما الموت أو السجن. من هنا، ليس المقاتلون المقاومون في العراق جزءً من التمرد.

     لننظر إلى فرنسا المحتلة في الحرب العالمية الثانية، إذ حاولت المقاومة فيها جعل الأمور أكثر صعوبة للمحتل. وبعد الحرب اعتُبِر المقاومون الفرنسيون أبطالاً من قبل الولايات المتحدة، واستمر الأمريكان لغايته بتذكير الفرنسيين بأن القوات الأمريكية ساعدت على تحرير بلادهم إلى جانب المقاومة.

     إذا ما استخدمنا نفس المنطق، كيف يمكن للأمريكان أن يكونوا محررين للعراق؟ في الحقيقة أنهم يجسدون نفس المحتل الألماني لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.. الاختلاف الوحيد هو أن الألمان لم يُدمّروا فرنسا بقدر تدميّر الولايات المتحدة للعراق. من هنا فالمقاومون العراقيون هم أبطال. إنهم يُحاولون طرد قوات محتلة.

     مارست وسائل الإعلام الأمريكية، كذلك، المفهوم المعاكس للمصطلحات، نظراً لاستخدامها نفس الألفاظ الرسمية للإدارة الأمريكية. فهي تطلق لفظة "أشخاص سيئين" bad guys عندما تناقش مسألة المقاومة. وسار معظم الأمريكيين بهذا الاتجاه. إن الطريقة البسيطة لعرض الحقيقة هي مجرد عكس لفظة "أشخاص سيئين" إلى "أشخاص طيبين". هذا التحول بمقدار 180 درجة سيُشير عندئذ إلى النظرة السليمة للعراق الحالي.

     يُقاوم العراق منذ العام 1991، لكن المقاومة بمفهومها الحالي لم تظهر قبل أن تطأ القوات الأمريكية التربة العراقية بحيث أخذت المقاومة شكلها الحالي.

     قتلت حرب الخليج (1991) بحدود 250 ألف عراقي. ولم يتوقف القتل بمجرد وقف إطلاق النار العام 1991. فمنذ مارس 1991 لغاية مارس 2003 تم دفن حوالي مليوني عراقي بسبب المقاطعة غير الشرعية.

     وربما لا يتذكر الكثيرون الخط الكاذب المسمّى "منطقة تحريم الطيران" no- fly zoon الذي تم فرضه على العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا أثناء سنوات المقاطعة، حيث قتل طيران الدولتين بحدود 850 عراقي مع جرح بضعة آلاف آخرين.

     أثناء هذه السنوات، تم تسريب قلّة من الأخبار إلى رئيس النظام العراقي، تضمن واحداً من هذه الأخبار: إذا ما صادق على الوثيقة، عندئذ سيتم إلغاء المقاطعة، وسيُعامل من قبل الولايات المتحدة باعتباره رجل سلام، وعلى نحو مماثل لتحويل القذافي من "إرهابي" إلى "عربي طيب."

     دعتْ الوثيقة إلى تنازل العراق عن ثروته النفطية (التأميم)، والقبول بإنشاء قلّة من القواعد العسكرية الضخمة للقوات الأمريكية في العراق. رفض رأس النظام العراقي والعاملين معه هذه الوثيقة، وقال: "لقد وضِعَ العراق في موقف عليه أن يختار بين التضحية وبين العبودية."

     العراق اليوم واقع في نفس المأزق quandary. هناك عراقيون متعاونون مع المحتل أختاروا طريق العبودية. إنهم قد لا يدركون أن تعاونهم هذا مع المحتل سيقود إلى سلب حقوق ومصير العراق على مدى عقود قادمة. بينما أختار رجال المقاومة طريق التضحية. وهؤلاء ضحوا بعلاقاتهم العائلية وحياتهم الخاصة ليضمنوا عدم سقوط العراق في العبودية.

     عندما أعلن رأس النظام العراقي "بدء أم المعارك"، واجه السخرية. كان يعلم أن قواته لن تكون قادرة على ضمان معركة متوازنة ضد القوات الأمريكية وحلفائها، لكن المسألة عبّرت عن موقف وجب اتخاذه لمقاتلة الإمبريالية.

     في الثامن من إبريل 2003، صرّح وزير الإعلام العراقي (الصحاف)- عُرِفَ بتصريحاته اليومية المبالغ فيها أثناء الحرب- أمام الصحفيين  كيف أن القوات الأمريكية سوف تسقط في المستنقع العراقي. وفي هذه اللحظة، صرخ أحدهم "أنظر الأمريكان صاروا أصلاً في بغداد." التفت الوزير ليرى دبابة أمريكية على بعد 200 متر من موقعه. أخذ الميكروفون بيده وقال: لا تكونوا متسرعين لأن خيبة أملكم ستكون ضخمة. سوف لن يكسبوا شيئاً من حربهم العدوانية على العراق، عدا الخزي والاندحار... سنورطهم... سنربكهم... لن يتمكنوا أن يدخلوا بسهولة في بلد يضم 26 مليون نسمة ومحاصرتهم. إنهم منْ سيجدون أنفسهم محاصرين." ثم ترك مكانه واختفى..

     بعد بضعة أشهر بدأت مواقع نت معينة تسخر منه، بخاصة تصريحه الأخير. وظهرت قمصان قصير الكَمّين T-shirts وأكواباً عليها رسومات سخرية من تصريحه.

     ذهب الصحاف في حينه ليسلم نفسه إلى القوات الأمريكية، فسخروا منه، دون إلقاء القبض عليه.. وهذا الموقف الأمريكي عبّر في جوهره عن معنى واحد: "إنك لا تستحق حتى إلقاء القبض عليك!"

    مع مرور بضعة أشهر على الاحتلال، وفي مقابلة معه في مكان إقامته الجديدة (الإمارات)، سأله صحفي بشأن تصريحه الأخير. وفي هذا الوقت كانت المقاومة العراقية في المراحل الأولى لنشوئها.. رفض الصحاف العودة إلى تصريحه، وقال: "لندع التاريخ يقول كلمته في هذا الأمر..." أصبحت المقاومة شاملة وصلبة اليوم، وكل يوم نقرأ عن خطة أخرى.. الخطط تتغير لكن فعالية المقاومة لم تتغير..

     عندما يعود المرء بنظره إلى التصريح الأخير للصحاف، يظهر أن لا أحد يسخر من إعلامي بغداد بعد الآن! 

 

        

 

ممممممممممممممممممممممممـ

A QUESTION OF NOMENCLATURE, Nobody laughs at Baghdad Bob any more(Malcom Lagauche), uruknet.info, August 1, 2008.

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13