بسم الله الرحمن الرحيم

15/09/1429 

قصة صعود وأفول فريدريك لوشتر

 بقلم : د. إبراهيم علوش

  موقع النهى*

 

فريدريك لوشتر عالم أمريكي متعدد المواهب والاختصاصات، يلقب "فرد لوشتر"، وله عدة براءات اختراع تقنية معقدة مسجلة باسمه في الولايات المتحدة، وكان يكسب ماله من تصميم وتشغيل آلات وغرف الإعدام في ولايات أمريكية مختلفة من خلال شركته الخاصة. ومن المعروف أن أحكام الإعدام في الولايات المتحدة تنفذ بطرق مختلفة حسب الولاية، فمنها ما يستخدم الكرسي الكهربائي، ومنها ما يستخدم الحقنة السامة، ومنها ما يستخدم غرف الغاز، الخ...

وفي عام 1988 كان أحد الكتاب المراجعين، أي الكتاب والعلماء الغربيين الذين يفندون أكاذيب المِخرقة اليهودية (بالخاء، أي ما لا يقبله العقل)، واسمه أرنست زوندل Ernest Zundel، قيد المحاكمة في كندا بسبب معتقداته وكتاباته الناكرة للمِخرقة. فاقترح عليه أصدقاؤه المؤرخون المراجعون أن يستأجر خبيراً بغرف الإعدام بالغاز في الولايات المتحدة لكي يذهب إلى معسكرات إبادة اليهود المزعومة في بولندا ليدرسها علمياً ويقدم الاستنتاج اليقين حول إذا ما تم إعدام اليهود جماعياً بالغاز فيها أم لا...

وهكذا كان. جمع زوندل مالاً واستأجر فرد لوشتر. وقبل أن يغادر لوشتر إلى معسكرات الاعتقال في بولندا، اتفق مع زوندل على ما يلي: سأذهب وسأدرس الموضوع علمياً، فإن وجدت أنك على خطأ، وأن محرقة ضد اليهود قد حدثت بالفعل، فإني سأشهد بذلك في محكمتك، ولو كان ذلك ضدك، وإن وجدت أنك محق، وأن أية محرقة لم ترتكب، فإني سأشهد بذلك أيضاً، لكنك ستدفع لي حقوقي في الحالتين... وقد أورد هذه القصة مؤرخ مراجع معروف هو الأمريكي مارك وبر في "مجلة المراجعة التاريخية"، عدد شتاء 92-93، المجلد 12، العدد رقم 4، ص: 421-428.

لوشتر، مثل باقي الأمريكيين، كان قد ترعرع منذ نعومة الأظفار على أساطير المِخرقة، لذلك لم يكن يشك بوقوعها أبداً، لكن زوندل وزملاءه المؤرخين المراجعين كانوا واثقين بأن المحرقة المزعومة كومةٌ متنافرة من الأكاذيب الملفقة، لذلك وافق زوندل على شروط لوشتر، وراهن على مصداقيته كعالم، وبأنه لن يأخذ المال ويخونه لو أثبتت دراساته بأن المحرقة المزعومة لم تقع. فسمعة لوشتر العلمية، لو شهد ضد وقوع المِخرقة، كانت كفيلة بقلب الطاولة على رأس اليهود ومن والاهم.

ذهب لوشتر إلى معسكري أوشفيتز وبركاناو (أوشفيتز 2) وإلى معسكر ميدانك، حيث تقول الأرقام الرسمية لرواية المِخرقة بأن ملايين اليهود هلكوا جماعياً في غرف الغاز، ودرسها ملياً، وأخذ العينات من جدرانها وأرضيتها وسقوفها، وأخذ ملاحظات كثيرة حول تصاميمها، وفعل كل ذلك أمام عدسة كاميرا... وعندما عاد للولايات المتحدة، أحضر العينات التي أخذها معه، وقدمها ل"مختبرات ألفا التحليلية" في مدينة بوسطن الأمريكية في ولاية ماساتشوستس، طالباً منهم أن يفحصوها مخبرياً ليعرفوا مقدار تركيز غاز السيانييد فيها، وهو الغاز المفترض أنه استخدم على اليهود في تلك المعتقلات، ومن صفته أن بقاياه يفترض أن تبقى آثارها بنسب معينة في الأبنية والتربة أمداً طويلاً، خاصةً في المواقع المغلقة التي زعموا أنها استخدمت يومياً لشوي آلاف اليهود...

النتيجة؟ النتيجة كانت تقريراً عرف عالمياً باسم "تقرير لوشتر" The Leuchter Report. وهو ينفي الإمكانية الكيميائية أو الهندسية لاستخدام أيٍ من تلك المعسكرات لقتل اليهود بالطريقة المخترعة في أساطير المِخرقة. لم يوجد السيانييد بأية نسب يمكن أن تكون قد استخدمت لقتل أحد، إلا في غرف تعقيم البطانيات والألبسة من القمل والسيبان لحماية المعتقلين اليهود من مرض التيفوس المنتشر بينهم...

والأدهى أن السيد جيمس روث، مدير "مختبرات ألفا التحليلية" التي أجرت التجارب على العينات من معسكرات الاعتقال النازية، شهد تحت القسم في المحكمة أن النتائج التي تم الحصول عليها دقيقة وفوق الشبهة.

وفي شهادته أمام المحكمة نفسها، أعلن لوشتر أنه حتى صدور تلك النتائج المخبرية كان من معتنقي ديانة المِخرقة كغيره من الأمريكيين....

ولا ننسى أن لوشتر تم استقطابه أصلاً لدراسة معسكرات الاعتقال بصفته أهم خبير أمريكي في غرف الإعدام بالغاز في الولايات المتحدة نفسها، كما شهد بذلك مدير سجن ولاية ميسوري الأمريكية تحت القسم في محاكمة زوندل نفسها عام 1988، قائلاً أنه كان يستشير لوشتر في تصميم وصيانة وتشغيل غرف الإعدام بالغاز التي تستخدمها الولاية، وبأن لوشتر، حسب علمه، كان حتى ذلك الوقت الخبير الوحيد في ذلك المضمار في الولايات المتحدة.

هل أعفى ذلك زوندل من تهمة "إثارة الكراهية ضد اليهود" بدحضه أساطير المِخرقة؟ بالطبع لا! فقد حكم 15 شهراً في تلك المحاكمة، أسقطتها عنه المحكمة العليا الكندية في الاستئناف عام 1992.

زوندل كان قد تعرض لمحاولة اغتيال بالمتفجرات أمام منزله في كندا عام 1984، وتم إحراق منزله عام 1995، وأعلنت "حركة المقاومة اليهودية المسلحة" مسؤوليتها عن العملية، ومرة ثانية تم إرسال المتفجرات له بريدياً بعدها بشهر عام 1995. وقضى زوندل سنوات في السجن في كندا، ثم في الولايات المتحدة، والآن يقبع في السجن في موطنه الأصلي ألمانيا، بتهمة إنكار المِخرقة... لكن هذه ليست قصة زوندل. هذه قصة لوشتر... فلنعد إليه إذن.

لوشتر، بالرغم من منزلته ومكانته العلمية والاجتماعية، أثار بدوره وكراً من الدبابير عندما أصدر تقريره. لو قتله اليهود كما حاولوا أن يفعلوا مع زوندل وغيره لكرسوه شهيداً، ولكرسوا الاستنتاجات الواردة في تقريره الشهير. لا بد إذن من حرقه مهنياً وإسقاطه علمياً واجتماعياً.

وهكذا كان. لوشتر لم يعد، بالرغم من كل كفاءاته وخبراته، يستطيع أن يجد عملاً في مجال تقنيات الإعدام في الولايات الأمريكية. انتهى! وبدأت حملة ضروس للتشهير به وبمؤهلاته. ولو وضعتم اسمه في محركات البحث على الإنترنت اليوم لوجدتم معظمها تنتج مواداً تشكك به وبخلقه... لولا ملفات زملائه المؤرخين المراجعين التي تدحض ما جاء عنه في وسائل الإعلام الرئيسية. المفارقة طبعاً أن لوشتر حتى عام 1990 كان لا يزال ينال الاهتمام من وسائل الإعلام الرئيسية بصفته خبيراً أول في تقنيات الإعدام، ومنه مقالة رئيسية عنه في النيويورك تايمز في 13/10/90، ومقابلة مع شبكة ABC التلفزيونية في 10/5/90، وغيرها. وهو ما يفضح الكذبة.

ثم بدأ الجوع ونقص الأموال، وتركته زوجته، وتم التشهير به، أو الدعاية المضادة، وكرس اليهود حفنة من العلماء والخبراء والمحامين لإيجاد الثغرات في "تقرير لوشتر"، لكنه ثبت على موقفه وتبنى المراجعة التاريخية للمِخرقة منهجاً. وتم تعميم الردود على تقريره على نطاق واسع، باعتبارها قبرت ذلك التقرير للأبد، وأقفل اليهود هكذا ملف لوشتر، أو هكذا ظنوا. ثم جاء شاب صغير، خريج دكتوراة ألماني في الكيمياء، اسمه غيرمار رودولف، ودحض تلك الردود بشكل نهائي وقاطع، ليقدم إضافات علمية جديدة لتقرير لوشتر في أواسط التسعينات. النتيجة؟ سبق أن أشرنا في الواقع أن غيرمار طرد من عمله، وصدرت حكم بالسجن ضده في ألمانيا، فهرب إلى الولايات المتحدة، وبقى هناك عشر سنوات، وتزوج من أمريكية وأنجب معها طفلة، ثم تم اعتقاله يوماً وهو يحاول تجديد إقامته بتهمة مخالفة قوانين الإقامة والهجرة، وشحنته السلطات الأمريكية إلى ألمانيا، حيث يقبع الآن في السجن.

هذه قصة الديموقراطية وحرية الرأي في الغرب عندما يتعلق الأمر باليهود والمِخرقة

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13