بسم الله الرحمن الرحيم

10/09/1429

 

تسيبي ليفني... وحكومة إدارة الأزمات

 بقلم :محمد العبد الله

  موقع النهى*

  

  لم يكن يوم الأربعاء 17 أيلول أطول الأيام في عمر "تسيبي"، ولكنه كان الأصعب في مسيرتها الحزبية والسياسية، فما بين استطلاعات الرأي التي واكبت مرحلة التحضير للانتخابات الداخلية في حزب "كاديما "،و أعطت لتسيبي فرصة الفوز على منافسها الأبرز في السباق على زعامة الحزب  شاؤول موفاز و"سحقه " كما توقع البعض، وبين النتائج الفعلية التي أعلنت صباح اليوم التالي، بفوزها الباهت، نتيجة الفارق الضئيل والذي تعدى نسبة الواحد بالمائة بقليل، إذ تغلبت على موفاز بفارق 431 صوتا. جاء فوز(تسيبورا مالكا) ليفني، والتي تنادى تحبباً "تسيبي"، لينعش الذاكرة بأهمية معرفة هذه "الرئيسة". فقد نشأت في أسرة صهيونية فاشية، فوالدها "ايتان ليفني" المعروف بـ"ايتان الرهيب"، بسبب بطشه بالقرويين الفلسطينيين، وفقا لتعبير الصحفي "بن كاسبيت"، المعلق الرئيسي بصحيفة "معاريف"، والضابط المسؤول في غرفة عمليات "الايتسل" (المنظمة العسكرية الوطنية) والمشهور بمذابحه للفلسطينيين، خاصة في مجزرة "دير ياسين ". أما والدتها "سارة"  فهي لاتقل دموية وبطشاً، إذ خدمت هي ايضا كمقاتلة وكقائدة في "الايتسل". برزت تسيبي في العديد من المظاهرات والنشاطات الأكثر عدائية للعرب. وتبرز فترة خدمتها لعدة سنوات في جهاز"الموساد" ، ودورها في عمليات ملاحقة واغتيال لبعض المناضلين في أكثر من مكان، لتدلل على سلوكها الأكثرعدوانية ودموية في تجربتها السياسية. فبحسب صحيفة "صاندي تايمز" البريطانية خدمت تسيبي كمقاتلة في وحدة، بل ان اسمها ارتبط بتصفية المسؤول الكبير في م.ت.ف "مأمون مريش". ولهذا فإن ما صرحت به أثناء احتفال الكيان الصهيوني بالذكرى الستين لقيامه، يساهم في تسليط الضوء على أفكارها وتوجهاتها الراهنة. تقول "ان بإمكان الفلسطينيين الاحتفال بعيد استقلالهم فقط، بعد أن يحذفوا مصطلح النكبة من قاموسهم". كما تحرص دائماً على تأكيد رفضها لأي حل وسط بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين، رافضة عودة أي منهم، كما ترفض الانسحاب من القدس الشرقية، وتعتبر أن انسحاب "إسرائيل" إلى ما قبل حدود حرب الرابع من حزيران 1967 يعتبر "كارثة وطنية"،مؤكدة في مناسبات عديدة على خطورة الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، داعية للتخلص منهم لأنهم يشكلون "خطراً ديموغرافياً" على الكيان الصهيوني. كما أنها لاتترك مناسبة، إلاّ وتشدد على رغبتها المستمرة في "تحطيم وسحق التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني المتمثلة في استعادة حقوقه عبر استخدام القوة".

 

مع فوز تسيبي برئاسة كاديما، إنتهت عملياً حكومة اولمرت، التي أصبحت وزارة انتقالية، تقوم بمهام تصريف الأعمال. وبتكليفها الرسمي، بتشكيل الحكومة خلال ثمانية وعشرين يوماً، تكون قد بدأت الخطوة الأصعب في مسيرتها الجديدة. أما في حال عدم نجاحها، فسيمنحها "بيريز" أربعة عشر يوماً إضافياً من أجل التوصل للتشكيلة الحكومية الجديدة. لكن المؤكد أن عقبات كثيرة تعترض مسار الحوارات لغرض تشكيل الحكومة بصيغة الائتلاف الذي تعايش في حكومة أولمرت لمدة تسعمائة وتسعون يوماً، والمستند على أحزاب " العمل و شاس والمتقاعدين ". فما بين اشتراطات حزب "شاس" الديني، المتمحورة حول برنامج الدعم المالي الحكومي للمدارس الدينية وتلاميذها، والموقف المتشدد من قضية القدس، ومابين انتهازية حزب العمل بقيادة باراك، ستكون ليفني مضطرة للدخول في صفقات ومساومات عديدة، من أجل عدم الذهاب للانتخابات المبكرة التي يعمل على الوصول إليها حزب الليكود بقيادة نتنياهو. وإذا كانت الرشوة المالية لشاس، المترابطة مع الالتزام بالتشدد بقضية القدس، تحل أزمة هذا الحزب، فإن المخاوف الحقيقية تأتي من باراك وحزبه، الذي يسعى للبقاء على المسرح السياسي، بعد الانتكاسات المتعددة التي مني بها خلال السنوات الأخيرة.  ولهذا فإن ماعبّر عنه بعض المقربين من باراك، يعكس بالضرورة المخاوف التي تمتلك حزب العمل في المرحلة الراهنة. متان فيلنائي، نائب وزير الحرب والمقرب من باراك نقل عنه " ما يزال _ باراك_متردداً من جدوى تنظيم انتخابات مبكرة فيما يتصدر الليكود استطلاعات الرأي"، إلا أن الوزير بنيامين بن اليعازر عن حزب «العمل»، أشار إلى أن باراك "أخبر ليفني موافقته على الائتلاف معها، إذا ما قدّر للائتلاف الحكومي البقاء حتى موعد الانتخابات المقرر إجراؤها أواخر عام 2010". هذا الائتلاف الذي يخشى باراك، كما تعلن مصادر موثوقة داخل حزبه "أن يكون مخطط ليفني هو تأليف حكومة لأشهر والتوجه للانتخابات العامة في موعد مريح لها، الأمر الذي من شأنه أن يمس بفرص حزب العمل بالفوز". ولهذا فإن مايهم باراك وحزبه ليس استمرار حكومة الائتلاف فقط، أو قيام حكومة طوارىء_لن يدخلها الليكود كما يؤكد نتنياهو_ بل استمرار الوجود لحزب بدأت تتآكله أمراض تاريخية مزمنة.

 

الأزمة التي تعيشها القوى السياسية داخل الكيان، تأتي هذه المرة، مترافقة مع أزمة أكثر حدة وتعقيداً، وعلى أكثر من صعيد، داخل المركز _الولايات المتحدة الأمريكية_، التي هي نتاج مباشر للسياسة التوسعية /العدوانية الخارجية، التي أرهقت بنود مصاريفها، كاهل المواطن الأمريكي، كما ساهمت الأزمات البنيوية في قواعد وآليات عمل المراكز المالية، بدورها في الإنهيارات الكبيرة التي أصابت أسس الإقتصاد الرأسمالي، والذي ستتأثر به التوابع الصغرى، كما في حالة الكيان. كما أن صدى الحراك السياسي الداخلي في التجمع  الصهيوني، سيلقي بظلاله _القاتمة دوماً_على مسارات التحرك الفلسطينية، التي تعاني أيضاً من أزمات حادة .

 

إن مرحلة جديدة من تفاعلات الأزمة العالمية والإقليمية، خاصة مع التطورات المتلاحقة على جبهة الصراع العربي/ الصهيوني، وفي القلب منه، معركة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والقتل والحصار، باتت تتطلب ضرورة التنسيق الفعلي بين قوى المقاومة، من أجل وقف الإنهيار والتداعي بالموقف الفلسطيني والعربي، وتمتين البنية المجتمعية لمواجهة الاستحقاقات المتوقعة .

 

 براعم التحرر
 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 13