بسم الله الرحمن الرحيم

01/05/1429

صبرًا آل غزة !!

 بقلم د. راغب السرجاني 

   شبكة النهى*

 

مسيرات تضامن مع أهل غزةأحمد الله الذي أرانا بأعيننا أن أمتنا ما زالت حية، وأن الخير فيها إلى يوم القيامة، والحمد لله الذي أنعم بالصبر والثبات على أهل غزة الكرام، فحققوا من البطولة ما تعجز عن تحقيقه شعوب الأرض. والحمد لله الذي أراد لأمة الإسلام أن تنتفض من جديد، فتتحرك العواطف في قلوب المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب، وتهب الجاليات المسلمة في أمريكا وأوربا وغيرها نشطة أبيَّة على الرغم من ظروف التضييق التي يعلمها الجميع.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..

شعب غزة متمسك بحركة حماس رغم الحصارإن الذي نراه في غزة الآن هو نوع من النصر الفريد الذي لا يحققه إلا كرام الناس.. إنه نصر من نوع خاص لا يفهمه إلا من نوَّر الله قلبه وشرح صدره.. إنه الثبات الذي لا يستوعبه إلا أهل الإيمان واليقين، أما أهل الدنيا فيعتبرونه نوعًا من أنواع الجنون، وضربًا من العبث وعدم تقدير الأمور.

لقد تحمَّل شعب غزة الكريم عبء الحفاظ على كرامة الأمة الإسلامية بعد أن رأينا الانهيارات الأخلاقية الشنيعة في كثير من الذين يحملون أسماء إسلامية، ولكنهم باعوا القضية تمامًا، وتواطئوا علنًا مع اليهود على ذبح الشعب المناضل، وسحق القضية الشريفة.. قضية فلسطين.

إن ما يحدث في غزة هو معجزة حقيقية لا يمكن أن تُفهم إلا إذا أدخلنا العامل الرباني في القضية، فهذا الثبات ليس ثباتًا بشريًّا، إنما هو منحة وهبة من ربِّ العالمين على من يشاء من عِباده الصالحين..

{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

مجزرة غزةإن هذا الشعب الأصيل قد تحمّل ما لا يتحمله البشر عادةً من فَقْد الأبناء وهدم الديار، وضياع الأعمال، بل والافتقار إلى طعام وشراب وكساء ودواء.. وهذا -والله- لهو خير أعمال النصر.. فهو نصر على النفس، ونصر على الشيطان، ونصر على الدنيا، وكذلك نصر على الأعداء.

كيف حدث هذا مع كونهم حوصروا قبل هذا القصف عامًا ونصف عام؟! وكيف حدث هذا وقد تخلى عنهم عامة زعماء المسلمين؟! وكيف حدث هذا وقد تعاون بعض إخوانهم من أبناء جلدتهم مع أعدائهم؟ وكيف حدث هذا والآلة العسكرية اليهودية الجبارة تدكُّ البلاد ليلَ نهار؟ وكيف حدث هذا والدولة الأولى في العالم تقف وراء الصهاينة الظالمين تؤيدهم بالسلاح والرأي والمال والإعلام والفيتو؟!!

صواريخ المقاومة الفلسطينية تنطلق من غزة رغم الحصاركيف حدث هذا الثبات والنصر؟!!

إنها معجزة ربانية بكل المقاييس، وحُقَّ لكل المسلمين أن يقبِّلوا رءوس الفلسطينيين، بل ويقبِّلوا أيديهم وأرجلهم.. وكيف لا، وقد رفعوا رءوسنا، وبيّضوا وجوهنا، وستروا عورتنا، ووقفوا بصدورهم في الصف الأول أمام أعداء الله والدين.

 

 

إنها -والله- نعمة تستحق الحمد، فالحمد لله رب العالمين.

ومع هذا الصبر الجميل الذي نراه من أهل غزة، ومع هذا السمو الإيماني، والنبل الإنساني إلا أننا نسمع بعض الصيحات المنكرة، من هنا أو من هناك تُلقِي التبعة على المظلومين، وتحمِّل المنكوبين ذنب تكبُّر المتكبرين، وإثم إجرام الظالمين! ويقولون في خنوع وذلة: لماذا لا يقدِّرون حجمهم؟ ولماذا لا يكفُّون عن إزعاج اليهود بصواريخهم؟ أو يقولون: لماذا لا يرحمون الشعب الفلسطيني ويسلِّمون الحكم إلى السلطة الفلسطينية؟!!

إسماعيل هنية يبعث الأمل في نفوس أهل غزةونحن نقول عن أي سلطة فلسطينية تتكلمون؟

إن السلطة الفلسطينية الحقيقية هي التي اختارها الشعب بإرادته في انتخابات حرة نزيهة.. وليست هي السلطة التي تمردت على حكم الشعب، وأرادت أن تسرق رأيه وجهده وماله وقُوتَه.

هل ما زالت السلطة الفلسطينية القديمة تحتفظ بهذا اللقب منذ عام 1994؟!!

هل ما زالت تحتفظ بهذا اللقب مع رؤية الجميع للأموال الفلسطينية التي جمعت من شتى بلاد العالم الإسلامي تنهب، وتتحول إلى بنوك أوربا وأمريكا لمصالح من لا دين له ولا أخلاق؟

هل ما زالت تحتفظ بهذا اللقب بعد أن لَفِظَها الشعبُ، وبعد أن كُشفت أوراقها أمام الجميع؟

هل ما زالت تحتفظ بهذا اللقب بعد أن وقفت إلى جوار اليهود، ووقف اليهود إلى جوارها؟

هذه هي السلطة المزعومة التي يريدون لأهل غزة الشرفاء أن يسلموها زمام الأمور.. فهل يا تُرى لو تسلَّمت مقاليد الحكم سنرى منها موقفًا شجاعًا كالذي نراه الآن؟! وهل سنرى عزة وكرامة ومجدًا وشرفًا كالذي تتمتع عيوننا وقلوبنا برؤيته الآن؟!

كلا والله، وألف كلا..

إن الله لا يصلح عمل المفسدين، وهيهات أن تُنصر الأمة بالمنافقين والأفّاقين..

إنهم قوم أضاعوا حق الله U فكيف يحافظون على حقوق العباد؟!

مسيرات تضامن مع أهل غزة في أنحاء العالمإننا نقف بكل طاقتنا، وبكل أرواحنا وأموالنا، وبكل جهدنا وفكرنا مع المناضلين الثابتين المجاهدين من أهل فلسطين الحبيبة، ونقول لهم بقلوب توقن في رحمة الله وكرمه: "صبرًا آل غزة، فإن موعدكم الجنة بإذن الله".

ثم إنني أوجِّه كلمة إلى عموم المسلمين في الأرض الذين قد يحبطون عند رؤية هذه الآلام والجراح، وعندما يشاهدون مئات الشهداء وآلاف المصابين..

أقول لكل المسلمين الأوفياء الذين تتفطّر قلوبهم حرقة على إخوانهم وأخواتهم في فلسطين: لماذا الإحباط واليأس؟!

{إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

إن منشأ اليأس ينبع من خلط في المفاهيم، وعدم إدراك لحقيقة الأمور، ولو تدبرت الأمر لعلمت أن ما نراه من أحداث هو الخير كل الخير لفلسطين وللأمة جميعًا.

إن الذين يَئِسوا لم يدركوا حقيقة معادلة النصر في الإسلام، فالنصر في الإسلام شيء عزيز وغالٍ ونفيس، لا ينزله ربُّ العالمين إلا على طائفة معينة من عباده، ولا بد لهذه الطائفة أن تثبت عمليًّا أنها تحب الله ورسوله، وتعشق الجهاد في سبيل الله، وتدفع أغلى الأثمان للحفاظ على الدين والأرض والعرض، وبدون هذا الإثبات العملي لا ينزل النصر؛ لأن الكلام سهل هيِّن، والعمل صعب عسير، فكل الناس يتكلم وقليل هم العاملون.

القصف الجوي يتسبب في قتل الأطفال والمدنيين في غزة وعلى ذلك فما نراه الآن في غزة هو ثمن لا بد منه لرؤية النصر في يوم من الأيام، ومن المستحيل أن نرى النصر بعد جلسة على طاولة مفاوضات، ومستحيل أن نراه على يدِ بائعٍ لدينه وأرضه، ومستحيل أن نراه على يد قوم لا يحسنون الوضوء ولا الصلاة، ومستحيل أن نراه دون بذل وعطاء وتضحية وإقدام.

إنها معادلة مفهومة واضحة، والذي لا يعرفها لا يعرف حقيقةً دين الإسلام.. وإلا فلماذا يمر رسول الله r على ياسر وسمية -رضي الله عنهما- في مكة، فيقول لهما: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ"[1]؟ ولماذا يمر الصحابة بكل ما نعرفه من تعذيب وإيذاء واضطهاد؟ ولماذا يتنكر لهم قومهم وأبناء جلدتهم؟ ولماذا يُحاصَرون في الشِِّعْب ثلاث سنوات؟

ولماذا يهاجرون من أرضهم وديارهم؟ لماذا كل هذا العناء ورسول الله r في وسطهم وبين أظهرهم؟ ولماذا لم يختصر ربُّنا هذه المدة اختصارًا ونرى نصر بدر بعد عام أو عامين من التعذيب، بدلاً من أن يتأخر إلى العام الثاني من الهجرة بعد خمسة عشر عامًا من المعاناة؟!

إن كل هذا حدث لأنه لا طريق إلى النصر إلا بهذه الصورة.. ومن بحث عن النصر بطرق أسهل ليس فيها ألم ولا معاناة فهو واهمٌ في رؤيته، سطحيصواريخ حماس تنطلق من غزة وتقلق اليهود في نطرته.

إن العالم أجمع قد تكالب على الصالحين وألقى على ظهورهم تبعات الأمر، وكذلك فعل العالم يوم جهر رسول الله r بدعوته في البلد الأمين. وما أجمل ما قاله العبَّاس بن عُبادة الأنصاري t يوم بيعة العقبة الثانية يوضِّح للأنصار طبيعة البيعة لهذا الدين: "إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس"[2].

هذا هو الطريق الصحيح للنصر الذي غفل عن رؤيته الكثير والكثير، لكن -بحمد الله- رآه أهل غزة وفلسطين.

يا شعوب الإسلام.. لا تَهُولَنَّكُمْ رؤية الشهداء على أرض فلسطين، فهؤلاء هم الذين نجوا وأفلحوا، وهم في حواصل طير خضر يسرحون في الجنة حيث يشاءون.

قتلى وجرحى من اليهود خلال الاقتحام البري لغزة

ويا أمتي، لا تفزعي.. فالله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وسيأتي يومٌ تعود فيه الحقوق إلى أصحابها، ويرفع الشرفاء راية الإسلام فوق الأرض المباركة.

والله إني لأراه؛ لأن رسول الله r رآه، وقد أعطاه الله I مفاتيح الشام، وستظل المفاتيح بيده، مهما تقادم الزمن أو تعاقبت السنون والأيام.. فهذا وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.

ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين!

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار16