بسم الله الرحمن الرحيم

21/01/1430

 الكساد الأخلاقي للديمقراطيات

 

 ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

   شبكة النهى*

 

     كنتُ على مدى سنوات عديدة مدافعاً قوياً عن الديمقراطية. استلهمتُ تجربتي، ابتداءً، من الحريات  الأمريكية. وباعتباري مسلماً، يُعبّر عن رأيه صراحة، ويطرح أسئلة حرجة وأراءً نقدية، واجهتُ التهديد بشكل مستمر من قبل هؤلاء ممن هم غير قادرين عى تحمل صراحتي ونقدي، ومن ثم محاولتهم إسكاتي. لكن الديمقراطية الأمريكية منحتني الحماية والفرصة لأعيش حياة حرة كما يُريدها الله لبني البشر في أن يُفكروا ويعكسوا آرائهم وتجاربهم.

     ساهمتُ في إنشاء منظمة لنشر وتعزيز الديمقراطية في العالم الإسلامي. وكتبتُ كتاباً يناقش ويؤكد على الضرورة الجوهرية للديمقراطية من أجل بناء حكومة إسلامية جيدة. وعلى أي حال، ففي السنوات القليلة الماضية، صارت هذه الديمقراطية مثبطة محبطة للمدافعين عنها، من أمثالي. دعني أُقدم لك بعض الأمثلة..

     توني بلير، بوش، وشيني، قاموا بغزو بلد وسببوا الموت والدمار في تحدٍ لملايين المعارضين من مواطنيهم. كان غزو العراق جريمة حرب لا يمكن تصورها grotesque. ولم تستطع الديمقراطية مَنعها!

     واليوم كان بالإمكان أن نرى الآلاف من الأطفال أحياءً وآلاف أخرى من العائلات سالمة تنعم بالحياة، وملايين غيرهم مستقرين غير مشردين، لو لم تلجأ الولايات المتحدة وبريطانيا- وكلا الدولتين من الديمقراطيات- إلى غزو العراق. العراقيون عانوا ولا زالوا يُعانون بأشكال متعددة.

     واليوم أيضاً، وبفضل هذه "الديمقراطية"، لجأت مئات النساء العراقيات إلى البغاء لمجرد توفير الطعام لأطفالهن. لقد تم بالتأكيد "تحريرهن" بمقابلة الناس يومياً لقاء بضعة دولارات في اليوم!!

     تم تمرير قوانين في بريطانيا والولايات المتحدة لتحويل قيم الحريات إلى إدعاءات مزيفة mockery، وتم تطوير الخطابات discourses بما يقود إلى تشوية distort القيم الأخلاقية. والقادة ممن كذبوا باستمرار على شعوبهم، تم تجديد انتخابهم!!

     قتل المدنيين بالمئات، تعذيب المعتقلين، اختطاف، رشاوى.. كلها أصبحت معايير قياسية لتشغيل مكنة الديمقراطيات. وصارت الديمقراطيات تعمل باعتبارها مافيات، وتتصرف بكل قسوة ووحشية.

     اليوم، المواطنون في الديمقراطيات أصبحوا غير قادرين حتى على التفرقة distinguish بين مجرم حرب، سفاك، قاتل محترف، وبين رجل دولة.

    ففي الهند، مثلاً، فإن رئيس وزراء ولاية كجرات Gujarat- ناريندا مودي- هندسَ مجزرة ضد الأقليات العام 2002. اشتغلت أجهزة الحكومة مع السفاحين وقتلت أكثر من ألفي مواطن.. دمّروا آلاف الأعمال.. تركوا مئات آلاف الناس مشردين بلا مأوى homeless. تمت إدانة هذا المسئول عالمياً من قبل منظمات حقوق الإنسان. ومع ذلك، وفي أكبر ديمقراطية في العالم، فقد تم تجديد انتخابه للسلطة! والأدهى من ذلك، أن سونا شاه- الهندي الأمريكي- القريب والمشارك مع هذا المسئول في إرتكاب تلك المجزرة، هو حالياً واحد من فريق نقل السلطة transition team للرئيس الأمريكي المنتخب- اوباما.

     من الواضح أن الديمقراطيات حالياً، ليست لديها مشكلة مع قادة أيديهم ملطخة بالدماء. هذا الانحسار الأخلاقي للديمقراطيات هو حصيلة مباشرة للحرب على "الإرهاب". تم إفهام وإقناع المواطنين بأن العدو شرير جداً إلى درجة أن استخدام أية وسائل شريرة لمحاربته مسألة مبررة. الممارسات الإرهابية الشنيعة المستمرة، مصحوبة بدعم أجهزة الإعلام العالمية التي تُضخم العدو، أدت إلى نشر البلادة وانحسار مشاعر وأخلاقيات المواطنين إلى درجة لا تقف عند قبولهم لجرائم حكوماتهم، فحسب، بل ويصفقون لها أيضاً..(كما في حالة قتلى الأطفال والنساء في غزة)..

       في هذا الأسبوع (27/12/2008)، رأت الأرض المقدسة واحداً من أكثر الأيام قتلاً في تاريخها عندما أقدمت إسرائيل على قتل أكثر من 200 فلسطيني في غزة بضربة جوية واحدة. لم يختبر الفلسطينيون أي شيء من هذا منذ العام 1948 عندما قامت عصابتان من اليهود Irgun & Lehi بمجزرة انتهت بقتل 254 فلسطينياً في قرية دير ياسين.

     على مدى أسبوع، قبل هذا العدوان الإسرائيلي، أطلقت حماس أكثر من 100 صاروخ على إسرائيل دون أن تقتل أحداً، ولكن وفّرت المبررات الضرورية لإسرائيل، حيث أن قاذفاتها وصواريخها قتلت أكثر من 400 وجرحت أكثر من 2000 (أكثر من 1000 قتيل بضمنه 300 طفل و 80 إمرأة.. وأكثر من 4000 جريح نصفهم من الأطفال والنساء لغاية اليوم العشرين من العدوان الإسرائيلي المستمر).

     استمع إلى بيانات إدارة بوش التي تضع كامل اللوم على حماس بشأن كل العنف الحاصل، و "المسيح المنتظر" يقضي عطلته في هاواي.. أنا مندهش من الانحدار الكامل الرهيب للمشاعر الإنسانية في ردود فعلهم. ليست هناك ذرة من عطف إنساني أو أسف أوحزن لهؤلاء الضحايا من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء.. وكأنما قلوبهم من صخر..

     سواء في الولايات المتحدة أو حتى في إسرائيل، فالإرهاب لا يهدد فقط الحياة، بل يقود ببطء إلى تدمير القيم والمشاعر الإنسانية لهذه الشعوب.

     لقد أطلقت حماس بضعة صواريخ على إسرائيل. ولكن هذه هي حماس، وهذا ما فعلته.. إنها منظمة "إرهابية"..

     بينما يُفترض أن إسرائيل والولايات المتحدة، على أي حال، من الديمقراطيات. تهتم بحقوق الإنسان. ولكن عندما تقدمان على ممارسة المجازر بحق مئات (آلاف) المواطنين، ويُراقب مواطنوهم بصمت، بدون احتجاج، بدون صدمة (بل وبالتأييد والتصفيق)، عندئذ هنا شيء ما يُجسّد خطئاً جذرياً محورياً..

     لا زلتُ مقتنعاً بالديمقراطية.. أتصور أنها نظام عظيم للحكم.. لكني أيضاً خائف من أن ديمقراطيات اليوم لا تواجه فقط كساداً اقتصادياً economic recession، بل تواجه أيضاً كساداً أخلاقياً moral..

نحن نقبل تدريجياً أشياء كانت إلى عهد قريب أموراً محرّمة taboo. في محاربة المنظمات "الإرهابية" مارسنا بثبات تقليض أطرنا الأخلاقية، التي كنا نحكم من خلالها على جدارة الديمقراطيات وبشكل تقليدي. التعذيب، الاختطاف، الاغتيال، والآن المجازر البشرية.. كلها صارت مبررة.. ماذا بعد!؟

     ما لم نصحوا ونغير المسار وعاجلاً جداً، فقد تزول التفرقة بين الديمقراطية وبين الإرهاب.. وهنا سيكون النصر النهائي قد تحقق لـ "الإرهاب العالمي"!!

مممممممممممممممممممممممـ

The moral recession in democracies, Dr. Muqteder Khan, Aljazeera.com, 5 January2009.

.-- Dr. Muqtedar Khan is Director of Islamic Studies at the University of Delaware and Fellow of the Institute for Social Policy and Understanding (Ijtihad.org).

Source: Middle East Online

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار16