بسم الله الرحمن الرحيم

07/05/1429

 اتركوا غزة لأهلها، هناك شيء آخر يمكن عمله

 

 بقلم: علي الصراف

   شبكة النهى*

 

الكلام الذي يقال عن جبن وتخاذل وتواطؤ الكثير من الزعماء العرب مسموعٌ جيدا.

وسواء صح هذا الكلام أم لم يصح، فالحقيقة هي أنهم حائرون، مصابون بالشلل، ولا يعرفون ماذا يفعلون.

ولكن ما تزال هناك فرصة، ليس للجم الكلام، بل لعمل شيء جدير بالاعتبار، ويكاد لا يكلف شيئا، ولا ينطوي على مغامرات، ولا عنتريات، ولا صخب، ولا حتى مؤتمرات.

هؤلاء الزعماء يعرفون جيدا رأي شعوبهم فيهم. وهم يعرفون رأي حلفائهم فيهم أيضا. فالتهديدات التي تتسرب إليهم من هؤلاء الحلفاء، ومعظمها ضرب من تحت الحزام، تقول ما فيه الكفاية عنهم.

وهذه مشكلة لا يمكن تجاوزها بالاكتفاء بالشلل.بالعكس، فإنها تتفاقم ويمكن أن تؤدي الى مواجهات (كما رأينا) عنيفة تزعزع الاستقرار.

النظام القوي، ليس قويا بقدرته على القمع، بل بقدرته على العمل؛ على الاستجابة لضغوط الرأي العام؛ على التقدم بخيارات ملموسة تؤتي ثمارا مرضية.

وقد تتداول الشوارع كلاما قذرا عن هؤلاء الزعماء، ولكن ما لا تعرفه الشوارع هو أن مسؤولي الإدارة الأميركية يتحدثون إليهم بلغة قذرة أيضا.وذلك ليس لأن زعماءنا ضعفاء فحسب، بل لأنهم، بشللهم وحاجتهم المستمرة للتوجيه، يظهرون كضعفاء أيضا.

وبقاء الزعماء العرب تحت رحمة الظروف، بلا مبادرات ولا خيارات عملية، تزيد في جعل الاستخفاف بهم أسهل من جانب القريب والبعيد.

وخلف ظاهر الدبلوماسية توجد لغة تهديد واحتقار شديد.ويتلقى زعماؤنا العرب منها الكثير.

ولكن هذا كله يمكن وقفه إذا أظهر الزعماء العرب روحا عملية في معالجة المشكلات التي تواجههم.

إذا سألوا أنفسهم ماذا نفعل، فالجواب يجب أن يكون فعلا ما، في اتجاه ما ويؤتي بنتائج.

الشلل هو مصدر الإهانة الأول. وإظهار العجز في المنعطفات السياسية الخطيرة هو السبب وراء التظاهرات الغاضبة.

ولكن، فمع أنهم مُذلون مُهانون ويجري مسح البلاط بهم، إلا أنهم ليسوا عاجزين كليا. هناك منافذ كثيرة تسمح لهم، لو أرادوا، أن يحققوا نتائج طيبة، من دون أن تشكل سببا للخوف من فضح ملفاتهم المخزية.

هم تركوا غزة لتُذبح.لم يقدموا لأهلها إلا القليل والهزيل.حتى انهم لم يعقدوا اجتماع قمة للتداول في ما يمكن عمله.وتساءلوا – عن حق: بعد بيان التنديد ماذا سنقرر؟ واكتشفوا أنهم ليس لديهم ما يفعلون!

الآن.كل هذا، لا بأس.اتركوا غزة لأهلها.تموت أو تنتحر، ليست مشكلة.هناك شيء آخر مهم يمكن القيام به.

يرتكب الإسرائيليون جرائم حرب صارخة في غزة.الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ومنها الهيئات التابعة للأمم المتحدة تقول أن هناك انتهاكات خطيرة تُرتكب من جانب الجيش الإسرائيلي، وفقا لقرارات تتخذ على أعلى مستوى، ضد 1.5 مليون فلسطيني.

ـ هناك الاستخدام "غير المتناسب" للقوة، وهو أمر لا حاجة لأدلة عليه.

ـ وهناك الشهادات التي تثبت أن وحدات من الجيش الإسرائيلي تتخذ من المدنيين دروعا بشرية (على عكس المزاعم الإسرائيلية التي تتهم حماس بهذا العمل).

ـ وهناك جريمة منزل الموت الذي حشر فيه 110 فلسطينيين ليقصفوا وهم بداخله.

ـ وهناك التخريب المتعمد لإمدادات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

ـ وهناك القتل المتعمد لرجال الإسعاف وموظفي الإغاثة والدفاع المدني.

ـ وهناك القصف العشوائي للأحياء المدنية والمدارس ومراكز الإغاثة المعروفة.

ـ وهناك الاستخدام الواسع لأنواع جديدة من القنابل العنقودية والحارقة.

ـ وهناك العدد المتزايد من الأطفال والنساء بين القتلى الذي يدل على الاستهداف المتعمد للمدنيين.

ـ وهناك الانتهاكات الصارخة لميثاق جنيف لعام 1949 المتعلق بحماية المدنيين في مناطق الحرب.

ـ وهناك حملات الاعتقال والتعذيب التي طالت المئات من الضحايا الذين لم يعرف مصيرهم بعد.

ـ وهناك الدعوات الصريحة التي يطلقها الزعماء الإسرائيليون للقتل الجماعي، والتي وصلت الى حد التهديد بالهلوكوست، وسط ثقافة قائمة بأسرها على شهوات دموية فاضحة.

كل هذه، وغيرها، قضايا تشكل أساسا، لا مراء فيه، للدعوة لمحاكمة المسؤولين الاسرائيليين بارتكاب جرائم حرب.

الدول العربية تستطيع أن تدعو الى عقد جلسة طارئة، ليس لمجلس التواطؤ الدولي، وإنما للجمعية العامة للأمم المتحدة (حيث لا تمتلك عصابة الخمسة الكبار حق النقض) لإصدار قرار يدعو الى تشكيل محكمة دولية لجرائم الحرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وإذا كان هناك بين القادة العرب من يستهين بالضحايا الفلسطينيين، ويتواطأ مع الصهاينة، لمجرد انه يكره قادة حماس، فلا بأس.فهذه ربما تكون فرصة أيضا لمحاكمة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ، بما أنها تستهدف مَنْ قد يُعتقد أنهم "مدنيون" في إسرائيل (رغم أن الكل يعرف انه لا يوجد مدنيون في هذه الثكنة).

ليس من المعقول أن يُلاحق رئيس عربي مثل عمر حسن البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور، ولا يُلاحق الزعماء الإسرائيليون على ما يرتكبوه من جرائم ضد مئات الآلاف من الأبرياء.

ليس من المعقول أن يُصبح دم الأبرياء أداة لخدمة أغراض العدوان ولفرض شروط التسوية في أي نزاع.فالتسوية يجب ألا تكون مكافأة لقصف المدارس.

وليس من المعقول أن نخرج من مجزرة الى أخرى من دون أن نجد سبيلا لردع القتلة، أو على الأقل لإجبارهم، في النزاعات المقبلة، أن يلتزموا بقواعد القانون.

ولا حاجة للمساومة. إذا شاء القضاء الدولي أن يحاكم مسؤولين فلسطينيين الى جانب المسؤولين الإسرائيليين، فلا بأس. يمكن التضحية بأبوين أو ثلاثة أو عشرة من أبوات حماس، مقابل جلب طاقم الوحشية الإسرائيلية الى القضاء.

وهذا الطاقم يضم العشرات من المسؤولين عن الكثير من الجرائم التي ارتكبت ليس في هذا النزاع وحده، بل وفي كل النزاعات الأخرى التي سبقته.

الجرائم ضد الإنسانية لا تزول بالتقادم. وهو ما يعني أنها ستظل معلقة برقاب مرتكبيها.

وبما أن لدينا زعماء لا يعرفون ماذا يفعلون لنجدة الفلسطينيين، فإصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء محكمة دولية خاصة لجرائم الحرب في فلسطين، هو واحد من الخيارات التي تكاد لا تكلف شيئا، ولكنها يمكن أن تقدم خدمة جليلة وعظيمة للأبرياء.

ومن المهم أن تبقى هذه القضية مستقلة وبمعزل عن أي تسوية محتملة. المساومة ممكنة على امتيازات، والتنازلات ممكنة على حقوق، ولكن دماء الأبرياء لا يمكن المساومة عليها.

اليهود لم يساوموا على دماء ضحايا الهولوكوست. ومن السفالة بمكان، أن يجد أي زعيم عربي أو فلسطيني في نفسه الجرأة على المساومة على دماء الأبرياء. هذا خط احمر، يجب أن يكون أكثر قدسية من القدس نفسها.

ثم أن أحدا لا يملك، في الأصل، الحق في أن يمسح جرائم حرب بجرة من قلمه.

الأخذ بخيار الدعوة لإنشاء محكمة دولية خاصة ينطوي على عمل جماعي في إطار مؤسسة دولية.وهو بذلك لا يشكل خروجا على أي تحالف لا مع الولايات المتحدة ولا حتى مع إسرائيل نفسها.

فحتى لو كان هذا الزعيم أو ذاك مرتبطا، سرا أو علنا، بالتزامات تملي عليه التواطؤ مع إسرائيل، فان هذه الالتزامات لن تتأثر إذا سمح لحكومته بان تدعم شيئا يتعلق باحترام قيم القانون الدولي.

والمرء يمكن أن يكون عميلا، ولكن حتى العمالة نفسها لا تشترط السماح لـ"سادته" أن ينتهكوا القانون الدولي.

إنشاء محكمة دولية لملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين عملٌ يمكن القيام به، يجلب الاحترام، ويؤتي ثمارا، ويعززُ وجهةً في السياسة لا تُبقي مكانا للتعرض للإهانات.

والقيام به لا يُكلف الكثير.

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 16