بسم الله الرحمن الرحيم

06/02/1429

في الميزان

الوحدة بين سورية ومصر

  بقلم : الدكتور سليم الحص

 موقع النهى*

  في عام ,1958يوم كان الرئيس جمال عبد الناصر في أوجه يستقطب الرأي العام في الوطن العربي أجمع من أقصاه إلى أقصاه ،أعلنت الوحدة بين مصر وسورية فولدت الجمهورية العربية المتحدة.‏‏

وكان لضغط الرأي العام في سورية دور ملحوظ في الدفع نحو هذا الحدث التاريخي,وكان للقيادة السورية آنذاك,والحق يقال,فضل التجاوب الكلي مع الإرادة الشعبية العارمة من دون تردد أو تحفظ.‏‏

سجل هذا الحدث,على ما كان يؤمل,مفصلاً تاريخياً في مسار العلاقات العربية.وكان يرتجى ان نستتبع هذه الخطوة بخطوات مماثلة فتنضم أقطار عربية أخرى إلى هذه النواة فتتسع دائرة الجمهورية العربية المتحدة بحيث تشمل عدداً متنامياً من الأقطار الشقيقة,أملاً في يوم من الأيام أن تغدو النواة دوحة باسقة تمتد فروعها إلى سائر أرجاء الوطن العربي.‏‏

إلا أن هذا الحلم لم يتحقق,فانهارت الجمهورية العربية المتحدة بانطلاق حركة انقلابية في دمشق,بعد نحو ثلاث سنوات, أدت إلى إعلان الانفصال.فكانت خيبة المراهنين على وحدة عربية واسعة أو شاملة في حجم الصدمة المزلزلة,اعتبر تفكك الجمهورية العربية المتحدة نكسة فاصمة للتيار الوحدوي على الصعيد العربي.‏‏

أما العبرة المستخلصة من تلك التجربة المريرة بعد سنوات من التأمل والتبصر فهي تندرج في جملة حقائق,أهمها اثنتان:‏‏

الحقيقة الأولى أن قدر العرب أن يتحدوا في يوم من الأيام,وقد جاءت تجربة الاتحاد الأوروبي مشجعة في هذا الاتجاه.فمن المسلمات بين أبناء هذا التيار أننا نحن العرب أولى بالاتحاد من الأوروبيين,فنحن تجمع بيننا لغة واحدة وثقافة مشتركة وتراث عريق ومصالح متبادلة على شتى المستويات,فيما أوروبا تحتضن 27 بلداً كل منها يتحدث بلسان,وأوروبا مسرح لثقافات متعددة ومتباينة,وكان تاريخ أوروبا حافلاً بالحروب الضارية بين أقطارها,كان منها خلال القرن العشرين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.‏‏

مع ذلك جمعت بين أقطار أوروبا في نهاية المطاف المصالح المشتركة على شتى الصعد فكان الاتحاد الأوروبي.لذا نقول إن الوحدة,أقله على غرار الاتحاد الأوروبي,يجب أن تكون قدرنا نحن العرب إن عاجلاً أم آجلاً.‏‏

لم يكن لأميركا ما كان لها من قوة ومنعة وسطوة عالمياً لولا اتحاد ولايتها في نظام فيدرالي.ولا كان لأوروبا الشأن الذي اكتسبته خلال السنوات الأخيرة على الصعيد الدولي لولا انضوائها تحت لواء فيما بينها.ولن يكون للعرب شأن أو منعة أو مكانة أو حتى كرامة على الساحة الدولية ما لم يتلاحموا في كنف اتحاد عربي متماسك.‏‏

الحقيقة الثانية هي أن طريق الوحدة أو الاتحاد لا بد أن يمر في محطات معينة,ولا يستقيم اتحاد من غير اعتبار لهذا الواقع.أهم المحطات اثنتان هما الديمقراطية والتنمية.‏‏

فالديمقراطية تضمن ولادة الاتحاد من رحم الإرادة الشعبية الحرة.وإذا لم تتوافر هذه الإرادة فإن بيان الاتحاد يبقى ركيكاً بلا حصانة.والتنمية الاقتصادية والاجتماعية تضمن إشاعة الحد الأدنى المفروض من التجانس بين الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد.ومن دون الحد الأدنى من التجانس الاقتصادي والاجتماعي يبقى الاتحاد مهدداً بالتفكك في يوم من الأيام.‏‏

هذان الشرطان الحيويان لمنعة الوحدة لم يكونا متوافرين عند قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية.فلا عجب إن ولدت الوحدة فاقدة المناعة والحصانة إلى حد بعيد.فكان مصيرها الانفصال بعد نحو ثلاث سنوات.‏‏

إننا ندعو إلى اتحاد عربي,على غرار الاتحاد الأوروبي لا بل وأبعد مدى.ومن أجل تحقيق هذا الحلم علينا اليوم العمل على تطوير الحياة الديمقراطية في ربوعنا,في كل الأقطار العربية,كما علينا أن ننفذ برامج تنموية واسعة على كل صعيد وفي كل مجال.هكذا فقط نضمن منعة الوحدة وحصانتها عندما تتحقق.ونحن أهل لها.‏‏

ولكن لا بد من الاعتراف بأن تحقيق الشرطين لن يكون بالأمر اليسير.فالتطوير الديمقراطي كما التنمية الاقتصادية والاجتماعية,كلاهما من عناوين الإصلاح المنشود في عالمنا العربي والإصلاح في بلادنا يواجه - على ما يبدو لنا- مأزقاً بمعنى أن من بيده قرار الإصلاح ليست له مصلحة فيه.فقرار الإصلاح بطبيعة الحال في يد أهل السلطة في بلادنا.‏‏

وهؤلاء لا يجدون مصلحة لهم في تحقيق الديمقراطية باعتبار أنها قد تطيح بهم.فإذا كانت الديمقراطية تفترض اختيار رموز الطبقة الحاكمة بالانتخاب,فالطبقة الحاكمة القائمة قد لا تحظى بأصوات الناخبين من الشعب.‏‏

فكيف يمكن أن يأتي التطوير الديمقراطي بقرار ممن يخشون أن تقضي الديمقراطية على وجودهم في السلطة?ثم إن الفساد مستشر في كثير من بلداننا,خصوصاً على صعيد الحكم.والممارسة الديمقراطية,كما هو معروف,تقترن بالمساءلة والمحاسبة الفاعلة.فكيف سينجو أهل الطبقة السياسية في بعض أقطارنا,حيث يستشري الفساد,من الحساب في حال تحقق التطور المنشود في الحياة الديمقراطية?‏‏

أما التنمية الاقتصادية والاجتماعية,وهي الشرط الثاني لبلوغ وحدة منيعة بين العرب,فهي عملية شاقة ومعقدة اصطدمت في بلادنا العربية وما زالت تصطدم بعقبات ومعوقات حالت دون نهوض مجتمعاتنا إلى مستويات بلغتها شعوب أخرى على وجه البسيطة من مثل الصين واليابان والهند وبعض دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية.ولكننا نحن العرب نمتلك موارد طبيعية هائلة وطاقات بشرية مرموقة ويجب ألا تنقصنا الإرادة.‏‏

فلا عذر سوى قصور أو تقصير الطبقة الحاكمة,وليس من يحاسبها أو يسائلها في ظل هزال الحياة الديمقراطية أو انعدامها في بلادنا.‏‏

الرأي العام العربي مرشح لاكتساب المزيد من الوعي لكل هذه المعطيات والحقائق في عصر يتميز بالتطور المذهل على صعيد الإعلام والاتصالات والفضائيات,عصر الحاسوب والانترنت والتلفزة ووسائل الاتصال الفائقة الفعالية.‏‏

ومع تزايد الوعي سوف يتكثف الضغط على الحكام العرب لتحقيق ما تصبو شعوبهم من تقدم وتطور ورفعة على كل صعيد وفي كل مجال.ووعي الشعوب كفيل بإيصال مجتمعاتنا في يوم من الأيام إلى ما ننشد من التطوير الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية,ومن ثم تحقيق الوحدة العربية التي نحلم بها.إن غداً لناظره قريب مهما تلبدت الغيوم في سمائنا بفعل المكائد التي تحاك لنا هذه الأيام من جانب قوى دولية تناصر عدونا الصهيوني الذي له مصلحة إستراتيجية في شرذمتنا.ومشاريع الشرذمة لها عناوين براقة في سياسة الدولة العظمى من مثل (الشرق الأوسط الجديد) و(الفوضى الخلاقة).‏‏

 

 نشرحركة القوميين العرب

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار8