بسم الله الرحمن الرحيم

07/02/1429

 

صرخة من الأعماق من أجل فلسطين والأمة

 

  بقلم :الأستاذ الحبيب اليزيدي، تونس.

 موقع النهى*

   ما بالطبع لا يتغير، هكذا هم الحكام العرب ومن لف لفهم من النفعيين الانتهازيين الملتئمين على فتات العار والذل. يتوارثون الجبن والهزيمة، ويسلكون سياسة الثعالب في جحورهم التي لا يغادرونها إلا لممارسة هواياتهم التي لا يحذقون غيرها، في ممارسة الزور والبهتان والكذب الصريح الذي لم يعد ينطلي حتى على السذج والمغفلين. فبالرغم من كل النكبات والمآسي وكم الظلم النازل كل يوم على الأمة لا يزال الحكام والرسميون العرب يناشدون المجتمع الدولي عله يثوب لرشده ويتكرم عليهم بالحرية والنهضة ويمنحهم ما لم ولن تمتد إليه يمينهم يوما.

وهل يمكن أن ننتظر ممن خانهم العزم فتآمروا على كل القضايا القومية وكانوا عونا للاستعمار علينا، فحنطوا إرادة الأمة وكبلوها بشتى أنواع السلاسل والقيود وليس لهم من ذريعة في ذلك سوى ما يدركونه من خصائص الواقعية وما يصدر عنهم من حكمة وعقلانية، هل ننتظر من هؤلاء أن يكسروا الحصار على غزة؟.

ألم يكونوا المبادرين لفرض الحصار على أشقائهم وإخوانهم بالعراق وفاعلين نشطين في إحكامه كما كانوا بالأمس مفرطين بفلسطين ومساهمين في تكريس التقسيم. بل إنهم اليوم أنشط وأحرص من الاستعمار على الشرعية الدولية الاستعمارية وعلى حدود سايكس-بيكو وأسبق في تنفيذ القرارات التي تسجن الإنسان والإرادة معا. والغريب أنهم يتحدثون في المناسبات عن العروبة والإسلام. فعن أية عروبة يتحدثون؟ أهي عروبتهم؟ عروبة القعود والعار والذل، عروبة الاستبداد والظلم والقهر ومص الدماء. وعن أي إسلام يتكلمون؟ أهو إسلامهم؟ إسلام العبودية والتبعية، إسلام الزور والبهتان والكذب والنفاق والخداع والخيانة.

لهم إخوان هناك في العراق وفلسطين والصومال وعلى امتداد الوطن وعرضه يجوعون، يذبحون ويموتون كل يوم بالعشرات والمئات، وهم يأكلون ويمرحون ويتفرجون ثم يناشدون المجتمع الدولي. وذلك عندهم أقوى الإيمان الذي يريحهم من عناء تحمل أعباء القضايا المركزية للأمة ويوفر لهم أسباب الراحة التي ينشدون. انقلبت الآية وأصبحت قضية فلسطين والعراق وكل شؤون الأمة هي القضايا المركزية لآل بوش وجموع المحافظين ولبني صهيون من شامير إلى أولمرت مرورا بشارون.

ويختصر حكامنا الواقعيون جدا جدا هويتهم ودينهم وقضيتهم المركزية في الكرسي الذي يعبدون والمال الذي يكدسون والاستبداد الذي يمارسون. وما بالعهد من قدم، هكذا كان أسلافهم الذين فرطوا بالأندلس والإسكندرون والأحواز وأوقادين وغيرها... فهل نذكرهم ونذكر هؤلاء النيام الذين لا يزالون يعولون عليهم. نعم وجب ذلك فالنسيان ونحن على ما نحن عليه من بؤس الحال وهوانه نقمة وليس نعمة. فلنتابع إذن ما أشر إليه حزب البعث العربي منذ أكثر من نصف قرن: "... ومن الغريب حقا أن تستمر نظرة السياسة العربية إلى هذه القضية على خطأها في التوهم بأن المباحثات والتصريحات والانتظار واستجداء تأييد الدول وعطفهم قد يغير من رأي هذه الدول ويدفعها إلى نقض موافقتها على التقسيم ويعمل على إرجاع حق العرب في فلسطين إليهم. ومن الغريب أيضا أن نتوهم أن الدول الكبرى قد أقدمت على تأييد التقسيم تحت تأثير اليهود ... وأن هذه الدول لا تلبث أن تكتشف أخطاءها فتتراجع، مع أن كل واحد يفهم في وضوح كيف كان تأييد هذه الدول للتقسيم تنفيذا لسياسات استعمارية معينة، ترمي إلى حفظ مصالحها على حسابنا نحن العرب"، (بيان حزب البعث، 15 شباط 1948)...".لكن الوضع الراهن في فلسطين لا يزال كما كان، لا يدل على أن أي عمل عربي حاسم سيقدم عليه المسؤولون لإنقاذ فلسطين نهائيا، ويجعل الموقف بيد العرب في الوقت المناسب:

1- فالصهاينة مستمرون على نشاطهم وسمسرتهم في الغرب وحول اجتماعات "ليك-سيكس" ليتموا مشروعهم، وأول ذلك تنفيذ تأمين التقسيم بأي شكل، من إرسال شرطة دولية أو الاعتراف بالمنظمات العسكرية اليهودية وما إلى ذلك، وتصريحات ممثلي الحكومات المؤيدة للتقسيم تتوالى عن ضرورة الإسراع في تنفيذ التقسيم قبل تطور الحالة في فلسطين.

2- وهذا يرينا في وضوح مدى الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات العربية عندما اتبعت سياسة مماطلة وانتظار واعتقدت بأن مجرد حدوث معارك في فلسطين، وإحداث اضطرابات مهما كانت قليلة سيغير من آراء الدول المؤيدة للتقسيم ولا سيما الدول الكبرى التي اتبعت سياسة رسمية في تأييدها اليهود، (بيان حزب البعث، 09 شباط 1948).

فما الذي تغير منذ ذلك التاريخ سوى أن ما كان خطأ حسب تقديرات ظروف تلك المرحلة أصبح اليوم قصدا وعمدا. وتلك هي القناعة الراسخة لدينا. هذا ولا زالت جامعتنا الموقرة تجتر بالمساء ما ابتلعته في الصباح "... وتستمر الجامعة العربية ودولها في سياسة التهاون وإتباع أساليب المفاوضات العقيمة التي أوصلت قضية فلسطين إلى هذه الحالة المؤلمة... فثمة بيانات وتصريحات مسؤولين تدل على أن رجال الحكومات العربية لا يزالون يريدون الاستمرار في سياستهم الفاشلة القديمة، بإثارة التفاؤل من عرض القضية على مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية، أو باتهام الشعب وتضليله حول ندم أمريكا على تأييدها للتقسيم وإمكان تراجعها، كأن الولايات المتحدة الأمريكية التي هي إحدى الدول الكبرى القوية طفل اقترف ذنبا أو دفع إليه...؟ أو تضليل الشعب لموقف بريطانيا وإمكان مساعدتها للعرب في قضية فلسطين مع أنها جرثومة الشر في هذه القضية... وما إلى ذلك" (بيان حزب البعث، 22 كانون الثاني 1948).

ودون الاسترسال في ما يحيلنا على ما نحن عليه من تقهقر وتراجع فخلاصة القول أن الزمن في عرف حكامنا ومؤسساتنا متوقف بل هو يسير بنا إلى الخلف بينما أعداؤنا الاستعماريون المغتصبون يسرعونه إلى الحد الأقصى المتاح وفق خططهم المرسومة. ما الذي تغير إذن سوى أن طوني بلير أصبح لورنس القرن الواحد والعشرين وأصبح الرؤساء والملوك العرب في الدرك الأسفل من العار والهزيمة حتى أنهم أصبحوا يناشدون بوش وشارون واليوم أولمرت عساهم يمنون عليهم بما يمنحهم بعض الراحة من الصداع الذي طالما عملوا على التخلص منه. ولكننا سنذكرهم دائما ورغما عنهم أنهم رمز العار وعنوان التهاون والخداع وإننا ثابتون على المبدأ وعلى خطى الشرفاء من أبناء الأمة المدافعون عن كرامتها وسنكون كالذين سبقونا الصداع الذي يؤرقهم ولا يستريحون منه حتى في مثواهم العفن.

وسنعيد التذكير باستمرار بطبيعة القضية ونوردها في هذا المقال كما وردت بقلم الرفيق المناضل والشهيد صلاح الدين البيطار منذ ستين سنة خلت وليس لنا أي مطمع في استفاقتهم أو صلاحهم بل لنؤكد لهم أننا نعرف طريقنا وأننا على العهد مع الشرف والكرامة كالطود الشامخ لا نتزحزح ولا ننجر لغير طريق الحق الذي هو طريق الأمة: "إن تقسيم فلسطين يجب أن يدرك معناه ويدرك مغزاه منذ اليوم وبكل وضوح ولن ينجي العرب أن يستفيقوا غدا على هذا الخطر إن أغمضوا اليوم عينهم عنه. إن تقسيم فلسطين هو عين المصيبة القومية. وخطر التقسيم سيصيب العرب في جميع الأقطار العربية.

أولا- الخطر قومي ووطني، ففلسطين هي قلب بلاد العرب كما هي في قلب كل عربي. لقد امتزج تاريخ العرب بتاريخها فارتبط مصيرهم بمصيرها والتحمت بها أجزاء الوطن العربي فلا تتلاقى بدونها سوريا والعراق مع شرقي الأردن ومصر والحجاز واقتطاع فلسطين التي تشغل هذا المركز الجغرافي وسط بلاد العرب في مأساة أين منها مأساة الأندلس أو الاسكندرونة فكل من هذين الجزئين يقع في طرف الوطن العربي واقتطاعهما كان بمثابة قطع اليد من الجسم. أما اقتطاع فلسطين فمعناه تقطيع أوصال الوطن العربي وتمزيق شمل الوطن العربي وصعوبة بناء الكيان القومي لدرجة الاستحالة، وتعريض القضية العربية بأجمعها للخسران، التقسيم سيقضي على حلم الشعب العظيم بالوحدة العربية، على أملهم بأن يعيشوا عربا في وطن موحد الأجزاء كما يبعثوا الحياة العربية ويؤدوا للعالم الرسالة العربية. بالتقسيم لن تكون الوحدة العربية وحدها التي ستطعن في الصميم، فاستقلال البلاد العربية نفسه مهدد بالخطر، لآن فلسطين في برنامج اليهود ليست سوى رقبة جسر ونقطة ارتكاز، ينطلقون منها لتأسيس الوطن الصهيوني الذي لا يقف إلا عند حدود الفرات والنيل.

ثانيا- الخطر اجتماعي واقتصادي، فالعرب أمة واحدة لها تقاليده الخاصة وعاداتها المتوارثة وطرائق تفكيرها وطراز معاشها. وبعبارة أخرى لها حياتها العربية.

ومن جهة أخرى فلليهود تقاليد وأخلاق ونوع من التفكير وطراز من الحياة. أقل ما يقال فيها أنها منافية للتقاليد العربية، أجنبية عنها. فتمركز اليهود في قلب بلاد العرب وهم الذين عرفوا بتفسيخ كل مجتمع سيؤدي بأخلاقنا ومقدساتنا إلى الانحلال والتفسخ، وسيشيع في مجتمعنا الاضطراب الفكري والنفسي، وسيعرض المجتمع العربي الناشئ إلى التفكك والانهيار.

وفوق ذلك فاليهود قوة اقتصادية لا يستهان بها بارعة في عالم الربا والاستغلال وملكة بين يديها نصيب كبير من الثروة العالمية. وسيجعل اليهود من فلسطين مصنعا يغمر الأسواق العربية بنتاجه ويقضي على اقتصاد العرب وعلى الوحدة الاقتصادية التي يؤلفها الوطن العربي. ولن يمضي وقت طويل حتى تتسرب رؤوس الأموال الصهيونية إلى الأقطار العربية وتقيم فيها المؤسسات والشركات المقنعة والسافرة وتصل عن طريق السيطرة الاقتصادية إلى هصر الاستقلال السياسي لبلاد العرب وبالتالي إلى التحكم في مصيره. ليس تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين سوى إنشاء قاعدة إستراتجية يتجمع فيها المدينين من يهود العالم ليغزوا أرض العرب ويحكموا أهلها..."(صلاح الدين البيطار، جريدة البعث العدد 214-21 كانون الأول 1947).

فبعد أن كان المطلب الرئيسي منذ أكثر من ستين عاما هو تحرير فلسطين باعتبارها قضية العرب المركزية فإن سياسة الالتفاف والمماطلة والتهاون أفرغت القضية من كل مضامينها وضيعتها حتى تحولت من قضية وجود وحق تاريخي إلى مجرد طرق التفافية وقضية سلطة وكرسي رئاسة وشرعية انتخابية وخلافات بين الفصائل وأخيرا قضية حدود ومعابر.

لكل المتآمرين والمتلاعبين نصرخ بأعلى الصوت ونقول باستمرار أن فلسطين كل فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر هي القضية وأن تحرير فلسطين هو الهدف وأن طبيعة القضية هي المحدد لطبيعة الحل.

أيها العرب لقد طال نومكم فمتى تستيقظون فحتى أهل الكهف قد ضجروا من النوم فاستفاقوا.

أيها العرب على كل شبر من أرضكم سالت قطرة من دم أجدادكم في سبيل الحرية والكرامة وكل أرضكم تشهد على ما بلغته أمتكم من أمجاد وقد أصبحت اليوم تتضجر من سباتكم الذي لا تلوح له نهاية.

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة: أعيدوا قراءة التاريخ وتمعنوا عميقا في المسار القذر الذي سلكته الأنظمة الرجعية العميلة. إن الرجعية العربية والطبقات والفئات الحاكمة الخاضعة لهيمنة الإمبريالية والصهيونية هي في عداد أعداء الشعب العربي في فلسطين وكل قوى المقاومة والثورة في الأمة لأن القوى الاستعمارية التي تحمي هذه الطبقات وتحافظ على امتيازاتها ونفوذها هي صاحبة القرار النهائي في كافة القضايا الأساسية ولا سيما القضية الفلسطينية التي تشكل بالنسبة للإمبريالية ساحة المواجهة الرئيسة مع الأمة العربية ومع شعوب المنطقة المحيطة بالوطن العربي.

لقد تآمرت الرجعية الحاكمة على ثورة القسام سنة 1936 في فلسطين وأجهضتها كما تآمرت سنة 1948 بتخطيط من الاستعمار لتسهيل قيام الدولة الصهيونية. لقد كان من الطبيعي أن تمنى الحكومات والجيوش المشاركة في معركة 5 جوان 1967 بالهزيمة لأن القطرية الإصلاحية عجزت عن تحقيق الوحدة العربية وعطلت الجماهير نحو المشاركة في تحرير فلسطين ولقد أوهمت هذه الحكومات شعوبها بأن الجيوش المحترفة قادرة على تحقيق التحرير دون حاجة إلى مشاركة الشعب وذلك نتيجة تخوف هذه الحكومات من الجماهير.

أنظروا إلى هذه الجيوش الوطنية "جيوش التحرير" بعد أن عزلوها عن عمقها الجماهيري الشعبي كيف تحولت إلى وسيلة بيد الأنظمة العميلة والرجعية وكيف يتحول الانتصار في 1973 إلى استسلام في كامب ديفيد تحت شعار السلام وإلى ما آل إليه الأمر من تآمر على العمل الفدائي والثورة الفلسطينية وحركة الثورة العربية وعلى الأنظمة التقدمية ثم إلى المشاركة الفعالة والنشيطة في ضرب العراق ومحاصرته واحتلاله. لقد أصبح التآمر على القضية برمتها مكشوفا ومعلنا وقد تحول الجيش الذي نعت بأنه وطني وبأنه "جيش تحرير" إلى جيش أشغال عامة وجيش تجسس في خدمة الأعداء وجيش تأديب الشعب عند الاقتضاء.

أما عن الأمن الوطني المثقوب فلا تحدث. فأمننا ممر آمن لكل أشكال الاختراق والتخريب الاستعماري وحاجز سميك أمام كل نفس وطني. أنظروا إذن كيف يتحول العميل والسمسار والتابع الذليل الحقير إلى وطني همام، والوطني إلى مجرم أو إرهابي مطلوب سجنه أو رأسه.

يا أمة الأديان والإيمان لقد فعل الصهاينة أساطيرهم القديمة بما يتلاءم وأغراضهم الاستعمارية وخططهم الخبيثة في تركيعكم وتمزيق وحدتكم وتشتيت صفوفكم . هذا في الوقت الذي أفرغتم دينكم من كل ما يعمق فيكم الإيمان ويشدكم للفعل المتسق الخلاق وأحلتموه إلى مجرد طقوس خاوية فجعلتم منه أصناما جديدة وتخليتم على واجبكم ونسيتم خالقكم. فأصبح اليوم عندكم اللات والعزى ومناة وكبيرهم هبل ... أذكروا قولة عيسى عليه السلام لأصحابه " دع الموتى يدفنون موتاهم". واذكروا نضال رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم وفعله. واذكروا أساسا ما يأمركم الله بإتيانه وفعله. ولا تكونوا من أعوان الأبالسة على أنفسكم.

إن حكامهم أصبحوا يتفقهون في أمور دينهم في مدرسة بوش وشارون وأغلب " فقهائكم " أصبح كل دينهم التحليل والتحريم حسب القواعد الفقهية. أما أئمة المساجد فعلى دين ملوكهم ورؤسائهم شغلهم الشاغل الدعاية لمكاسب وإنجازات السلطان والدعاء له بالنصر على المساكين. أما العراق وفلسطين فيكفي أن ندعو لهما بالنصر من عند الله ولا بد من غض الطرف عن قضايا الفساد وعن الحرمان والتهميش والقضايا المصيرية مع الانتباه والوشاية بكل من يخرج عن واجب الخضوع والطاعة.

أما أنتم فجالسون تنتظرون أن يمن الله عليكم بالجنة ويثيبكم على استكانتكم وهوانكم وإخوانكم يحاصرون ويذبحون ويشردون ويجوعون كل يوم وشرفكم يداس ومقدساتكم تهان وتغتصب. فوالله لا يشفع لكم عند الله حتى لو أقمتم الليل والنهار صلاة وصوما وقد فرطتم في واجبكم وحق أمتكم عليكم.

إن القيم العربية الأصيلة من شهامة وشرف ومروءة وإباء وعزة نفس ونصرة المظلوم ورفض الضيم والظلم هي بعمق عراقة هذه الأمة وهي من الأصول التي ثبتها دينكم الحنيف فامتزجت عقيدتكم بقيم أمتكم وبهما أنجزت ثورتكم وتحرركم وتحققت وحدتكم. فلماذا تفرطون في الأصيل مبعث عزتكم وتعتنقون القشور ترثونها وتورثونها ولن تزيدكم إلا هزالا وخفة وزن. فحتى دينكم وقيمكم الأصيلة يأبيان عليكم هذا القعود فكيف ترضون أن تكونوا عارا على أنبيائكم ورسلكم وعلى أجدادكم الأفذاذ وعلى أبنائكم وأحفادكم من بعدكم.

يا أبناء هذه الأمة العربية المجيدة، بالأمس القريب فقط تقدم الرفيق البطل المجاهد والمناضل والشهيد صدام حسين المجيد إلى الشهادة واثقا كالطود شامخا واقفا بقامته المديدة كنخل العراق الباسق شهما شجاعا لا خائفا ولا مرتعشا قلبه عامر بالإيمان بيده القرآن الكريم ولسانه ينطق بشهادة الحق ويذكر بالقضايا الجوهرية للأمة وعلى رأسها فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر.

فكان بذلك تجسيدا حيا لعبقرية الأمة وقواها الحية. إن الرفيق صدام حسين المجيد رتب على نفسه مسؤولية سبقت المناصب وعناوينها منذ أن كان طالبا بالمدرسة حيث آمن بأن أمة العرب أمة واحدة وأن الوطن العربي من الأطلسي إلى الخليج العربي وطن واحد، وأن محمدا بن عبد الله الرسول والنبي الأمين صلى الله عليه وسلم هو عربي قرشي وأن الله اختار أمة العرب كملاك إيمان لينقلوا رسالته التي تضمنها قرآنه من خلالهم إلى الإنسانية جمعاء، وأن دور الأمة طبقا لهذا هو دور مختار أي أنه دور قيادي، ولكي تحافظ الأمة العربية على دورها القيادي، وتمارس مسؤوليتها التي شرفها الله بإبقاء جذوة مفاهيم الرسالة السماوية الجديدة "الإسلام" متقدة، يجب أن تحافظ بتميز واضح على صفات ما يقتضي من إيمان وممارسة وإن أهم ما في الإسلام بل وكل الرسالات السماوية بعد الإيمان بالله الواحد الأحد هو إنسانية الإنسان وبما يؤهله للسعي في الأرض وأعمارها وإقامة العدل عليها... وبهذه القياسات الشروط تتحدد المسؤوليات.

إن هذا الموقف، المنحاز إلى الأمة وإلى الفقراء من أبناء الأمة في وجه الاستعمار والطغاة من الخونة والعملاء جعل صدام حسين والعراق يعاني من أنظمة العار ومن مؤامراتهم التي بلغت ذروتها من الحدة لما أدركوا أن العراق يرفض سياسة أسيادهم المستعمرين ويرفض حالة الذل الت يريدون فرضها على العرب ويرفض أن تسخر ثروة العرب لتخريب شخصية العربي وتراثه ودينه وأخلاقه ويسعى لوضعها في خدمة أهداف العرب وفي خدمة كل الشعب كثروة قومية وفي الوقت الذي يتحمل فيه كل العرب عبء وجود الثروة في الوطن العربي يجب أن تعم خيراتها كل العرب لا أن تبقى في يد فئة متحكمة تستخدمها للتحلل والفساد والعدوان... وكان عدوان شيوخ البترول وأعوانهم يتزايد على العراق كلما جهر في قيم العروبة والإسلام وكلما نادى بصوت عال بأن القدس عربية وبأن فلسطين عربية... إن موقف الملك فهد ضد العراق وضد صدام حسين بعد أن تأكد لهم باليقين أن العراق وصدام حسين ورفاقه لن يتنازلوا في كل الظروف وتحت ثقل كل المؤامرات والدسائس عن فلسطين وعن القدس الشريف. ولهذه الأسباب ولأن أسيادهم وأولياء ثروة السحت الحرام منزعجون من ورافضون للعراق وسياسة صدام حسين ورفاقه فلا بد أن يكون لهم دور في التآمر ولنفس الأسباب التي كرهوا فيها عبد الناصر وتآمروا عليه ... وكذلك كرههم وتآمرهم على كل وطني شريف وعلى كل نفس مقاوم يكشف حقيقتهم. أليس هذا هو قول صدام حسين نفسه في رسالة لحسني مبارك الذي لا يسمع ولا يفقه.

وكما كانت الكويت مطية فإن أسلحة التدمير الشامل مطية أخرى لضرب العراق وصدام حسين.

ولآن مواقف حزب البعث العربي الاشتراكي من قضايا الأمة وانحيازه لجماهيرها واضح بين لا لبس فيه نبشوا قبر الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق شماتة وعدوانا وسنوا قانونا خاصا لاجتثاثه وزجوا بقياداته وكوادره في السجون ولازالوا يلاحقون مناضليه ويتآمرون على المقاومة الباسلة صناعة البعث وصدام حسين ويحاصرونها بشتى الوسائل والسبل.

إن الرفيق البطل الشهيد صدام حسين رفض كل المغريات كما رفض كل أشكال الابتزاز واختار الانحياز إلى الأمة وأن يكون شهيد الحق في مواجهة الباطل ورسم لكم معالم طريق الحرية والمجد فليكن لكم قدوة ولتكن مبادئ البعث والأمة سلاحكم في النضال والمقاومة بقيادة شيخ المجاهدين عزة إبراهيم الدوري دليلكم ومرشدكم في مواجهة كل الأعداء المجتمعين عليكم.

يا أمة العرب إن ثرواتكم تستثمر في بنوك الأعداء وتوظف لاستعبادكم وتبدد في المواخير ودور القمار وفي كل أشكال البذخ والاستهلاك التظاهري والتفاخري وفي تكديس أسلحة الخردة وهي في الأصل خردة والتي لم ولن تستعمل إلا لاضطهادكم. إن حكامكم وكل أنظمتكم قد فشلوا وأفلسوا وانكشف كذبهم وفجورهم فلن تخسروا شيئا إن أنتم هدمتم المعبد على هؤلاء الكهنة الجدد أعداء عروبتكم وإسلامكم سوى قيود الاستعمار والاستعباد والاضطهاد. فلماذا لا يكون لكم شعبنا العربي بعزة قدوة في زحفه على حدود سايكس-بيكو وعلى حواجز الجور والاستبداد. إن قضيتكم واحدة لا تقبل القسمة والتجزئة وعنوانها فلسطين التي هي طريقكم للوحدة والحرية والثورة على الاستغلال والقهر وسبيلكم النضال والمقاومة ففلسطين التي اغتصبت بالحديد والنار لن تسترد إلا بالحديد والدم... أيها العرب استفيقوا أو فلتموتوا جميعا إن لم تكونوا جديرين بالحياة وبما يليق بكم بين الأمم.

- النصر للمقاومة والهزيمة للاستعمار والصهيونية.

- الخزي والعار للخونة وللرجعية العربية.

- المجد والخلود لشهداء الأمة وعلى رأسهم سيد شهداء العصر الرفيق صدام حسين.

- وإنها لأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.

تونس في 29-2-2008

 

 إلى صفحة مقالات وأراء 13