03/07/1428

 

الهيمنة الأمريكية,, الدوافع والأبعاد

                                

1-    السيطرة على القلب الارضي                                                          

بقلم :  ابو الفوز

 

   يمكن القول ابتداءا, ان جميع صياغات الفكر والتخطيط الاستراتيجي الامريكي ما بعد الحرب الباردة وما تفضي اليه من مشارع واهداف تدور حول تجسيد فكره الهيمنة العالمية,تلتقي اولا ,في الاشتراط الاستراتيجي المسبق بتحقيق السيطرة على الاقليم الجيوستراتيجي المركزي من العالم,في قلب (اوراسيا) الذي يمثل اهم الملاعب الدوليه على الارض والتي بحتمل ان يظهر من عليها في وقت ما المنافس المتوقع لامريكا.

       تتكون منطقة القلب الارضي –كما حددها الجيوبوليتيكيون- من عدد كبير من الدول التي تتباين في حجوم قوتها النسبية ومدى تطلعاتها الاستراتيجية,فهي تضم روسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق ودول اوروبا الشرقية واسيا الوسطى بالاضافة الى افغانستان والصين ( عدا اجزائها الساحلية الجنوبية والشرقية).

      لقد صاغ واضعوا التخطيط الاستراتيجي الامريكي الاستراتيجية التي رؤوها مناسبة للتعامل مع هذه المنطقة بما يتلائم مع مصالح الولايات المتحدة الامريكية في الاحتفاظ بقوتها العالمية ومكانتها الفريدة على المدى البعيد وذلك من خلال التعاطي السياسي المتعدد الوجوه مع القوى الرئيسية الفاعلة في منطقة القلب, او القوى والدول الاضعف نسبيا وذلك من خلال احتلال اهم مركزين للثقل السياسي والاقتصادي العالميين  وهما افغانستان والعراق, وعلى هذا الاساس يمكننا تصنييف السياسات الامريكية المعتمدة للتعامل مع دول وقوى منطقة القلب الارضي وكما يلي:-

1-السياسة الامريكيه للتعامل مع روسيا,والتي تشمل تجميعا بين سياسات الاحتواء والتطويق ومحاولات تفكيك وحدة الاتحاد الروسي والبر الروسي في اوراسيا.

2-السياسة الامريكية للتعامل مع الصين,والتي تشمل مزيجا مركبا من سياسات الاحتواء والارتباط والتطويق.

3- السياسة الامريكية للتعامل مع بقية دول الاقليم الاضعف,وهي مجموعة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي وافغانستان والهند وباكستان والتي تتوزع بين السيطرة المباشرة والسيطرة غير المباشرة.

4- سياسة الاحتلال المباشر في افغانستان والعراق والسيطرة على منطقة الشرق الاوسط وفرض هيمنتها المباشرة على منابع النفط في المنطقة من خلال مشاركة الكيان الصهيوني بصورة خفية تارة وتدخل مباشر تارة اخرى.

   وعلى الرغم من ان تحقيق السيطرة على هذه المنطقة الحساسة في العالم (اوراسيا) تبقى مسألة نسبية,الا ان اقدام الولايات المتحدة الامريكية على قبول وتبني هذا التحدي الجيوستراتيجي,قد دفعها الى تحشيد جميع طاقاتها لتحقيق هذا الهدف,مستخدمة لذلك جميع وسائلها السياسية والاقتصاديةوالعسكرية فضلا عن الالاعيب الدولية المتناقضة التي تلعبها في هذه الدولة او تلك ومن خلال الدعم الاقتصادي والسياسي المؤقت لتلك الدول بغيه الضغط عليها وتطويعا لتنفيذ تلك السياسات الخبيثة التي تنتهجها.

اولا: الوسائل السياسية

       تشير اراء الكثيرين من الكتاب والباحثين الاستراتيجيين الامريكان,ممن ساهموا في التنظير للاستراتيجية الامريكية للقرن الحادي والعشرين,ان على الولايات المتحدة الامريكية ان تمارس سياساتها في العالم في اطار مناطق متصلة, وليس في اطار دول محددة. لان ذلك هو مدلول الخريطة السياسة ومقتضاها. وفي نفس الوقت,فأن التعامل مع مناطق يمكن السياسة الامريكية من استيعاب وتفريغ اداعاءات قوى محليه تتصور نفسها قائمة على ادوار اقليمية في المناطق التي تتواجد فيها,ومنثم, ترتب لنفسها امتيازات تطالب بها مستقبلا. وفيما يبدو,فأن سياسة التطويق الجغرافي السياسي هي السياسة التي تعتمدها الولايات المتحدة الان في منطقة القلب

( افغانستان والعراق) والدول المحيطة بهاتين الدولتين.فهذا التطويق في شكله العام -كما تراه الولايات المتحدة الامريكية- هو الذي تعتمد عليه امكانيه النجاح الامريكي,ليس فقطفي انجاز الاستهدافات التكتيكية والعسكرية التي تتضمنها الاستراتيجية الامريكية في هذه المنطقة من العالم,ولكن ايضا في ترسيخ وضعية احادية القطب الامريكي الذي تفترضه للسيطرة على الساحة العالمية,والمهيمن على توجهات النظام الدولي وترتيبات القوى المختلفة في اطاره.كذلك, فأن تبني خيار التطويق او الاحتواء الستراتيجي قد جاء متأثرا الى حد كبير بالرغبة في التأثير على توازنات القوة بين القوى الرئيسية الفاعلة في منطقة القلب, وبالأخص كل من روسيا والصين والهند وباكستان,وكذلك الفدرة على الاستيعاب ومن ثم توجيه التغيرات الداراماتيكية والسريعة التي تشهدها المنطقة الان. فالتحولات السياسية والاقتصادية التي جرت منذ بدايه عقد التسعينات,في كل من من اوروبا الشرقية وروسيا وبقية دول ماكان يعرف بالاتحاد السوفياتي,وهي تحولات لم يسبق لها مثيل من حيث النطاق والمدى ,فهذا التوزيع الجديد الشامل للقوى السياسية والاقتصاديه يمتد  عبر اوراسيا ويشمل الظهور التدريجي للصين باعتبارها قوة عالميه لاحقة.وفي الوقت ذاته,فأن الاسلحو النووية التي جعلت الردع –في سنوات الحرب الباردة- امرا خطرا وضروريا في وقت واحدلم يتم التخلص منها كليا فضلا عن عدم السعي لمنع تطويرها بالاضافة الى ظهور طارئ جديد وهو ايران لامتلاك هذا السلاح, وهي تهدد الان –كما ترى الولايات المتحدة- بالوقوع في ايدي دول معاديه لها او جماعات غير مستقرة او في ايدي ارهابيين كما تسميهم.ومن ثم, اذا كان من الصعب العثور على تهديدات من النوع التقليدي,فأن الخطر على امن الولايات المتحدة لازال قائما وليس من الصعوبة السيطره عليه .

     وبناءا على ذلك,فقد رسمت الولايات المتحدة استراتيجيتها للسيطرة على هذه المنطقة الشاسعة بالاستناد الى بعض من مفاهيمها المعهودة عن الاحتواء والتطويق  وفي اطارعام يشمل يشمل جميع الدول والقوى في هذه المنطقة ,مع التسليم بوجود فوارق اساسية في التعامل بين دوله واخرى, والمثال الابرز في هذا الصدد هو عدم التماثل الواضح بين سياسات الولايات المتحدة في التعامل مع كل من روسيا والصين من جهة, والدعم اللامحدود للكيان الصهيوني من جهة اخرى.فبالنسبة لروسيا, فان المنظور الجيوستراتيجي الامريكي حيالها,يتضمن الرغبة في عدم عودتها كدوله اتحادية اوراسية مؤثرة في موازين القوى ,مع عدم وجود الرغبة كذلك في ان تتحول في المستقبل الى دوله ديمقراطيه ضمن الحيز الاوروبي مع العمل المستمر على محاوله تفكيك ما تبقى من رقعتها المترامية الاطراف.

      وهنا فاننا يمكن ان نؤشر هدفيين اساسين تتخذهما الاستراتيجية الامريكية في مواجهة الموضوع الروسي, الاول: هو تفكيك روسيا الذي يمكن تسريعه عن طريق تحريض النزعات الاستقلالية في القوقاز, والحضور والعسكري الامريكي في اسيا الوسطى. والهدف الثاني:هو الاحتفاظ بقدر من التوتر في علاقة الولايات المتحدة مع روسيا من اجل منع التقارب بين اوروبا وروسيا نفسها وكذلك توحيد الجزء الغربي من اوروبا عن طريق الاحتفاظ الى اطول وقت ممكن بالتناقض الموروث عن الحرب الباردة.كذلك فأن هناك رغبة امريكية في ان تكون روسيا مصدرا من مصادر تجديد الاحساس الاوروبي بالحاجة الى الوجود الامريكي في اوروبا على حساب المصالح الاوروبيه والروسية المشتركة.ومن هنا جاء الاتجاه الامريكي نحو توسيع حلف الناتو لاحتواء روسيا من جبهة اوروبا اولا, مع اتباع سياسة نشطة في دول اسيا الوسطى من اجل الحد من النفوذ الروسي في هذه المنطقة ثانيا, فضمن هذين المجالين, شرق اوروبا واسيا الوسطى كان السعي الامريكي والغربي لتحطيم اسس احياء اي مشروع روسي لبناء امبراطوريه جديدة في اوراسيا, يمر عبر دعم الاستقلال السياسي للدول التي استقلت حديثا عن الاتحاد السوفيتي السابق, مع تشجيع هذه الدول على الانضمام الى الحلف الاطلسي المتوسع, وفي هذا الصدد فأن ثلاثا من تلك الدول تتمتع باهمية جيوبوليتيكية خاصة ,هي اذربيجان واوزبكستان واوكرانيا. وجاء احتلال كل من افغانستان والعراق بعد الدراما المفتعلة لحادث 11 سبتمبر ليزداد هذا التطويق وليكون مباشرا من جهة والتلويح باستعمال العصا ضد ايران من جهة اخرى فضلا عن التخطيط للسيطرة على نفط بحر قزوين في المستقبل القريب.وعليه نرى ان هناك تناقضا في المصالح بين الموقف الروسي والموقف الغربي والامريكي في عموم اوراسيا امر واقع, غير ان فارق القوة والتفوذ تدعم الموقف الامريكي على حساب الموقف الروسي الذي لم يستطع لحد الانتبني طريقا واضحا يعبر عن وجهة نظرخارج اطار الحدود السابقة للرؤية التقليدية للاتحاد السوفييتي السابق.ولقد جاءت جميع سياسات ومواقف الغرب تجاه روسيا ما بعد السوفيتيه على النمط الذي يحرص على تحجيم التأثير الروسي في محيطه الاوراسي,مع عدم السماح لها بدور بارز في الشؤون العالمية الا ضمن موقع الدوله التابعة للغرب, مع وضع روسيا كدوله ونظام سياسي امام اعادة تشكيل شامله على النمط الامريكي والغربي.

   بناءا على ما تقدم,فقد تكثف الجدل في الولايات المتحدة على مدى السنوات القليلة الماضية بين مدرستين ووجهتي نظر تتجادلان حول الاستراتيجية التي يجب ان تتبعها السياسة الامريكية تجاه الصين.وقد تبلور اتجاه المدرسة الاولى,في الدعوة الى سياسة احتواء مع الصين شبيهةبالسياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي عندما برز كقوه منافسه بعد الحرب العالمية الثانية, اما المدرسة الثانيه,فهي دعت الى مواصلة سياسة الانفتاح على الصين, والارتباط معها في برامج من التعاون الاقتصادي والامني والتكنولوجي,بل وبناء مشاركة معها حول القضايا المختلفة مثل منع انتشار الاسلحة ومشاكل البيئة والتبادل الثقافي وغيرها من القضايا.

         لقد ركز اصحاب نظرية الاحتواء على تنبؤهم بصعود الصين كقوة محاربه, وبشكل يقود حتما الى عدم الاستقرار في اوراسيا, ويتحدى المصالح الحيوية الامريكيه فيه, ويجادل اصحاب هذه النظرية بأن ظهور صين قويه سوف يدفعها الى تحقيق قائمة طويلة من الطموحات الاقليمية والاقتصاديه ايضا, الامر الذي يجب تواجه الولايات المتحدة بحسم ,وبدعم حلفائهاعلى الاطراف الصينية( اليابان ,كوريا الجنوبيه وتايوان وزيادة انتشار القوة الامريكية في اسيا. وهنا, فأنه لاحاجة للقول بأن علاقة سياسية قويه مع اليابان هي من صميم المصلحة الجيوستراتيجية العالمية لامريكا والاستراتيجية الامريكية العليا تجاه اوراسيا والصين. فامريكا لن تكون قادرة على التوافق مع طموحات الصين الاقليمية, الا من خلال تحالف وثيق مع اليابان. وهو ما عملت الولايات المتحدة على تفعيله من خلال التأكيد بأن هذا التحالف لم يفقد دوره المحوري في اسيا بعد انتهاء الحرب الباردة. كذلك فقد استمرت في اسناد هذا التحالف من خلال تمتين وجودها السياسي والعسكري في كوريا الجنوبيه, وهو التواجد الذي يوفر الغطاء السياسي  الذي تحتاجه عمليه ادامه التحالف الامريكي مع اليابان.

     اما فيما يتعلق بتايوان, فقد عملت الولايات المتحدة على دعم قضية تايوان في المحافل الدوليه, سواء في الامم المتحدة او المنظمات الاقتصاديه, كمنظمة الجات ومنظمة التجارة العالمية. وعندما طرحت الصين سياسة دوله واحدة ونظامان, فان الولايات المتحدة اعتمدت سياسة تقوم على توازن فعال بين احترامها لالتزامها بمبدأ صين واحدة وبين دعم تايوان سياسيا واقتصاديا. حيث تسوغ الولايات المتحدة مشروعية موقفها هذا بشبكة المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي تربطها بتايوان منها: ماتقدمه تايوان من نموذج للديمقراطيه وسياسة اقتصاد السوق وفق النمط الغربي,ورغبة البلدان في تشجيع استمرار الصين في اصلاحاتها السياسية والاقتصاديه, واخيرا موقع تايوان الاستراتيجي الذي يقدم اهميه خاصة لامن ومصلحة الولايات المتحدة في تأمين تواجد غير محسوس بالقرب من الصين. كذلك,فأن قضية تايوان تمنح الامريكيين المبرر المستمر لاثارة موضوع حقوق الانسان في تعاملهم مع الصين مع اضعاف الاتهامات الصينية لامريكا بالتدخل في الشؤون الداخليه الصينيه,اذ وجدت الولايات المتحدة ان من المناسب تماما التأكيد لبكين ان اعادة التوحيد لايمكن ان يتم الا بعد ان تصبح الصين اكثر رخاء واكثر ديمقراطيه. وان مثل تلك الصين وحدها يمكن ان تشجع تايوان وتجذبها لاستيعابهاضمن صين كبرى تكون ايضا مستعدة لان تصبح كونفيدراليه.ومما لاشك فيه, ان الكونفيدراليه التي ترغب بها الولايات المتحدة للصين هي تلك الكونفيدرالية التي تضعف مركزية بكين بين اقاليمها بما يؤدي الى اضعاف وحدة الدوله الصينية.

     واما عن الطرف الاخر في الولايات المتحدة الامريكية اي المدرسة التيتدعو الى الارتباط مع الصين,فانها تتفق على ان الصين تنمو بشكل اقوى, ولكنها تجادل بأن نوايا الصين تظل في حاله سيوله, وان استباق الولايات المتحدة يبني سياسة الاحتواءوالعداء للصين انما هو مخاطرة بتحقق هذه النبوءة التي لم تتحق بعد, وان معامله الصين كعدو سوف يجعلها كذلك, ويذهب اصحاب هذه المدرسة الى ان توسيع العلاقات الاقتصادية والحوارات الرسمية حول القضايا العالميه المشتركة سوف يزيد من احتمال ان تتصرف الصين بطريقة تتفق مع المصالح الامريكية. ومما تقدم نجد ان تبادل الخيارات مع الصين سيتواصل في صيغ تجمع بين الاحتواءوالارتباط. فبالرغم من اعتقاد الولايات المتحدة بصعوبة مقاومة ظهور قوة سياسية صاعدة مثل الصين, لانها تقع خارج منطقة النفوذ الامريكي, مع وجود الرغبة في الافادة من الفرص الاقتصادية الكبيرة التي تتيحها العلاقة مع الصين, الا انها تعتقد بامكانيه عرقلة صعود الصين كقوة عظمى منافسة, من خلال تصعيد القلاقل والمشاكل الداخلية فيها, واذا ما فشلت هذه السياسة فيمكن احتواء الصين من خلال اشراكها في سياسات منع الحروب وانتشار اسلحة الدمار الشامل . وكذلك فيما يخص شبه الجزيرة الكورية باتجاه اهدافها في شرقي اسيا. ويتجلى ادراك الولايات المتحدة لهذه الحقيقة في حرصها على ان تكن طرفا في اي تحالف اقليمي اسيوي تسعى الصين الى ايجاده, لكي تبقى الحركة الاستراتيجية للصين تحت مراقبتها واشرافها. ولهذ نجد ان التأثير الامريكي في منطقة القلب قد امتد ايضا الى الاصطفاف السياسي في المنطقة من خلال حرص الولايات المتحدة على ان تصبح الطرف المبادر والاكبر في تشكيل اي تحالفات مستقبلية في اوراسيا, مع استباقها في اجهاض اي محاولات من قبل الاطراف الاقليمية المؤثرة نحو بناء تحالفات سياسية خارجة عن سيطرتها وبالتالي تجنب دخول حروب معها اذا ما هددت مصالحها في المستقبل.ففي عام 1996 طرح وزير الخارجية الروسي يفغيني بريماكوف تركيزا جديدا على كل من الصين وايران. وقد توفع بعض المحللين السياسين ان تؤدي سياسة بريماكوف الى تقويه المسعى باتجاه قيام تحالف جديد مضاد للهيمنه الامريكية يضم القوى الثلاث التي تمتلك المصلحة الجيوبوليتيكية في تقليص سيادة امريكا في اوراسيا. فالعلاقات الصينية الايرانية القائمة في مجال تجارة الاسلحةالى جانب الميل الروسي الذي اتضحت ابعاده في مساعدة ايران في مسعاها الى امتلاك الطاقة والقنبلة النووية كانت تؤمن اطارا مثاليا لقيام حوار سياسي اوثق يقود الى تحالف نهائي تكون نتيجته ولو من الناحية النظريةعلى الاقل , ان تجمع القوة السلافية الرئيسية في العالم مع القوة الاسلامية الاكثر عنفا وتطرفا(ايران) والقوة الاسيوية الاكثر قدرة والاكثر سكانا مكونه بذلك تحالفا فعالا تسعى الولايات المتحدة من خلال سياساتها المختلفة الى تطويقه واحتوائه ثم فشله. فضلا عن مساعي كل من روسيا والصين الى اقامة توازن استراتيجي عالمي جديد منافس للتوسعية الاطلسية التي تقودها امريكا في اوروبا واسيا,بالرغم من ان كلا من روسيا والصين قد اكدتا ان هذا التفاهم الاستراتيجي ليس موجها ضد احد وانه لا يعني اقامه تحالف بين الدولتين. الا انه لايخفى ان هذا لتفاهم قد يتحول الى تحالف في المدى الطويل ويمكن ان يضم دول فعاله اخرى في المنطقة كالهند وباكستان وبعض الدول الاقليمية الاخرى وهو الذي تخشاه الولايات المتحدة وتسعى الى افشاله .وقد تأكد ذلك من خلال قيام الولايات المتحدة باحتلال كل من افغانستان والعراق ونشر قواتها فيهما  وبناء القواعد العسكرية الضخمة تحسبا لاي مستجدات تولدها مثل هذه التحالفات ان وجدت وتحققت, والذي من شأنه ان يقود الى حرب كونيه ثالثة لاتعرف نتائجها وعواقبها الا بعد وفوعها.

       ويرى المحللون السياسيون والخبراء العسكريون في الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي الى ان اي تحالف يضم روسيا والصين مع اي من ايران او الهند ودول اقليمية اخرى لايمكن ان يقوم الا اذا كانت الولايات المتحدة قصيرة النظر الى الحد الذي يجعلها تثير عداوة هذه الدول جميعا في وقت واحد.

ثانيا: الوسائل الاقتصادية

        تتوزع اساليب ووسائل العمل الاقتصادي في سيطرة الولايات المتحدة الامريكية على دول منطقة القلب في اوراسيا, بين تقديم المساعدات الاقتصادية الى هذه الدول, وتوجيه التدفقات الاستثمارية الغربية اليها, والاشراف على عمليات اعادة هيكله اقتصاداتها وتحوله من النظام الاشتراكي الى النظام الرأسمالي, تمهيدا لربطها بعجلة الاقتصاد الامريكي والعالمي.بالاضافة الى تأمين نفاذيه المصالح الامريكية الى هذه المنطقة, وبالاخص, شركات النفط للوصول الى مصادر الطاقة الغنية في اسيا الوسطى والحؤول دون تمكين القوى الاقليمية الرئيسية من السيطرة على هذه المصادر.وكذلك الحرص على منع ظهور تكتلات اقتصادية اقليمية خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة وذات سياسات واهداف تتعارض مع المفهوم الامريكي للمصالح الاقتصادية العالمية.ومما لاشك فيه ان اللولات المتحدة الامريكية لاتزال تملك في حوزتها الكثير من وسائل وادوات تحقيق هذه السيطرة اقتصاديا, فالاقتصاد الامريكي مازال الاكثر حيوية والاقدر على التجدد وتلك حقيقة تعكسها سيادة الدولار على غيره من العملات في اسواق العملات العالمية. ولا ينبغي أن يؤخذ ما يحدث للاقتصاد الامريكي من دورات انكماش او ركود مؤقتة بين الحين والاخر كاساس للحكم على قوة هذا الاقتصاد. فالأكيد أن الرأسمالية الامريكية هي الان في اقصى درجات قوتها وكل ما يلزمها هو: ترك الاسواق مفتوحة ومنع اي طرف من التدخل في حركتها, وفي هذا الاطار فأن واحدا من اهم الاهداف التي تدفع الولايات المتحدة نحو تحقيق السيطرة الاقتصادية في منطقة القلب,هو لعدم ترك الاسواق الضخمة والواعدة في هذه المنطقة وبالاخص سوق الصين عرضة لاي اعتبارات سياسية او وطنية تتعارض بالضرورة مع سعي الولايات المتحدة الى تحويل جميع مناطق وقارات العالم الى سوق عالمية واحدة تحت سيطرتها.

      لقد كانت نهاية الحرب الباردة مع دول الكتلة الاشتراكية وروسيا الموعد المتوقع لكي تستعيد الولايات المتحدة تطبيق بعضا من بنود مشروع مارشال ولكي تدخل في مشاريع انمائية مع هذه الدول. غير ان الاسهام الامريكي بعد الحرب الباردة,لايمكن مقارنته في شئ مع مشروع مارشال الذي اقامته الولايات المتحدة لانعاش اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فكان اقصى ما تحقق للاقتصاد الروسي, هي فترة الاصلاح السياسي والاقتصادي قد جاء من صندوق النقد الدولي, ولكن بأييد قوي من الولايات المتحدة. بالاضافة الى جهود مماثلة قامت بها الولايات المتحدة لقبول روسيا في اسرة الدول الصناعية الكبرى.الا ان احجام الولايات المتحدة عن تقديم المساعدات الاقتصادية والمالية التي كانت روسيا ما بعد السوفييتة في امس الحاجة اليها, قد جاءت فيما يبدو, ضمن اطار سلسلة من سياسات الابتزاز السياسي والضغوط الاقتصادية المنظمة لحمل روسيا على قبول اشتراطات ومطالب الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية, فالولايات المتحدة كانت تدرك جيدا دقائق الوضع الاقتصادي الروسي وحاجة هذا الاقتصاد الماسة للدعم الخارجي. فالمعالجين الاقتصاديين الروس لم يعثروا لفترة طويلة على وصفة علاج معينه لب}سهم الاقتصادي, ماعدا التصور المحدود عن الاقتصاد الحر الذي تديم روسيا حياتها بما تحصل عليه من الامدادات الاتيه من الغرب جراء التوجه اليه.

       لقد كان المطلوب امريكيا, هو ان تعلن النخبة الحاكمة في روسيا عن قبولها بكل المتطلبات الغربية المتعلقة بمنظومة مختلفة للقيم السياسية والاقتصادية, بمعنى ان تقبل هذه النخبة الحاكمة بمسؤولية اعادة بناء روسيا على نمط غربي, وبالادق نمط امريكي قبل ان تتلقى روسيا اي مساعدات اقتصاديه حقيقية من جانب الغرب. فالنظام الاقتصادي المطلوب انشاءه يجب ان يكون رأسماليا يسمح بتطبيق المساواة في المعاملة بين ممثلي المصالح الروسية المحلية وبين ممثلي المصالح الاجنبية في روسيا, مع احترام قاعدة بيع القطاع العام الروسي وموارده الطبيعية للاجانب كما للروس. وبمعنى اخر, فأن المطلوب هو ان تتخلى الدوله الروسية عن اسلوب التدخل والتخطيط المركزي للاقتصاد وان تترك السوق المحلية في روسيا لتفاعلات العرض والطلب مع الخارج. وعلى هذا الاساس, فأن الرؤية الاقتصادية في سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا تتضمن الرغبة في ان تسلك روسيا دور التابع اقتصاديا للغرب, مع استلاب مؤسساتها الاقتصادية دورها في الحياة الاقتصادية في الداخل, وكذلك تحجيم تأثير روسيا واستفادتها الاقتصادية في محيطها,وهو ما يتضح اكثر عند تتبع خطوط السياسة الامريكية للسيطرة على منابع النفط والغاز الطبيعي في منطقة اسيا الوسطى وحوض بحر قزوين. فقبل انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن بحر قزوين في الواقع سوى بحيرة روسية كبيرة مع جزء جنوبي صغير واقع ضمن المحيط الخارجي الايراني. ولكن مع قيام اذربيجان المستقلة وذات التوجه القومي الحاد يعززه تدفق مستثمري النفط المتلهفين من الغرب, واستقلال كازاخستان وتركمانستان, لم تعد روسيا سوى واحدة من خمسة اطراف تمتلك ثروات حوض بحر قزوين. ولم يعد بوسعها بعد ذلك ان تفرض القدرة على التصرف بمفردها بتلك الثروات.

    لقد قدرت الاحتياطات النفطيه لحوض بحر قزوين بحوالي 150 مليار برميل, بينما قدرت احتياطاته من الغاز الطبيعي بحوالي 75 تريليون متر مكعب, في نهاية عام 1994. وهذا ما يعادل 15% من اجمالي احتياطات النفط ونحو50% من احتياطات الغاز في العالم, مما يدرج هذه المنطقة في المرتبه الثانيه عالميا, بعد المملكة العربية السعودية التي يبلغ احتياطي النفط فيها قرابة 259 مليار برميل, ويشكل حوالي ربع الاحتياطي المكتشف في العالم. وكذلك فأن احدى الدول الواقعة على بحر قزوين, وهي تركمانستان تمتلك لوحدها كميات كبيرة من الغاز الطبيعي, حيث يتجاوز الاحتياطي المكتشف فيها 102 تريليون قدم مكعب, مما يجعل هذه الدوله الثالثة في العالم من حيث احتياطي الغاز الطبيعي بعد روسيا وايران.

     وبذلك, فقد باتت المنطقة الممتدة من جبال الاورال الى الحدود الغربية للصين من اسيا الوسطى في نظر السياسة الامريكية منطقة حيوية استراتيجيا بالنسبة للمصالح الامريكية. فالبعد النفطي, انما يكتسب اهمية خاصة, سواء من منظور الاستهدافات الاستراتيجية الامريكية في التمركز بالقرب من منابع النفط واحتياطاته الاستراتيجية في العالم, كما هو الحال مع نفط الخليج العربي كمثال, او من منظور ان نفط وغاز منطقة بحر قزوين يمثلان ركيزة اقتصاديه يمكنها ان تغير معالم المنطقة بما سوف توفره من ثروات هائلة لدول المنطقة

( روسيا, ايران,تركمانستان, كازاخستان واذربيجان). وما احتلال افغانستان وايران بعد احداث 11 سبتمبر /      2001 الا وسيلة لتحقيق هذه الهيمنة الامريكية على هذه الثروات الضخمة, وبرأي الخبراء والمحللين الاقتصاديين هي التي ستكون السبب الرئيسي والمباشر لديمومة عجلة الصناعة والاقتصاد الامريكي والغربي. , وهنا, لنا ان نلاحظ كيف ان هذا العامل, وما يتواكب معه من صفقات شركات النفط العاملةفي منطقة اسيا الوسطى, مرتبط في توجهات السياسة الامريكية بالشرطيين التاليين,الاول, يتمحور حول تجنب تعزيز الدور الروسي من جديد في اي نشاط اقتصادي يتصل بالجمهوريات السوفييتية السابقة وخاصة جمهوريات اسيا الوسطى . والثاني, يتمثل في ممارسة اقوى الضغوط على الصين, التي ستطالب بفرصة الوصول الى احتياطات النفط في هذه المنطقةفي العقود المقبلة لضمان ديمومة صناعاتها المخلفة وبالتالي اقتصادها.

     كما اصبحت الادبيات الاقتصادية الامريكية في الاونة الاخيرة تتحدث بأسهاب حول مشاكل وخيارات نقل نفط اسيا الوسطى الى المستهلكين, وحول الصراعات الحادة على خارطة انابيب النفط التي ترى ان من يسيطر على المنطقة يستطيع ان يفرض الخارطة التي يريد والتي تتوافق بالضرورة مع مصالحه ومصالح حافائه. فروسيا ترغب بأن تمر انابيب النفط عبر اراضيها لتصب عبرها في موانئها على البحر الاسود لينقل من هناك الى اوروبا وسواها من الدول المستهلكة, كما ان بعض الشركات الاوروبية لاسيما الفرنسية منها, اقترحت نقل نفط بحر قزوين عبر ايران. فجميع دول اسيا الوسطى والقوقاز, هي دول مغلقة وان جميع طرقها الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة تمر عبر ايران باستثناء جورجيا. ونجد ان ايران وروسيا فقط هما اللتان تمتلكان حدودا مع دول اسيا الوسطى والقوقاز, وتبقى ايران فقط هي التي تمتلك طرق المواصلات البرية والبحرية مع روسيا واسيا الوسطى. الا ان الولايات المتحدة التي تسابقت شركات نفطها على امتيازات التنقيب في دول اسيا الوسطى

تعارض العبور عبر ايران لاسباب سياسية, كما تعارض العبور عبر الاراضي الروسية.لذلك فقد عملت على استكمال تطويق النفوذ الروسي في منطقة اسيا الوسطى وبحرقزوين من خلال توفير اعتمادات مالية لمد خط انابيب النفط من باكو في اذربيجان الى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط, وهو المشروع المنافس للمشروع الروسي لنقل النفط الاذربيجاني عبر اراضي روسيا. ففي اذربيجان, البلد المهم جدا نفطيا من دول اسيا الوسطى, اصبح فيها 44% من النفط بمثابة ملكيات للشركات الامريكية وهي تعد اكبر نسبة يملكها اي شريك. وهو ما يفسر اصرار الولايات المتحدة في جعل اراضي اذربيجان العقدة الاستراتيجية لنقل نفط اسيا الوسطى الى باقي انحاء العالم.

     لقد كان البعد النفطي واحدا من اهم الابعاد الاستراتيجية الاساسية التي دفعت الولايات المتحدة نحو مد نفوذها الى منطقة اسيا الوسطى في قلب اوراسيا, فأذا ما استطاعت ضم احتياطي هذه المنطقة الى احتياطي نفط الخليج العربي الذي تسيطر عليه منذ بدايه العقد الماضي , فأنها سوف تصبح بذلك مسيطرة على 75% من احتياطات النفط العالمية,ومتحكمة في امكانيه وصول النفوط المستخرجة من هذه المناطق الى الدول الصناعية الكبرى في العالم , اليابان والاتحاد الاوربي وكذلك الى روسيا والصين. حيث ستحتاج الصين, بوجه خاص الى الاستيراد المكثف اعتبارا من العقد الثاني  من هذا القرن وخصوصا اذا ما استمرت معدلات النمو الاقتصادي فيها على وتيرتها الحالية. وكذلك فأن من الواضح تماما ان الولايات المتحدة سوف تستعمل حاجة الصين المتعاظمة للطاقة خلال القرن الحادي والعشرين بما يحقق توازنا استراتيجيا بين طموحاتها في الهيمنة الاقتصادية على العالم وبين طموحات الصين في أن يشهد هذا القرن بروز نموذجها الاقتصادي الجديد. فالصين ستكون مختلفة عن كل قوة عرفها العالم حتى الان, لان النظام السياسي والاقتصادي الذي تنحو الى تطويره هو هجين فريد يضم اثارا كثيرة بين عناصر من الاشتراكيه والرأسمالية على حد سواء, وسيكون مختلفا ايضا عن اي نظام اقتصادي يعرفه العالم اليوم وفي المستقبل القريب. وكذلك فأن الصين مساحة وسكانا هي اكثر من خمس العالم, وبالتالي فأن الطفرة التنموية غير المسبوقة التي استطاعت تحقيقها كان لابد ان تمثل صدمة لتصورات مفكري الهيمنة عن عالم ما بعد الحرب الباردة بانه (نهاية التاريخ).

     وفي ضوء هذا التحول بدأت الصين وامكاناتها ينظر اليها بمنظار جديد من حيث ما حققته في العقدين الاخيرين ومنذ ان شرعت في اصلاحها الاقتصادي, وما سجله ناتجها القومي الاجمالي من نمو بلغ 9% سنويا,

 و 13%  في بعض مناطقها الساحلية. واصبح التوقع انه اذا ما حافظت الصين على هذا المعدل,فانه من المحتمل ووفقا لتقديرات البنك الدولي ان تتصدى الصين خلال 25 عاما للويات المتحدة, وتصبح صاحبة اكبر اقتصاد عالمي. وبالفعل فقد تمكن الاقتصاد الصيني من اظهار الكثير من المؤشرات التي تدعم هذه التوقعات. منها ان الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين قد سجل فائضا مستمرا لصالح الصين في الاعوام الماضية , ومسجلا لعام 1999 لوحده نحو 70 مليار دولار.

        لقد كانت الصين في الماضي غير قانعة بأوضاع النظام الدولي . وكانت الدبلوماسية الصينية تتصف بالسلبيه والايديولوجية الشديدة اكثر مماتصف بالمساهمة والمشاركة. اما في السنوات العشرين الاخيرة, فقد ركزت الصين على قضايا الاقتصادية المحلية, فيما كانت تهاجم الولايات المتحدة بين فتره واخرى منتقدة استراتيجية الهيمنه التي تمارسها واشنطن لاحتواء الصين. كذلك فأن ترتيب الاوليات في السياسة الخارجية للصين في مطلع القرن الحادي والعشرين اصبح يركز في المقام الاول وفوق اي اعتبار اخر على دفع مستوى طاقة الصين وقوتها الاقتصادية, وبمعى اخر, فأن اي تحرك يؤدي الى تعطيل هذا الصعود السلمي في الصين يجب ان يستبعد حاليا ايا كانت المكاسب المؤقته من وراء هذا التحرك. وهذا يعني ان الصين تتحاشى كليا على المدى القريب والمتوسط اي صدام مع الولايات المتحدة حول اي قضية. فالعلاقة مع الدول الصناعية المتقدمة تزداد اهميه مع تزايد احتياجات الصين للتكنولوجيا المتقدمة وبالتالي تستمر العلاقة مع الولايات المتحده  في مكانه متقدمةمن الاهتمامات. فالدفاع عن الصعود السلمي للصين يقتضي العمل على ايجاد ساحات مصلحة مشتركة لمنع تفجير الخلافات وخاصة بعد احتلال افغانستان والعراق بهدف السيطرة على مناطق الطاقة في الشرق الاوسط واسيا الوسطى, لخنق متطلبات الصين من النفط وبالتالي اجهاض طفرتها الاقتصاديه.

   اما بالنسبة للولايات المتحدة المتحدة فهي لم تغير في نظرتها الاقتصاديه ازاء الصين وانما تطورت لتشكل اهميه كبيرة في علاقتها معها. فالصين اكبر سوق استهلاكيه في العالم يتعدادها البالغ 1.27 مليار نسمة. ومن مصلحة الولايات المتحدة السيطرة على هذه السوق وخاصة في ظل الانفتاح والاصلاح الاقتصاديين. هذا من ناحية, ومن ناحيه اخرى, فأن سوق الصين يمكن ان تمثل مجالا هائلا للاستثمار الامريكي خاصة مع ارتفاع معدلات نمو الاقتصاد الصيني التى وصلت عام 1998 الى 7.8% من مجمل نمو الاقتصاد العالمي مقارنة بالنمو الاقتصادي الامريكي الذي وصل لنفس السنه 3.5%. ولذلك كان لابد لها من اسلوب جديد للتعامل مع الصين في المجال الاقتصادي, وبشكل يضمن لها ارتباطا اوثق معها, ويمنع اي تحالف اقتصادي صيني- اوراسي  او صيني-اسيوي يمكن ان يكون كتله اقتصاديه تضر بمصالح الولايات المتحدة. وهذا الاسلوب يتمثل في جذب الصين في اطار تكتلات اقتصادية ودوليه وتحجيم دورها بدلا من تركها منفردة لتنمو وتنتظم ضمن تكتلات اقتصاديه اقليمية وتكوين كتلة تهدد مصالح الولايات المتحدة العالمية. حيث لا يمكن لتكتل اسيوي عدائي يضم  اكثر الدول اكتضاضا بالسكان وموارد هائلة مع بعض اكثر الشعوب الصناعية ان يتفق مع المصالح القوميه الامريكيه.

    وعليه, فقد سعت الولايات المتحدة الى مساعدة الصين في الانضمام الى منظمة التجارة العالمية لوضع نشاطها الاقتصادي تحت رقابه واشتراطات المؤسسات المالية والاقتصاديه الدوليه التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية.كذلك, فأن جر الصين الى تعاون دولي اوسع ومنحها المكانه التي تتطلع اليها سيؤديان الى تشذيب النهايات الحادة للطموحات الوطنية الصينية. ولعل من الخطوات المهمة في هذا الاتجاه, شمول الصين في القمة السنوية لدول العالم المتقدم (مجموعة السبع) خصوصا وان روسيا دعيت لحضورها. فالصين رغم كل المظاهر لاتمتلك في الواقع اختيارات استراتيجية كبيرة. فالنجاح الاقتصادي الصيني المتواصل يظل معتمدا بشدة على تدفق رأس المال والتكنولوجيا الغربيين وعلى النفاذية الى الاسواق الاجنبية, وهذه حقيقة تحد كثيرا من اختيارات الصين. 

إلى صفحة مُشاركات الزوار5