17/08/1428  

المقامة البارازانية
آل البارازاني والعمالة بالوراثة

  بقلم : عز الدين بن حسين القوطالي

 

  لعلّنا لا نضيف أي جديد حين نقول إن تقسيم العراق الى دويلات طائفية وأثنية مختلفة يعتبر من أهمّ أولويات الحركة الصهيونية ومشروعها الخبيث في المنطقة والذي يتنزّل اليوم في إطار ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير وهو الطبعة الجديدة من شعار – من الفرات الى النيل أرضك يا إسرائيل – الذي شكّل الأساس النظري والعقائدي والإستراتيجي للحركة الصهيونية العالمية منذ قيامها والى يومنا هذا.
وها أننا اليوم نقف عند إحدى صفحات ذلك المشروع التقسيمي من خلال محاولة العميل الأصغر مسعود إبن العميل الأكبر مصطفى البرازاني فرض علم بديل عن العلم العراقي رمز الوحدة الوطنية العراقية وعنوان تاريخ وحضارة وماضي ومستقبل بلاد الرافدين بالتزامن مع إرتفاع الأصوات الناعقة المنادية بقيام ما يسمى بفيديرالية الوسط والجنوب أو  دولة آل الحكيم في محافظات البصرة والناصرية والعمارة .
إستقوى العميل الأصغر البارازاني بالولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا محاولا إستغلال الوضع الأمني والسياسي المتدهور في العراق لتحقيق مكاسب على طريق الإنفصال والتجزئة والتقسيم خدمة للغاية الكبرى لدولة بني صهيون التي تقف موضوعيا في خندق واحد مع الحركة الإنفاصالية الكردية إنطلاقا من المقولة الشهيرة لمنظري الصهيونية العالمية المتمثلة في إعتبار الحركة الصهيونية والحركة الكردية حليفان بالضرورة على إعتبار أن كلّ منهما يمثل الأقلية المضطهدة في الوطن العربي.
وسبقت ذلك مؤشّرات هامة تمهّد الطريق لمضي العميل البارازاني قدما في إتجاه تحقيق الهدف الصهيوني في تقسيم العراق وتقطيع أطرافه إذ نتذكّر جميعا تصريح جفري آرجر نائب رئيس حزب المحافظين البريطاني حين أكد في إجتماع حاشد في مدينة دهوك مطلع 1992 مخاطبا الزمر الكردية العميلة المتصهينة قائلا : (( لا يجب أن تطالبوا فقط بالحكم الذاتي بل عليكم أن تطالبوا بالإستقلال أنا أتمنى أن أرى كردستان مستقلة ... )) وهو تصريح موثق في العديد من الصحف الصادرة آنذاك كصحيفة صوت العراق العدد المؤرخ في 22/02/1992.
ولقد توهّم العميل مسعود بأنه حان الوقت لإعادة أمجاد جمهورية مهاباد الكردية التي ساهم والده الملا مصطفى في إقامتها سنة 1946 مستقويا آنذاك بالجيوش السوفياتية التي إحتلّت أجزاء كبيرة من إيران إبّان الحرب العالمية الثانية وواثقا تماما من إخلاص الرفاق السوفيات ووفائهم لمبدأ حق تقرير المصير ووقوفهم دائما الى جانب القضية الكردية ولكن الأحداث أثبتت فيما بعد أن إستقواء الكرد بالإتحاد السوفياتي كقوّة محتلة لأجزاء من إيران لم يجد نفعا ولم يقف حائلا دون السقوط السريع والمدوّي لجمهورية مهاباد وإعدام قائدها قاضي محمد وعدد من معاونية في آذار/مارس 1947.
والحقيقة أن الغباء والوهم هما صفتان ملازمتان للزمرة البارازانية وقع توارثهما أبا عن جد فقد سبق للعميل الأكبر مصطفى البارازاني أن توهّم بأن إعتماده على شاه إيران سوف يؤدّي الى تحقيق غاياته في الإنفصال وتأسيس دولة  كردية في شمال العراق والكلّ يعلم ما آل إليه وضع الحركة الكردية بعد إمضاء إتفاقية الجزائر وسحب الشاه لجميع أشكال الدعم المادي والعسكري واللوجستي التي كانت تقدّم الى العميل الأكبر قائد التمرّد الإنفصالي.
فالإستقواء بالأجنبي ومحاولة إستغلال الوضع وفرض الأمر الواقع ليس من شأنه أن يؤدي بالضرورة الى تحقيق الغايات الإنفصالية بل يمكن أن ينقلب السحر على الساحر إذ لا صديق للقوى الإستعمارية المستقوى بها وبصفة خاصة إمبراطورية الشرّ المطلق المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تخجل حينما باعت حليفها في المنطقة الشاه محمد رضا بهلوي بأبخس الأثمان وتركته يلقى مصيره المحتوم وكذلك هو الأمر بالنسبة لبينوشيه وغيره من البيادق العملاء الذي باعوا أوطانهم وسلّموا رقابهم الى قادة البيت الأسود الأمريكي وحلفائهم في بريطانيا .
ومع ذلك فإن العميل الأصغر البارازاني كان وفيا للخطّ الذي إنتهجه والده العميل الأكبر والمتمثل في القبول بدور ورقة الضغط بيد الآخرين تحقيقا للمصالح الآنية الضيقة على حساب مصلحة ومستقبل العراق فكان العميل المتصهين الملا مصطفى البارازاني أداة طيعة بيد الرفاق السوفيات أيام قيام جمهورية مهاباد وبعدها وأصبح بين عشية وضحاها طابورا خامسا لشاه إيران ومن ورائه أمريكا أعوام 1973-1974 ثمّّ حلّ محله إبنه العميل الأصغر ليشكّل أداة بيد الحكومة العراقية المركزية حين إستنجد بها في صراعه مع جلال الطالباني عام 1996 وبعد ذلك أصبح بيدقا في رقعة الشطرنج التركية حين إستعمله أحفاد كمال آتاتورك للقضاء على فلول حزب العمال الكردستاني التركي وطرده من شمال العراق .
إن خطّ العمالة والخيانة الذي إنتهجه آل البارازاني يتجلّى بوضوح تام من خلال عقد القران التاريخي الذي ربط بين الحركتين الكردية والصهيونية إذ يقول الكاتب اليهودي الأمريكي شلومو نكديمون في كتابه ( الموساد في العراق ودول الجوار إنهيار الآمال الإسرائيلية الكردية ) إن الملا مصطفى البارازاني كان يرى ضرورة الإتصال المباشر بالكيان الصهيوني منذ عام 1963 ليساعده في تحقيق حلم الأكراد في بناء حكم ذاتي ولقد قام بزيارة الكيان الصهيوني في منتصف إبريل 1968 وإلتقى رئيس الكيان الذي خاطبه قائلا : (( تخلى عن فكرة الحكم الذاتي وأعمل من أجل إقامة دولة كردية )) ولقد إعترف مناحيم بيغن السيئ الصيت في 29/09/1981 أن إسرائيل ساعدت الأكراد بالأسلحة والمال وأن الخلافات التي كانت تقع بين الفصائل الكردية تسبّب له الإزعاج !!!! . ولعلّ من المفيد بالنسبة للقارئ الكريم الرجوع الى الدراسة القيمة للدكتورة حنان أخميس والمنشورة في صفحات الإنترنات للوقوف على حجم العلاقة القائمة بين كيان الغصب الصهيوني والحركة الكردية المتصهينة بزعامة العميل الأصغر مصطفى البارازاني .
ومن هذا المنطلق فإن قرار العميل البارازاني المتعلق بتنكيس العلم الوطني العراقي يتنزل بالضرورة في إطار منهج التقسيم ومخطط التفتيت الذي وضعته دولة الحقد الصهيوني تمهيدا لقيام ما يسمى بالشرط الأوسط الجديد إذ أن المشكلة ليست في العلم بحدّ ذاته بل تكمن في القيمة التاريخية والمعاني السامية والأهداف النبيلة التي يحملها ذلك العلم المقتبس من قصيدة سلوا الرماح للشاعر العراقي صفي الدين الحلي الذي لم يتصوّر يوما أن قصيدته سوف تكون مصدر إلهام لعلم الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين ومجسّمة  للقاء الثورات في مصر وسوريا والعراق عام 1963 ومؤّكدة لصمود وحيوية ونضالية وإيمان هذه الأمة من خلال إضافة كلمة الله كبر خلال أمّ المعارك سنة 1991.
فمعاني الإستقلال والثورة والتقدّم ومقاومة الظلم والجبروت والقهر والنضال الأسطوري من أجل الوحدة والدفاع المتواصل عن الشرف والكرامة هي التي يريد العميل الأصغر مسعود البارازاني أن ينكّسها اليوم ويمرّغ بها التراب ويستبدلها بمشاريع التجزئة والخنوع والذلّ والتبعية والرجعية المتجسّدة في العلم الجديد الذي لا رائحة ولا طعم له ولن نجد في الأخير ردّا أشمل وأوسع وأكثر تعبيرا عن عمالة آل البارازاني من قصيدة صفي الدين الحلي ذاتها التي يقول فيها :
 
إنّا لَقَوْمٌ  أبَتْ  أخلاقُنا     شَرفـــاً             ****         أن نبتدي بالأذى من ليسَ يوذينا
 
بِيضٌ   صَنائِعُنا ، سودٌ   وقائِعُنــا         ****        خِضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضِينـا

لا يَظهَرُ العَجزُ منّا دونَ نَيلِ مُن           ****           ولو رأينا المَنايا في أمانينـــا
 
 
تونس في : 30/08/2007
 

إلى صفحة مُشاركات الزوار5