29/06/1428

 

 أي حرب أهلية؟الاحتلال إحتلال، ومقاومته مقاوم

 

 بقلم : علي الصراف

 

القول "ان العراق سيغرق في أتون حرب أهلية تودي بحياة الآلاف اذا انسحبت القوات الامريكية"، قول ممجوج ويهدف في الواقع الى تغطية مأزق الاحتلال وتأجيل المحتوم.

ولكن المأزق الذي لم يمكن الخروج منه، بعد أربع سنوات من أعمال القتل والملاحقات ونشر الدمار، لن يمكن الخروج منه بأربعة أسابيع ولا بأربعة أشهر ولا حتى بأربع سنوات أخرى. وفي النهاية فان المحتوم سيقع، ليس لأن الولايات المتحدة لن تقدر على تغطية تكاليف حرب بلا نهاية، بل لأن التفسخ القائم سوف يجعل المستنقع (حكومة العملاء، برلمان الترهات، سرقاتهم، تناحراتهم، فشلهم) أكثر عفونة وتفسخا مما كان. وهذا ما سيجعل أي أمل بتحسين الخراب الراهن مجرد وهم لأناس يغلب عليهم العمى.

الحقيقة هي ان التفسخ تحوّل، هو نفسه، الى "نظام" ينخرط فيه الآلاف ليتخذوا منه سبيلا للبقاء بعد انهيار كل نظام.

بالأمس القريب، على سبيل المثال، تمت سرقة نحو 300 مليون دولار من أحد بنوك بغداد. فإذا اتضح ان لصوصا هم وراء العملية، فهذه نصف مصيبة، لان قسطا من الأموال سيذهب بين أسر اللصوص، وبالتالي مبروك عليهم،...

وإذا إتضح ان احدى مليشيات الاحتلال وراءها فهذه مصيبة، لانها تعني ان فساد حكومة الاحتلال بلغ حدا من القبح لا سبيل للسيطرة عليه،..

وإذا اتضح ان للمقاومة يدا في العملية، فالمصيبة أعظم (على الاحتلال)، لأن هذه الأموال ستوفر تمويلا للمئات من العمليات.

هذا المستوى من التفسخ سيستمر ويتفاقم الى حد يجعل من المستحيل على قوات الاحتلال ان تبني حكومة، او تنأى بنفسها من العواقب، او تحقق أي قدر من الاستقرار، او تنفذ أي مشروع من مشاريع البناء.

وفي وضع كهذا، فان ملايين الناس سوف يجدون انفسهم جزءا من "الطرف الآخر": الاعتراض، الاحتجاج، ثم المقاومة.

وحيث ان أعمال الانتقام التي تقوم بها قوات الاحتلال ومليشياته لا تني تزداد وحشية، ففي بيئة اجتماعية يشكل الثأر جزءا من طبيعتها، فان مستويات العنف ستظل تتصاعد ليظل الجحيم جحيما ويزداد.

ولكن هذا كله ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. ولا شيء جديدا فيه على أي حال.

الجديد والمفاجئ والذي سيجعل الأفواه تفغر دهشة واستغرابا، هل تعرف ماذا سيكون إذا انسحبت قوات الاحتلال؟

كل مظاهر التفسخ سوف تتوقف على الفور. وفي غضون أسبوعين سيعود العراق ليبدأ مسيرة التعافي. والحرب الأهلية لن تقع.

هذه هي المفاجأة التي ستجعل العالم كله يلف ويدور برأسه متسائلا: معقول؟

وستكشف وقائع الأيام أي هراء كانت ماكينة إعلام الاحتلال تحشو به العقول الفارغة.

 

× × ×

 

أين ستذهب "نظرية" الحرب الأهلية؟

بعض الحقائق قد يفيد:

أولا، "الحرب الأهلية" قائمة بالفعل. و"الآلاف الذين سيموتون فيها" يموتون بالفعل كل يوم وكل اسبوع وكل شهر منذ أربع سنوات. وهي حرب الاحتلال نفسه. فلكي يبقى ويتحكم بمصير العراق، صنع الاحتلال مليشيات على أسس طائفية، وقسم المناصب على أسس طائفية، ووزع الحصص على أسس طائفية، وشرع بأعمال قتل وحشية على أسس طائفية، ودفع هذا ليضرب ذاك على أسس طائفية. فاذا كان هذا الواقع جزءا من المعاناة، فان أول ما سيفعله العراقيون، بعد زوال الاحتلال، هو انهم سيكفرون بالطائفية كما لم يكفروا بأي شي آخر من قبل. وستصبح كلمة "شيعي" او "سني" عارا ما بعده عار. على الأقل على سبيل رد الفعل.

وبين وقائع كثيرة، ما يزال العراقيون يتذكرون عندما وقع حادث التدافع على جسر الأئمة قبل نحو سنتين، وقفز مئات المتظاهرين من شيعة مدينة الكاظمية الى النهر، كان أبناء سنة مدينة الأعظمية (التي تُحاط اليوم بأسوار كونكريتية) هم الذين تحولوا الى غطاسين لانقاذ الغرقى، بعفو الخاطر، وبقوة الضمير الاجتماعي العراقي.

فإذا زال الاحتلال، هل تعرف من سيقوم بهدم تلك الأسوار؟...

ثانيا، لا توجد أسس اجتماعية للحرب الأهلية. ما صنعه الاحتلال منها سيذهب معه.

ثالثا، إذا انسحب السيد فان كلابه سوف تنسحب معه. (وفي الواقع، لمن يعرف "أصل الأنواع" في العراق، فان هذه الكلاب ستنسحب قبل سيدها أصلا. وهي تنهب، على أي حال، وتنقل الأموال الى الخارج من اجل ان تهرب أسرع). وهذا سيُفرغ العراق من الكثير من مليشيات العملاء والمتواطئين مع الاحتلال. وهم اليوم "القوة الضاربة" الوحيدة للطائفية في العراق.

رابعا، عندما تجد مليشيات العملاء نفسها من دون قادة، ماذا ستفعل؟ هل تحارب "في سبيل الله"؟ ام تنقلب على قادتها؟ وإذا كان الكثير من عناصر هذه المليشيات يعملون فيها على سبيل الارتزاق، فهل يبقى المرتزقة ليواصلوا "النضال" بعد  هرب الممول بالمال؟ (إسال الحمار).

خامسا، ايران لن تكون قادرة على تمويل "حرب أهلية" عجزت الولايات المتحدة عن تمويلها. واذا حصل وقررت ايران ان تغرق في مستنقع العراق، فانا سأكون واحدا من أسعد الناس. لأنها ستخسر وتنهار، والعواقب ستكون اكثر من وخيمة إقليميا.

سادسا، وحتى لو قررت ايران والسعودية وتركيا التدخل لاقتسام العراق، فان وضعا كهذا سيجعل كل العراقيين "جزءا" من المقاومة، بمن فيهم الأكراد. وسيُهزم الاحتلال الثلاثي، كما هُزم احتلال "تحالف الراغبين". (إسال الحمار أيضا).

سابعا، المقاومة ضد الاحتلال "مقاومة وطنية". انها مقاومة سنة وشيعة ومسيحيين وأكراد في آن معا. فاذا كانت هذه المقاومة هي سبب كل أوجاع الاحتلال، فانها هي التي سترث، بوطنيتها، عراق ما بعد الاحتلال.

ثامنا، العراقيون متطرفون، ويذهبون بطبيعتهم من أقصى الأشياء الى أقصاها. فإذا كانت الطائفية هي سلاح الاحتلال، فان الوطنية (في حدها الأقصى) ستكون هي سلاح الاستقلال وإعادة البناء.

تاسعا، الأكراد سينتظرون ما تقوله بغداد. (وإلا فانهم سينتظرون ما تقوله أنقرة).

عاشرا، إذا بقيت عمامة من عمائم التواطؤ لم تسقط، فهذا سيعني انها نزلت مع الرأس.

وسيكون أمن، وسيكون سلام، وتكون إعادة بناء. وستعود بغداد المآذن والكنائس، كما كانت، تاجا على رأس أهلها، ورمزا لوحدة العراق.

 

× × ×

 

من حق العراقيين، على أي حال، وهم في ظل الحرب الأهلية التي ينظمها ويمولها الإحتلال ان يجربوا عزل عامل الاحتلال عنها. وهم ليسوا في حاجة الى "حرب أهلية" اخرى،..

أولا، لا توجد لحرب كهذه أي مبررات امنية ولا اجتماعية ولا اقتصادية بعد زوال السبب والعلة.

ثانيا، العراقيون اذا كانوا بحاجة الى دولة، فان دولتهم لا تستطيع ان تحكم ولا ان تُحكم بعقلية المليشيات، كما تثبت الوقائع الآن. ولا بلصوص ولا برعاع ولا بعملاء. شيء ما في طبيعة العراقيين (لم يفهمه خبراء البنتاغون) يجعل ذلك غير ممكن.

ثالثا، الحرب ضد الاحتلال، لم تكن حرب سنة ضد شيعة، ليكون الانتصار فيها انتصارا لطائفة ضد أخرى.

رابعا، ولأنها كانت وما تزال حربا وطنية من اجل السيادة والحرية والاستقلال، فان المعاني الوطنية لهذه الحرب لا تُبقي، بطبيعتها، مكانا لحرب تدور رحاها بين طائفة وأخرى. الاحتلال إحتلال، ومقاومته مقاومة. لا توجد طوائف في هذه المعادلة إلا بمقدار ما جلب الاحتلال. والمقاومة هي مقاومة ليس للاحتلال وحده، بل ولما جلب أيضا.

خامسا، الحرب ستكون حرب بناء. و"مليشيات" ما بعد الاحتلال ستكون فرق عمل لتنظيف الشوارع واعادة الخدمات وفتح المدارس وتشغيل المؤسسات وفق أفضل المعايير والضوابط الوطنية والمهنية.

سادسا، إذا كان الاحتلال مستفيدا من تقسيماته الطائفية، فان هذه التقسيمات لن تفيد أيا من القوى التي تخوض غمار المقاومة ضد الاحتلال الآن. وأول شيء ستفعله، لكي تُبطل باطل الاحتلال، هو ان تلغي كل ما أقامه الاحتلال وكل ما قام عليه.

سابعا، العراق غير قابل للقسمة. فمن ناحية، يجب تقسيم بغداد. وهذا مستحيل ديمغرافيا، إستحالته أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ومن ناحية أخرى، لان التقسيم (اذا حصل) سيجر وراءه تقسيما بعد آخر. كردستان ستعود لتكون بهدينان وسوران تقصف برلمانها المشترك بالمدافع (أم هل نسينا؟)، والشيعية سيقسمون مناطقهم الى "حوزات" و"حسينيات"، وسيظهر السنة كما لو انهم الطائفة الوحيدة الموحدة، ليس لانهم من دون مذاهب، بل لان الحرمان سيوحدهم على الحرمان.

ثامنا، إذا كان التقسيم سيجر تدخلات إقليمية، فهذه ستعيد الوحدة الى العراقيين، إن لم يكن لمصلحة وطنية، وإن لم يكن لمقاومة، فسبب الغطرسة. والعراقيون "شايفين روحهم" على الجوار حتى وهم بهذه الحال. فاذا جاء الجندرمة فسيعاملوهم بالعفاط (إسال...).

تاسعا، قد تنشب "حرب أهلية" ولكن ليس بين السنة والشيعة، ولا بين العرب والأكراد، ولكن هل تعرف بين مَنْ ومَنْ؟ بين سنة الوطنية ضد سنة العمالة، وبين شيعة الوطنية ضد شيعة العمالة، وبين نظرائهم من الأكراد ضد الاكراد. ولكن هل تعرف لماذا؟ لأن العار إذا زال، يبقى غسيله.

عاشرا، صحيح ان كل ما تقوم به حكومة الاحتلال هو طائفي، وطائفي، وطائفي حتى النخاع، إلا انها (لسبب ما، يبدو انه مهم) لا تجرؤ على قول ذلك صراحة، وهي ما تزال تعوي بكلام التقية المضاد الداعي الى... "محاربة الطائفية". (إسال نوري المالكي).

غير ذلك، فسيعود العراق عراقا افضل مما كان وأكثر إستقرارا مما كان. وسيبدأ رحلة الشفاء، قل ربما بعد أسبوعين، لا أكثر، من رحيل الاحتلال.

وسيُصيب العراقيون بالدهشة كل مَنْ لم يذهب ليسأل جورج بوش ما إذا كانت الولايات المتحدة أفضل حالا لو إنها انتخبت حمارا غير هذا الحمار.

إلى صفحة مُشاركات الزوار5