26/07/1428

 

إضاءات على التجربة القسامية

الأستاذ عبد الصمد القسام "رئيس اللجنة التحضيرية لتجمع اللجان الشعبية - ساند"   محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي في مخيم اليرموك بدمشق

19/7/2007

 مقدمة

من الصعب تناول التجربة القسامية الفذة يشكل مختصر، فكل ما فيها يزخر بالدروس، ويدعوا إلى المزيد من التمحيص والتدقيق، لاستخلاص المزيد من العبر، واستكمال فهم معالم ما جرى، ليصار إلى تقديمه دون شوائب قدر المستطاع. وينطبق ذلك أيضاً على مولد ونشأة رائد هذه التجربة الشهيد القائد عز الدين القسام، وبدايات تحصيله العلمي، حتى تخرجه من الأزهر الشريف عام 1904.

ولأننا نريد تقديم أوسع مساحة وأعمقها من الفهم، في مدة زمنية قصيرة، سنعتمد على الإضاءات السريعة، لكن المركزة، لنقترب من الشمولية قدر الإمكان في إعطاء هذه التجربة الفريدة حقها أو جزءاً من حقها.

بعد استشهاد القسام بفترة وجيزة، دخل ديفيد بن غوريون إلى اجتماع اللجنة المركزية لحزب ماباي الصهيوني وجبينه يتفصد عرقاً، وأصر على إدراج مسألة " مقتل القسام" على جدول الأعمال، وأمام استغراب البعض أوضح قائلاً: " إن مقتل القسام ينذرنا بأن مستقبلنا كله سيبقى محفوفاً بالدماء ... ، هذه أول مرة نرى فيها زعيماَ عربياً يموت من أجل قضية، لقد تعودت الشعوب العربية على زعماء كل همهم التمسك بالزعامة على حساب كل شيء، ليقدم القسام أنموذجاً مختلفاً، كله خطر علينا، لقد فتح باباً سيكون من العسير إقفاله". هذه شهادة العدو به ، وللأسف هناك من العرب والفلسطينيين من شكك في جدوى هذه التجربة، ( العدوان الأخير على لبنان وهزيمة العدو واعترافه بذلك).

 المؤثرات الثقافية التي صاغت شخصية القسام:

1-   العلوم الإسلامية والعربية التي درسها في الأزهر 1896 أو 1897 وحتى 1904 .

2- أفكار الثورة العرابية بزعامة أحمد عرابي في مصر رغم أن عرابي خسر المعركة العسكرية عام 1882 ولكنه فاز ببعثه روح الجهاد في نفوس الناس.

3-   الصحافة السياسية في مصر (رشيد رضا).

في جبلة ، بعد تخرجه من الأزهر، كان الشيخ القسام  يزور البيوت لإقناع الأهلين بوجوب تعليم أبنائهم " العلم أولاً والعمل ثانياً"، وقد فتح مدرسة في جبلة عام 1912 لتعليم الأطفال والشباب نهاراً والرجال الكبار مساءً، فدرّس الحديث وتفسير القرآن الكريم ...، إلى أن أضحى اسمه على كل لسان في جبلة وبانياس وطرطوس واللاذقية، وفي كل قرى التركمان والحفة وجبل صهيون ... وعندما صار خطيباً في جامع المنصوري، كان المصلون يتوافدون لسماع هذا النمط الجديد من الخطب التي تهز المشاعر وتعالج المشكلات اليومية وتتناول هموم المسلمين، وتقدم لهم الإسلام غضاً طرياً بعيداً عن الخرافة والبدع ... وكان قد كسر العرف عندما اعتلى المنبر وقال: " كونوا أعزة كرماء ... و ... لا إيمان لمن رضي بالخنوع واستكان للظلم، واستعذب العبودية للبشر"، وفي هذا إشارة إلى التسلط الإقطاعي.

  كذلك كان القسام رائداَ في محاربة الغزو الإيطالي لطرابلس الغرب، وفي محاربة الاحتلال الفرنسي لسوريا. ففي 10/10/1918 ، أحتل الأسطول الفرنسي اللاذقية، فكان القسام أول من رفع راية مقاومة فرنسة في تلك المنطقة، وأول من حمل السلاح في وجهها، وكان من نتاج دعايته أن اندلعت نيران الثورة في منطقة صهيون، فكان في طليعة المجاهدين".

مراحل الإعداد لمقاومة الفرنسيين:

·        التعبئة المعنوية: المسجد والمدرسة والجولات على القرى.

·   بيع بيته وشراء السلاح ليكون القدوة. ( ما فعله إبراهيم هنانو من حرق لبيته كي لا يشكل عاملاً للضغط عليه من قبل المحتل الفرنسي) .

·        تدريب المتطوعين على استعمال السلاح وفنون القتال.

·        العمل العسكري، التحصن في الزنقوفة ...  فشلت كل محاولات إغرائه، فحكم عليه بالإعدام.

·        التنسيق مع القيادات الثائرة.

ففي العام 1919 قدمت إلى اللاذقية لجنة( كراين- الأمريكية) لاستفتاء المواطنين في شأن تقرير مصير البلاد السياسي، واختيار دولة لتكون وصية عليها، شخص وفد من جبلة لمقابلتها وكان الشيخ من أعضائه، ولما سُئِل عن رأيه قال بإيمان وجرأة: " لا وصاية ولا حماية" فقال رئيس اللجنة: نعتقد إنكم لا تستطيعون إدارة بلادكم...، فرد الشيخ عليه قائلاً: " إننا نستطيع وليس غيرنا أقدر منا في ذلك، إذ لدينا قوة لا يملكها سوانا" وأخرج القرآن من جيبه وقال: " هذه قوتنا".

 لكن أي مؤمن وأي رجل دين كان ذلك الشيخ الذي مقت التعصب الديني والطائفي وحاربه، ودعا إلى الإجماع الوطني والتعاون بين العرب على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم ومشاربهم ...، صافي العقيدة منعتقاً من ربقة الجمود والتزمت والغلو، منكراً لكل ما يند عن جوهر الدين وعن سمو مثله... كان واسع الأفق في فهم جوهر الدين وحقائقه ومفاهيمه الحضارية ومدركاً واعياً لدور الدين ورجاله على مسرح الحياة العامة... لقد جسد مبدأ العالم ِ والعامل ومبدأ القائد الذي يسبق جنوده إلى أرض المعركة، وهو القائل: " إذا كنت إمام الناس فكن أمامهم".

من أشهر المواقع التي خاضها القائد القسام وجماعته، معركة ( بانيا)، حيث تمكن القسام مع ثلة من المجاهدين من الإغارة ليلاً على الثكنة الفرنسية وقتل حاميتها في آذار عام 1920.

* عام 1968، كتب نجله محمد عز الدين القسام في إحدى أوراقه الخاصة حول تجربة والده الشيخ القائد القسام ما يلي: " ... كما أنه استوعب خبرات ودروس ثورة جبل صهيون، والتي أوضحت له:

1- أن تعدد مجموعات الثوار كان سبباً في انتكاسة الثورة، حيث أقامت معظم العشائر والطوائف السورية عصابات مسلحة خاصة بها لمقاومة الاستعمار الفرنسي، وقام بين تلك العصابات تنسيق، إلا أمه لم يغن عن الوحدة.

2-  الفراغ الذي أحدثه غياب التنظيم الثوري الذي يخطط ويقود ويبلور جهود وطاقات الشعب.

3-  سياسة الارتجال والحماس السطحي بدلاً من التخطيط العلمي.

4-  إهمال تعبئة وتنظيم الجماهير...

وهكذا استخلص القسام من انتكاسة ثورة صهيون عدة شروط ضرورية لنجاح العمل الثوري:

1-  وحدة أداة الثورة.

2-  إقامة تنظيم ثوري حديدي.

3-  قيادة ثورية صلبة.

4-  تعبئة وتنظيم الجماهير.

5-  التخطيط العلمي في العمل الثوري سياسياً كان أم عسكرياً.

6-  إنضاج الظروف والعمل على تهيئتها لتفجير الثورة.

7- الوضوح الفكري متمثلاً في خط سياسي واضح وسليم يحدد العدو والحليف وطبيعة المعركة والهدف الاستراتيجي والأهداف المرحلية وأشكال الجهاد..."

وفي فقرة أخرى يقول: " وكانت المجالات الجماهيرية التي أفاد منها وتحرك من خلالها القسام ايبث فيها دعايته وتحريضه وينتقي العناصر الصالحة منها لتجنيدها في تنظيمه السري هي:

·        المدرسة الإسلامية في حيفا التي عمل مدرساً بها.

·        جمعية الشبان المسلمين التي انتخب رئيساً لها فيما بعد.

·        جامع الاستقلال ( المدرسة التي بنت الرجال وخرجت الأبطال).

·        قرى شمال فلسطين حيث عمل كمأذون أنكحة فيها.

·        التجمعات العمالية وأكواخ العمال المبنية من الصفيح الصدئ والمنتشرة في أطراف حيفا.

أما عمله كمأذون شرعي فيذكّر بما قاله رداً على انتقادات وصلته بأنه يشارك في الأعراس مع الشباب: " اعملوا عرساً واعزموني، حتى الفرح يريدون مصادرته من قلوب الشباب، إذا لم يتنفس الشباب فكيف يقوم بالمهام الصعبة". أما عن التجمعات العمالية فقد قال: " إن الثورة لا تنطلق إلا من بيوت الصفيح والتنك".

تشكل التجربة القسامية كل لا يتجزأ، فما خاضه القسام في سوريا كان الأساس وحجر الزاوية الذي بنى عليه ما بناه في فلسطين، ولا تستقيم قراءة الجزء الفلسطيني من التجربة دون السوري منها، ونحن إذ نقول فلسطين وسورية فإننا نتحدث عنهما الآن كإقليمين منفصلين، لكن القسام هاجر من سورية إلى سورية ومن ساحل الشام إلى ساحل الشام، وكان دائم الحديث عن عدو واحد بأسماء مختلفة مع التأكيد على خطورة ما تتعرض له فلسطين وضرورة التركيز على بذل كل الجهد هناك إدراكاً منه ووعياً لطبيعة الاستعمار البريطاني وغاياته.

من المفيد في هذه العجالة أن نلمح إلى النموذج اليومي لحياة الشيخ القسّام في فلسطين، حيث قضى سنوات عمره في فلسطينوهو يبدأ عمله من الفجر ولا ينتهي إلا في الساعات الأخيرة من الليل، يبدأ بعد صلاة الفجر بتعليم الأميين من العمال والكادحين، وإعدادهم للجهاد في مدرسة البرج الإسلامية أو في جامع الاستقلال، ويصرف وقته منذ الضحى وحتى صلاة الظهر في الاتصال الحي بالناس وبجماهير العمال في مواقع عملهم ومواطن جلوسهم، ويعود ظهراً إلى البيت ومعه على الأغلب بعض المجندين لمناقشتهم، ويمضي فترة ما بعد العصر في تقديم الدروس الجهادية، ويقوم بتدريب الحلقات على استخدام السلاح في جبل الكرمل، ويعود إلى بيته ليشارك في حوار ساخن أو متشعب مع المجاهدين الذين يأتون إلى بيته عادة في المساء".

التجربة القسامية في فلسطين

خاض القسام تجربتان في تكوين الكتائب الجهاديةقبل التجربة الفلسطينية، لكن الظروف كانت مختلفة، فاقتضى ذلك تغييراً في الأسلوب والمنهج:

-   التجربة الأولى في ظل الدولة العثمانية، وكانت الدعوة إلى الجهاد علنية ضد الإيطاليين الذين غزوا ليبيا.

-   التجربة الثانية كانت في ظل الدولة العربية- الحكم الفيصلي، ولم تكن فرنسا قد سيطرت بالكامل على سورية.

أما حال التجربة الفلسطينية فهو مختلف جداً، فقد جاء القسام إلى فلسطين وبريطانيا قد بسطت نفوذها على جميع أنحاء فلسطين وانتشرت شرطتها ومخابراتها في كل مكان ... وازدادت الهجرة اليهودية وقويت شوكة اليهود،  وكان لهم مخابرات وجواسيس ... فكانت البلاد واقعة بين عدوين متساندين لهدف واحد ... ومما زاد الحال سوءاً أن الزعامة الفلسطينية نهجت طريقاً سنته الإدارة البريطانية ...  فكان لا بد من منهج جديد في الجهاد، يعتمد على السرية ودقة اختيار المجاهدين والحذر الشديد في اختيار الأنصار.

منهج القسام في اختيار الأعضاء ( الاستقطاب):

كانت أولى الخطوات تبدأ بلقاء القسام المصلين في مسجد الاستقلال، وبعد صلاة الجمعة، وفي دروس ما بعد العصر، حيث كان يتفرس في وجوه المصلين ويدرس سخصيات المتأثرين بدروسه وخطبه...

كان يمشي مسافات طويلة مع المرشحين ليختبر قدرتهم على التحمل ( طلبه من أحد المرشحين أن يتبعه إلى منزله بعد الخروج من المسجد وأن يحافظ على مسافة كافية بينهما حتى لا يلفت النظر...)

القسام أستاذاً في التعبئة والتحريض:

سُمِعَ القسام وهو يهدر على المنبر وكان السيف يلازمه في كل خطبه: " رأيت شباناً يحملون المكانس لكنس الشوارع، هؤلاء مدعوون لحمل البنادق، ورأيت شباناً يحملون فرشاة لمسح أحذية الأجانب، هؤلاء مدعوون لحمل المسدسات لقتل هؤلاء الأجانب". كما يكون يقول: " الجهاد رفيقه الحرمان".

لم تخلُ خطبة من خطب القسام من الدعوة لامتلاك السلاح وكان يردد باستمرار: " تسلحو، تسلحوا، وتسلحوا" ولكي يقطع الطريق على عملاء السلطة البريطانية الذين كانوا يراقبون مسيرته، كان ينهي دعوته بقوله: " وخير سلاح ٍ التقوى" . وفي درس من دروسه، أخرج منديلاً من جيبه  وقال: " والله لو أخذ مني بالقوة لقاتلت من أجله" . وقال مرة: " من جرب المجرّب فهو خائن" وهو يشير إلى تجربة العرب مع الإنجليز إبان الثورة العربية على العثمانيين. وروى الشيخ أحمد السعدي- رئيس بلدية جنين أن القسام رفع يوماً مسدساً أمام المصلين، وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقتن ِ مثل هذا.

ذات مرة سأل القسام المصلين من على المنبر: " هل أنتم مؤمنون؟" وأجاب: " لا أعتقد" وسكت قليلاً ليقرأ فعل كلامه، ثم تابع: " لأنه لو كنتم نؤمنين، لكانت لكم عزة المؤمن، فإذا خرجتم من هذا المسجد وناداكم جندي بريطاني، فلا تطيعوا نداءه". كما كان يكثر من قوله: " بأن اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء الشعب الفلسطيني، والسيطرة على البلاد وتأسيس دولتهم"، وكان هذا الرأي الثاقب والإدراك الواعي سنة 1927.

حمل القسام بعنف وصراحة وشجاعة على الزعماء السياسيين التقليديين وعلى أساليبهم الرجعية الاستسلامية التي كانوا ينهجونها مع البريطانيين... ويبرهن على عقمها. كما أنه أهاب بالمجلس الإسلامي الأعلى أن يتوقف عن بناء الفنادق وعن تزويد المساجد بالأثاث الفاخر والزينة... بل أن يبيع ما تحويه ( حتى المسجد الأقصى) مما ليس ضرورياً أن يقتنى في الجوامع... وأن يُشترى بثمنه العتاد والسلاح لمقاومة البريطانيين والوقوف سداً منيعاً في وجه المد الصهيوني. ومن أقواله في هذا المجال: " يجب أن تتحول الجواهر والزينة في المساجد إلى أسلحة... فإذا خسرتم أرضكم كيف تنفعكم الزينة وهي على الجدران" .

وقد دعا مرة إلى تأجيل فريضة الحج وتحويل نفقاته إلى شراء الأسلحة ( طبعاً دعوة القسام ما تزال قائمة حتى الآن بل وتزداد إلحاحاً)، لأن الحج لمن استطاع إليه سبيلاً بعد تأمين نفقة الأهل عند غيابه، وكيف يكون مستطيعاً الحج من سافر لا يأمن من العودة إلى بيته المهدد من الأعداء، فالأولى أن يحمي بيته بسلاح يشتريه بنفقة الحج.

القسام قائداً تنظيمياً فذاً:

ثمة تقدير بأن التنظيم القسامي مر بالمراحل التالية:

الأولى: الفكرة التي كانت تلح على القسام منذ هاجر إلى حيفا نهاية العام 1920.

الثانية: مرحلة الإعداد النفسي للشعب ونشر روح الجهاد وبناء القاعدة التي يستطيع أن يرفع تنظيمه عليها.

الثالثة: مرحلة اختيار عناصر التنظيم وهي مرحلة تختلط بالمرحلتين السابقتين... واعتمد القسام هنا على      العمل السري لبناء تنظيمه بعيداً عن مراقبة ومتابعة السلطات البريطانية والعصابات اليهودية.

الرابعة: الإعداد العسكري بالتدريب على أدوات الحرب المتاحة.

الخامسة: مرحلة التطبيق العملي السري بتنفيذ عمليات جهادية فردية.

السادسة: مرحلة القرار الذي اتخذه القسام بالخروج إلى الجهاد.

وهنا يهمنا أن نضيئ على أمرين هامين وخطيرين:

الأمرالأول هو أن خروج القسام من حيفا مع ثلة من رفاقه لم يكن خطـًأ وأن نتائج هذا الخروج لم تكن فشلاً فالحركة القسامية بميزان الأهداف العامة كانت ناجحة بل ورائدة لا نظير لها. ففي أوائل العام 1935 رأى القائد القسام أن المستعمر يراقب تحركات القساميين مراقبة دقيقة، وكان يخشى أن يعتقل الإنجليز النخبة الصالحة من إخوانه فيفسد مخططات العصبة، قبل أن تظهر، وكان يرى الخروج إلى الجبال والطواف بالقرى وحث المواطنين على شراء السلاح والاستعداد للجهاد". ومما عزز هذا الخيار أيضاَ ازدياد الهجرة اليهودية وتوسع عمليات تهريب الأسلحة لليهود وبكميات كبيرة وكانت لجنة الاستخبارات والتجسس في تنظيم القسام قد اكتشفت ذلك وقد قال القسام في ذلك: " إذا لم نهاجم اليهود فإنهم سوف يهاجموننا". كما كان خروج القسام انقاذاً للشعب من التضليل السياسي الذي يمارسه رؤساء الأحزاب في البلاد، حيث نزلوا إلى الدرك الأسفل من الإسفاف والتخاذل والانصياع للحكومة الانكليزية. ويرجح خروج القسام من حيفا في أواخر شهر تشرين الأول عام 1935، أي قبل استشهاده بأقل من شهر.

عن الهدف والخطة:

1- لم يخرج القسام لإعلان بدء المعركة والمواجهة المياشرة مع الأعداء، فذلك يوم لم يحن بعد... ويؤكد الشيخ الحنفي وهو أحد القيادات القسامية: " إن الشيخ لم يخرج للحرب بل للتدريب على السلاح، وكانت نيته أن تقوم الحرب ضد الانكليز واليهود في يوم واحد، في جميع أنحاء فلسطين". وليلة خروجه قال القسام: " نريد العمل لصحوة الناس، وتهيئتهم للعمل، فإلى متى نظل نائمين" .

2- إن جميع اللفافات الورقية المشمعة( وعددها ثلاثة عشر لفافة) الخاصة بثلاث عشرة مدينة ومنطقة في فلسطين كانت محفوظة في أشرفية بيسان، ضمن عبوة تنكية مدفونة في أرض المزرعة، وكان يوجد في كل لفافة، ما بين عشر ورقات إلى اثنتي عشر ورقة ملفوفة تحتوي على أسماء المجاهين القساميين والتعليمات الضرورية لهم، ومن هذه المناطق : الخليل، غزة، الناصرة، طبرية، عكا، طول كرم، جنين، وتعرف اللفافة من خارجها لأنها معنونة باسم قائد المنطقة الحركي. وفي مناطق أخرى كانت توجد الأسلحة محفوظة ضمن ( الكاوتشوك).

3- ذكر صبحي ياسين في كتابه " حرب العصابات في فلسطين" : ( أن القيادة القسامية قررت احتلال حيفا لمدة ثلاثة أيام، بقصد إحراز مكسب عسكري يكون حافزاً لأبناء فلسطين للالتحاق بالثورة والجهاد من البداية، ولإرهاب السلطة البريطانية منذ الضربة الأولى، وإشعار الحركة الصهيونية بقدرة الثورة... وأن هذه الخطة دُرست دراسة كاملة، وجرى إحساء كامل لعدد القوات البريطانية وأنواع أسلحتها، وكانت احتمالات النجاح مضمونة، وإن لم يكن مكفولاً أن تبقى حيفا بأيدي المجاهدين أكثر من ثلاثة أيام. وقد بقي عدد من إخوان القسام في حيفا ، ليكونوا النواة المقاتلة التي تدعم الثوار المهاجمين القادمين من خارج حيفا.

الأمر الثاني الذي يحتاج إلى شرح وتوضيح هو العلاقة بين القسام وأمين الحسيني، هذه العلاقة التي أثارت الجدل وما زالت دون مبررات موضوعية. فالتناقض واضح بين الرجلين في النشأة وأسلوب الحياة والفكر والسلوك والممارسة وحتى الموت. فالتجربة القسامية كانت الأولى والأخيرة في جهاد أهل فلسطين، لم يسبقها ما يدانيها، ولم يلحقها ما يضاهيها، ومن الناس من حسد القسام على تجربته فادعى أن القسام كان يعمل تحت رايته وبتوجيهه ومشورته، وكيف يكون ذلك والثابت أن الحاج أمين رفض طلب القسام إعلان الثورة في جنوب فلسطين، بل وكان رافضاً لنهج وأسلوب القسام الجهادي الذي اعتبر الإنكليز هم رأس الداء والبلاء، وكان الحاج أمين حريصاَ على ألا يغضب الإنكليز، وكان يثق بوعودهم، ويلتزم معارضة سياستهم بالطرق ( المشروعة) التي شرعها الإنكليز، في صورة مظاهرة مأذون بها، أو تقديم عريضة إلى المندوب السامي، أو حضور مؤتمر يدعوا إليه الإنكليز.

في المدة من 1931- 1935 تأكد أن القساميين المنظمين قد قاموا بأعمال عسكرية في قضاء حيفا. وكانت أولى العمليات الهجوم على مستعمرة الياجور قرب حيفا ليلة 5/4/1931 فقتلوا ثلاثة من اليهود وعادوا دون أن يتركوا أثراً ( ليلة غير مقمرة، حيث وجدت في المنطقة ثلاث طلقات فارغة فقط...) لقد كان المنفذون مدربين بشكل جيد بل ومحترفين... كما هاجم القساميون مستعمرة بلفوريا ومستعمرة كفارهاسيديم ومستعمرة عتليت ومستعمرة العفولة في المرج. أما العملية العسكرية التي أغضبت الإنكليز واليهود وأدخلت الرعب إلى قلوبهم فهي عملية " نهلال" ليلة 22/12/1932. حيث قام المجاهد أحمد الغلاييني بصنع ألغام في معمله في حيفا، وأعطى واحداً منها لمصطفى علي الأحمد الذي زرعه في منزل حرس مستوطنة" نهلال" وعند انفجاره قتل يهوديين وجرح آخرين. دامت الأعمال العسكرية سنوات... فازدادت الحكومة واليهود ذعراً فنشروا الجواسيس ليلاً نهاراً ولم يتمكنوا من اكتشاف الصلة بين العاملين والتنظيم القسامي.

لقد سبق القسام في حسن التنظيم ودقته كل القادة الثوريين على مستوى العالم وباعترافهم أنفسهم. فقد استفاد منه جيفارا وتحدث عنه ماوتسي تونغ في محاضراته ودروسه التعبوية، كما درست التجربة في الأكاديميات العسكرية الروسية. ومع أننا نؤرخ لثمانين عاماً ونيف مضت، فإن الهيكلية والتركيبة القيادية للتنظيم القسامي ما زالت المتبعة في كل الحركات والتنظيمات الثورية على مستوى العالم وخصوصاً الجهادية منها.

تشكل التنظيم القسامي من خمس دوائر أساسية قيادية، تقود وتنظم عمل التنظيم ككل وهي:

1-  التعبئة والتنظيم: ويقودها الشيخ القسام الذي كان يشرف على عمل بقية الدوائر أيضاً.

2-  العسكرية: وتهتم بشراء السلاح ونقله وتخزينه.

3- الاقتصادية: وتخصصت في تأمين النفقات المالية عبر إدارة مشاريع تمويلية، وجمعت المال من الأعضاء والأنصار ورعت أسر المعتقلين والشهداء.

4- الاستخبارات والتجسس على الأعداء: حيث اضطلعت هذه الدائرة بمهام جسيمة وخطيرة وكان لها دوراً أساسياً في حماية التنظيم الوليد وفي كشف تحركات العدو الإنكليزي- اليهودي ومخططاته.

5-  الاتصالات السياسية: وقد أدارها محمود سالم المخزومي.

تفرد القسام في عملية التمويل اللازمة للتنظيم وأعطى درساً لم يفهمه الكثيرون ممن تصدوا لقيادة المقاومة، وبعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ما زال الكثيرون لم يستوعبوه بعد. لقد كان السبب الرئيسي لنجاح تنظيم القسام في السياسة المالية، أنه لم يستخدم المال لكسب الأنصار وزيادة عدد الأعضاء، ولم يكن لأحد في التنظيم راتب وإنما كان الجميع يبذلون كل ما عندهم مختارين، ولذلك فإننا نؤكد أن التنظيم اعتمد على نفسه في المال، ولم يربط نفسه بجهات خارجية، فتحرر من القيود والولاءات الخارجية. وقد نقل عن القائد القسامي أبي إبراهيم الكبير ( خليل محمد العيسى) قوله: " لقد كنا نصرف من عملنا الشخصي على عملنا السياسي" . وكان العضو العامل في الجماعة يبدأ بدفع عشرة قروش شهرياً إلى رئيس حلقته، وبعد أن يمتزج بالتنظيم وينفعل بأحداثه، يفرض على نفسه عُشر دخله الشهري، أو أكثر من ذلك ... ويؤكد إبراهيم الشيخ خليل أن عدداً كبيراً من رفاق القسام كانوا يبذلون كل ما يملكون، بعد سد حاجاتهم اليومية. وقال: " إن المال كان يأني من مصدرين: الأول هو المساهمة الشهرية وكانت مجدية ، والثاني البذل الطوعي.

تولى القسام تدريب المجاهدين بنفسه وكان يخرج ليلاً يدرب الأعضاء على الأسلحة ويوجههم إلى أساليب الكفاح المسلح... وكان حازماً في تدريب المجاهدين ، يقول أحد القساميين: " كان يأخذنا لدروس التدريب وإطلاق النار ويطلب منا أن نمشي حفاةً، وعندما كنا نتدرب في الجبال، كان يجعلنا ننام في العراء في جو بارد، وكان يطلب منا السير دون طعام أو ماء حتى نستطيع تحمل الجوع والعطش، وكان يطل منا أن ننام مرة أو مرتين في الأسبوع على الحصير، بغطاء خفيف، وكان يصر دائماً على سرية إنشطتنا، لذلك كنا نواجه متاعب في بيوتنا مع زوجاتنا وعائلاتنا، لأننا لا نستطيع شرح وتوضيح لماذا ننام بهذه الطريقة. وكان علينا أن نحتمل هذا لأننا تعاهدنا على تنفيذ هذه الأوامر".

من خلال دراسة التجربة بعمق، يمكننا أن نستنبط رأياً للشهيد القسام وإن لم يقله حول امتناعه عن تشكيل حزب إسلامي، وحيث كان يدرك تأثير المسميات في الحياة العامة، لم يضع اسماً لتنظيمه ولم يضع أتباعه بعده اسماً لتنظيمهم مع ما كان لهم من وجود مؤثر في الثورة الفسطينية الكبرى، وقد أطلق الناس على تلاميذ القسام اسم " القساميين" أو " المشايخ" وليس للقساميين رأي في هذا الاسم... وقد كان القائد القسام متنبهاً لما يلي:

1- أن الذين ينضمون إلى حزب إسلامي قد يكونون قله، وهذا يهون أمر المسلمين في البلاد، ويحولهم إلى أقلية، لا يحق لهم بسط سيطرتهم على المجتمع المسلم.. لذلك فقد أخطأ الحاج أمين الحسيني عندما ارتضى إنشاء ( المجلس الإسلامي الأعلى) في بداية الانتداب لأنه نزل بالمسلمين وهم الأكثرون في البلاد إلى مستوى الطائفة التي كانت طابع الأقليات، فترك إدارة المسلمين لأنفسهم في مسألة العبادة فقط، وترك أمر السياسية ةالاقتصاد والداخلية والدفاع للانكليز.

2- أن الأخبار عن جماعة ما بأنهم يمثلون تياراً إسلامياً فيه إقرار بأن أهل الأحزاب الأخرى ليسوا من المسلمين، وهذا يحدث التباعد والجفاء بين أهل الملة الواحدة، ذلك أن أهل الحزاب الأخرى لا ينكرون دينهم الإسلامي وكثير منهم ملتزم بأداء الفرائض، بل يفاخرون بأنهم مسلمون.

يوم الاستشهاد:

بدأت المعركة عند انبثاق نور الصباح، وانتهت قبيل عصر اليوم، ومن أسباب طول المعركة مع انعدام التكافؤ العسكري، أن القسام اتبع خطة لإطالة أمد المعركة لإحداث أكبر قدر من الخسائر في العدو ولإثبات قدرة المجاهدين على مراوغة العدو وبيان مدى استعدادهم العسكري، وكان القسام يريد أن يتنبه المحيط الشعبي إلى حقيقة ما يجري لأن الإنكليز مارسوا حصاراً إعلامياً شديداً دعموه بإشاعات مفادها أنهم يقاتلون قطاع طرق وسلابين. وكانت لدى الإنكليز أسبابهم في إطالة امد المعركة أيضاً ، فقد دخل الرعب إلى نفوسهم لجهلهم بالعدد والعدة التي تحاربهم وربما كان أقوى الأسباب أن الإنكليز كانوا يريدون القائد القسام حياً لأنهم يعرفون أن استشهاد قائد سيحيي سنة الجهاد عند المسلمين ويصبح القدوة المتجددة للمجاهدين. وحصل ما تخشاه السلطة البريطانية، وهو ما يتمناه القسام ... واستشهد القسام فوجدوا في ثيابه مصحفاً ومسدساً وأربعة عشر جنيهاً، فجسد مقولته الخالدة ( هذا جهاد نصر أو استشهاد) وأما الأسرة فقد تركها لله، فهو الوكيل وهو الكفيل ( موقفه مع زوجته لحظة الوداع الأخير).

أما الختام، ولا ختام لهذه المسيرة الجهادية، فقد أجمع العرب والمسلمون على إمامة الشهيد القائد القسام وريادته وسبقه فيما دعا إليه وعمل به، وأقروا بتفرد منهجه التربوي ومسلكه الجهادي، وقد أحبوه حياً وبكوه ورثوه شهيداً، واتفقوا على صدقه في القول والعمل وقالوا فيه الكثير شعراً ونثراً نورد منه أبيات الشاعر حسن الباش التي قالها عام 1992 في ندوة له في جبلة مسقط رأس القسام:

بيني وبينك أســـرار وشطآن               حيفــــا وجبلــة والقســام إخوان

بيني وبينــك عزٌ جئت مولـده               من كرمـــل ٍ مجده قبر وإنســان

حيفا التي ما روت حاراتها قصصاً              إلا وكـــان له من مجدهــــا شـان

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار5