09/07/2006

 

عوني فرسخ ومبادرات الاحتلال!!

كمال عبد الغفور

 صار من الجلي جداً، وخاصة بعد الاستقبال المهين الذي لاقاه بوش في الارجنتين وبعد الفضائح التي تتوالى على البيت الابيض، انه ليس فقط كل شعوب العالم ترفض الاحتلال الامريكي الظالم للعراق بل انه حتى ابناء الشعب الامريكي بدؤا يستفيقون من غفوتهم بسبب قوة وصلابة المقاومة العراقية ورفض رئيسها الشرعي في سجون الاحتلال تقديم اي تنازل او تفريط بحقوق ابناء العراق.

 

في هذا الوقت الذي صارت فيه اعمدة الحكم الامريكي تتهاوى، وصار العدوان على العراق يوشك على الزوال، خرجت علينا الجامعة العربية بتوجيه واضح وصريح من سلطات الاحتلال، بمبادرة احتلالية هدفها الاول والاخير تمييع القضية العراقية وتحويلها الى مساءلة اختلاف في وجهات النظر بين المحتل والخونة الذين قدموا على ظهور دباباته من جهة وبين الشرفاء من ابناء العراق.

 

ورغم ادراكنا التام للتحركات المشبوهه للهذه الجامعة الامريكية الا اننا نستغرب ان يخرج علينا كاتب بحجم عوني فرسخ بدعوات ظاهرها الحياد وباطنها الترويج لشرعية مثل هذه المبادرات، (" المقال كاملا موجود في نهاية هذ المقالة" ؟" حيث كتب يقول: "أما التفاؤل فمبعثة أن يأتي الترحيب بالمبادرة العربية أمريكياً وعراقياً!!!"، سبحان الله، فلقد حول الاستاذ عوني فرسخ المبادرة الامريكية التي يحملها عمرو موسى الى  مبادرة عربية، ثم عاد ليقرر انه يجب علينا ان نتفاءل لان امريكا (صاحبت المبادرة) قد رحبت بها!!

 

لم يعد بخافي على اي انسان ان المحتل الامريكي في العراق يريد ان يخرج من ورطته التاريخية والدولية بدون اعلان الفشل، وان هذا المخرج صار متوقف فقط على ايجاد شرعية لاحتلاله من خلال تجاوز شرعية القيادة الاسيرة في سجون الاحتلال.  هذه القيادة التي تم اسقاطها بالعدوان الغير شرعي والمرفوض دولياً وعالمياًً.  وفي هذا الاطار تأتي مبادرة عمرو موسى التي يتفاءل بها الاستاذ عوني فرسخ على اعتبار انه قد تنجز لنا الاوهام!!

 

صحيح ان الاستاذ عوني فرسخ حاول ان يبرر تفاءله بسرد قائمة من الشروط التي اعتبر انها اذا تحققت ستبرر التفاءل!!، الا ان الاستاذ عوني يعرف ان اي مبادرة سياسية تبدأ شروطها بالظهور حتى قبل ان يقرأ الانسان تفاصيلها، فلوكانت هذه المبادرة قد جاءت عربية مثلما ذهب الاستاذ عوني لسلمنا بان النظر فيها يعتبر امراً مقبول.  ولكننا نعرف جميعاً ان الجامعة العربية لم تتحرك الا بعد ان استلمت التوجيهات من واشنطن، وبل ونعلم جيمعاً ان عملاء الاحتلال في العراق لم يقبلوا بمهمة موسى الا بعد ان صدرت لهم التوجيهات من السفير الامريكي بان هذه المبادرة هي امريكي في الاصل والاساس وان هدفها تحقيق الاستقرار للعملاء والخونة على رؤوس ابناء العراق،

 

فهل هذا مايدعو الى التفاءل؟

 

كان يتوجب على الاستاذ عوني فرسخ ان يسئل نفسه اولاً: "لماذا جاءت هذه المبادرة "العربية" في هذا الوقت بالذات وماهي الظروف السياسية والقوى العسكرية والمادية المساندة لها من قبل الانظمة العربية صاحبت المبادرة!! التي ستحقق لها اي "نجاح"؟

 

بل كان يتوجب على الاستاذ عوني فرسخ ان يسأل نفسه ايضاً: "ماهي هذه المبادرة والى ماذا تهدف، وهل فعلاً يمكن الحديث اليوم في العراق عن مصالحة وطنية بين المحتل والقوى التي قدمت معه من جهة والقوى العراقية الاخرى التي لاتزال تبحث لها عن شرعية في اطار الاحتلال؟"

 

ان المبادرة العربية، يااستاذ عوني، سقطت قبل ان تبدأ لانها تجاوزت الحقيقة الاهم وهي انه في ظل العراق المحتل لاتوجد قوى وطنية الا القوى التي ترفض الاحتلال، وماعدى هذا فهو لعب بالاقوال والكلمات بغرض تمرير جريمة العدوان وانقاذ اصحاب المبادرة من وقع هجمات الشرفاء سواء في العراق او في خارج العراق.

 

السؤال الاخر، الذي كان يتوجب، على الاستاذ عوني، ان يجيب عليه، هو في حقيقة اصحاب هذه المبادرة، وحجم القوى المادية والعسكرية التي يرتكزون عليها لتمرير مبادرتهم، فهل قال لنا الاستاذ عوني، على اي قوى عربية عسكرية ومادية يستند عمرو موسى في مبادرته؟

 

باختصار، ماهي القدرات المادية والعسكرية والارادات السياسية المستقلة التي تتمتع بها الانظمة العربية في مواجهة القوى الامريكية والايرانية في العراق حتى يجد الاستاذ عوني شيء يتفاءل به في هذه المبادرة؟

 

لوكان هذا التفاءل قد جاء من كاتب ومثقف سياسي آخر غير الاستاذ عوني فرسخ لكنا قبلنا به، ولكننا ان نستغرب ان تضيع فلسطين ويتشرد شعبها ويعاني الاستاذ عوني شخصيا بسبب هذه المبادرات الكاذبة للانظمة المتهاوية، ولايتحرج بان يخرج علينا بمثل هذا المقال الذي يتفاءل فيه بمبادرة جديدة من اصحاب الضياع؟!!!

 

لقد كان من بالاحرى  بالاستاذ عوني ان يستهل مقالته المذكورة بنبذة تاريخية للمبادرات العربية التي انقذت فلسطين وشعب فلسطين من الهلاك حتى يبرر لنا بهذه النبذة الافتتاحية مصدر تفاءله بان المبادرة العربية القادمة لن تحقق لنا محققته المبادرات السابقة لشعب فلسطين في الداخل وفي كل انحاء الشتات!!!!

 

لقد سقط المحتل الامريكي مثلما سقط المحتل الصهيوني امام ضربات الشرفاء من ابناء فلسطين والعراق، ولم يهتز المحتل الامريكي ولا المحتل الصهيوني بسبب الجامعة العربية ومبادرات اصحاب التبعية والخضوع الذين يتم توجيههم علناً وجهراً من واشنطن وتل ابيب بلا مواربة او حتى استحياء.  واذا كان قد تحقق شيء يذكر لشعب العراق او فلسطين حتى الان فهو قد تحقق رغم عن، وليس بسبب، هذه المبادرات، فهل نسى الاستاذ عوني تاريخ شعبه مع هذه المبادرات فصار يسوق لنا تحركات هؤلاء الحكام الان؟

 

لماذا لم يطلب عوني فرسخ مثلاً بمبادرة عربية تنقذ الشعب الفلسطيني اليوم من الموت والهلاك الذي يعيشه كل يوم؟ او تنقد لنا سوريا في التفكك في مواجهة قرارات الاعداء؟

 

هل لم يعد هناك في الوطن العربي غير شعب العراق من يتحرق شوقاً وحباً لمثل هذه المبادرات العربية من حكومات التخلف والمهانة والتسول والضياع؟

 

وحتى لايعتقد الاستاذ عوني اننا نهاجم مبادرة السعودية من فراغ، فاننا نذكره هو الذي يبدو غير مطلع على مجريات الاحداث في ارض العراق الان، بان ابناء العراق الذين تخطب ودهم مبادرة عمرو موسى كانوا قد بادروا بانفسهم بزيارة المملكة السعودية منذ فترة، وطلبوا من السلطات فيها التدخل للتصدى لمؤامرات عملاء طهران (لاحظوا انهم لم يطلبوا من حكام السعودية الخاضعين لواشنطن التصدى للاحتلال!! بل طلبوا فقط الدعم العربي في مواجهة الفرس وتأمرهم على شعب العراق)، فردتهم هذه السلطات نفسها خائبين على اعقابهم لان واشنطن لم تصدر لها اي اوامر تقضى بالاهتمام بشؤون شعب العراق؟

 

فماذا تغير اليوم حتى يستفيق اصحاب الفخامة والجلالة والسعادة السمو ويخطبون ود من تم طردهم في السابق شر طرده وتمت اهانتهم بما لايستقيم من السلوك للحكام الخنوع والخضوع والهوان؟

 

الذي تغير، يااستاذ عوني، ان هؤلاء الشرفاء، مثلما هم الشرفاء في فلسطين، صرفوا النظر تماماً في خير يرجى من اتباع الاحتلال، او حق يأتي من حكام الخضوع والخنوع اصحاب التسول والانبطاح بدون حياء.  ان هؤلاء الشرفاء، يااستاذ عوني، اعتمدوا على انفسهم بعد اعتماده على الله، وساندوا المقاومة العراقية في السر والعلن، فركعو المحتل ومع كل عملاء طهران.  والان بعد ان برزت بوادر قوتهم، استنجدت واشنطن باعوانها من الحكام العرب حتى يوقفوا زحف هؤلاء،  فهل نثق الان بهذه المبادرة الامريكية-السعودية التي جاءت لانقاذ الاحتلال وعملاء الاحتلال من ذل الهزيمة والهوان؟

 

من المؤسف حداً ان نجد انفسنا نشرح البديهيات لمن يفترض فيهم انهم ذاقوا الهوان بسبب اسقاطهم لهذه البديهات من الاذهان.  ان المحتل الامريكي الصهيوني للعراق يبحث عن شرعية لاحتلاله بعد ان صار العالم كله يقف ضده بفضل صلابة وشراسة الشرفاء في العراق الذين رفض رئيسهم الشرعي التنازل او تفريط بحقوق ابناء البلاد.

 

هذه هي الحقيقة التي يرفض عوني فرسخ واصحاب المبادرة العربية الاعتراف بها، فلو قبل صدام بالامس او اذا استفاق غداً خانعاً راضياً بشروط الاحتلال فلن يحتاج المحتل لا لعمرو موسى ولاي خائن او عميل آخر استقدمه معه على ظهور الدبابات.

 

معضلة المحتل في العراق تكمن في رفض صدام لاي تفاهم او تفاوض مع الامريكان، هذه هي معضلة الاحتلال، وقوة صدام جاءت ولاتزال من ايمانه العميق بالحق واعتماده الكامل على قوة وصلابة الشرفاء من ابناء العراق.  هذه هي خلاصة المساءلة العراقية التي يهرب البعض منها عن طريق اللعب بالمبادرات والكلمات.

 

لماذا لايبادر عمرو موسى مثلاً بالتوسط للمحتل عند صدام بدلاً من اللف والدوران بحثاً عن شرعية آخرى غير شرعية القيادة الاسيرة في سجون الاحتلال؟  لانه يعرف صدام ومواقف صدام. 

 

اذاً توجب على عمرو موسى ان يبحث عن من يرضى بالخضوع للعدوان حتى يقضى من خلال هؤلاء على قوة وصلابة الشرفاء من ابناء العراق الذين يستمد صدام منها العون والثبات، ويستمدون هم ايضاً كل الشرف والتسامي من قوة وصلابة رئيسهم الشرعي في سجون الاحتلال.

 

هل الالتفاف على القيادة الشرعية والعمل على ضرب المقاومة العراقية، هو مادعى عوني فرسخ للتفاءل بمبادرة اتباع الاحتلال؟

 

ان هذه المبادرة "العربية" ماكنت لتقلى الترحيب من المحتل وعملاءه الا لأنها جاءت من المحتل بصفتها المبادرة القاسمة لارادة الشرفاء من ابناء العراق.

 

ومن المثير للاسف ان ينسى او يتناسى كاتب بحجم عوني فرسخ ان اساس مايسمى بالمبادرة العربية هو تجاوز شرعية المقاومة وشرعية القيادة العراقية في سجون الاحتلال، والبحث عن شرعية بديلة بدعوى المصالحة الوطنية.

 

اي مصالحة وطنية ياستاذ عوني؟ ومن هي القوى "الوطنية" التي سيصالح عمرو موسى بينها؟

 

سقطت المبادرة العربية عندما بدأت بالتجاهل التام للاطراف الشرعية في العراق، وقبلت رسمياً بشرعية الاحتلال من خلال اعطاء عملاءه صفة الوطنيين، والتعامل معهم بصفتهم يمثلون حقيقة ارادة ابناء العراق.

 

نحن نقبل بمبادرة عربية بعد رحيل المحتل، ولكن ان تأتي مبادرة عربية تبارك المحتل وعملاءه، ويقال عنها انه تريد مصالحة "الوطنيين" في العراق، فهذا هو قمة الاستخفاف بعقول الشرفاء والشهداء.

 

هل هذا التجاهل للقيادة العراقية الاسيرة والتجاوز المطلق للمقاومة العراقية، هو مايدعو للتفاءل في مبادرة عمرو موسى؟

 

ان المحتل يعمل المستحيل لايجاد قيادة بديلة للشعب العراقي مثلما حاول ان يفعل مع ياسر عرفات. وكلنا يعرف ان الصهاينة تخلصوا من عرفات عندما تاكد لهم ان القيادة البديلة صارت قادرة على ان تكون بديلاً لسلطة عرفات.  فهل سنكرر السيناريو الفلسطيني في العراق ونساعد المحتل على تجاوز شرعية صدام، بدعم قيادات كرتونية بديلة تسقط حقوق المقاومة وتبيح استباحة الأمريكان لشعب العراق؟

 

ان هذا التجاوز لشرعية القيادة الاسيرة في العراق اذا ماتحقق سواءاً بفضل مبادرة عمرو موسى او غيرها من المبادرات، فانه سيكون قد حقق للمحتل ماعجزت عن تحقيقة كل جرائم الاحتلال، فبمجرد تشريع الاحتلال والتجاوز عن وجوده في العراق، يكون المحتل قد حقق اهدافه التي سعى اليها في العراق، بعض النظر عن كيفية تحقيق المحتل لمثل هذه الشرعية للعدوان.  فعندما يحقق المحتل مثل هذه الشرعية فانه يكون قد خرج من مأزقه الدولي والتاريخي ولن يهم بعدها ماهي نتائج التفاوض بين القوى التي ارتضت شرعية الاحتلال والقوى التي صالحها المحتل مع القوى التي جاءت على ظهور الدبابات.  وعندها ستكون كل جهود الشرفاء من  شعب العراق قد ضاعت وسيجد الخيريين في العالم انفسهم وقد فقدوا اقوى حججهم التي جعلتهم يتصدون للعدوان الامريكي على العراق.  فهل سيستطيع الرئيس الفنزويللى مثلاً او الرفضين للعدوان من ابناء الشعب الامريكي تقديم اي حجة ضد ادارة بوش وقد تحققت المصالحة بين عملاء الاحتلال والقوى الحية التي كانت ترفض الاحتلال في العراق؟

 

اخيراً، لماذا لم يتحدث الاستاذ عوني فرسخ عن الهم السوري او حتى الفلسطيني وعلاقة مايجري لسوريا بهذه المبادرة؟  هل صار العرب مشغولون بالهم الامريكي بينما يجري تفكيك سوريا ارضاءا للصهاينة والامريكان؟ نحن نفهم العقل الرسمي العربي، ولكننا لانفهم كيف تفكر عقول المثقفين العرب، فلو كان الاستاذ عوني فرسخ قد انتقل من  المقدمات الى النتائج بشكل منطقي، كان يجب عليه ان يصر بان الاحتلال غير شرعي وانه لولا شراسة المقاومة العراقية لم قام المحتل بتحريك مثل هذه المبادرة، وان اول مهمات المبادرة العربية هي الاعتراف بشرعية المقاومة ولاشرعية الاحتلال، وبعد هذا قد يمكن الحديث عن هذه المبادرة او اي مبادرة غيرها، بدلاً من التنظير لشرعية الاحتلال من خلال الترويج لمبادرة امريكية صهيونية جاءت تلبس العقال.

  

" المقالة مثار النقاش"

أي نجاح متوقع للمبادرة العربية في العراق؟

عوني فرسخ

بعد ثلاثين شهراً من احتلال العراق أعلن أمين عام جامعة الدول العربية عن مبادرة لتحقيق وفاق وطني عراقي. وأعقب ذلك زيارة الأمين العام المساعد للشؤون السياسية، ثم الأمين العام نفسه، للعراق وتمكنهما من إجراء لقاءات مع بعض المرجعيات الدينية والزعامات السياسية في بغداد وخارجها، ويقينا أن ذلك ما كان ليتم لولا أن أمانة الجامعة وأنظمة الدول الأعضاء تلقت الضوء الأخضر الأمريكي، وبالتبعية مباركة زعامات العصبيات العرقية والطائفية الحاكمة في العراق المحتل، وبمقدار ما تبعث مبادرة الجامعة لتحقيق الوفاق العراقي على التفاؤل، بقدر ما تنطوي على ما يدعو للقلق.

أما التفاؤل فمبعثة أن يأتي الترحيب بالمبادرة العربية أمريكياً وعراقياً بعد الذي قيل بحق العرب والعروبة والجامعة العربية وأمينها العام على مدى الثلاثين شهراً الماضية، واعتماد طرفي المعادلة الأمريكية  العراقية استبعاد كل دور عربي رسمي أو شعبي في الشأن العراقي، وعليه يغدو منطقياً ومبرراً التساؤل هل كانت الإدارة الأمريكية، وسلطة الاحتلال، وزعامات العصبيات، تقبل بالمبادرة العربية لولا توصل الجميع لقناعة تامة بعجز آلة حربهم في مواجهة تطور المقاومة الوطنية العراقية واتساع إطارها؟ وأليس في تقبل المبادرة العربية مؤشر على إدراك الطرفين الأمريكي والعراقي الحاكم بأهمية الدور العربي في إخراجهما من المأزق الذي يواجهانه؟ ثم إلا يدل هذا الإدراك على أن العروبة أعمق في فكر نخب ووجدان غالبية الشعب العراقي من المشاعر العرقية والطائفية التي عملا على إنكائها، ولا يزالان. وأن تكون الإجابة عن التساؤلات الثلاثة السابقة بالإيجاب، وهي كذلك بيقين، ما يدل على عمق وغنى المكون الحضاري العربي الذي يختزنه شعب العراق بكل ألوان طيفه الاجتماعي، وما يدعو بالتالي للتفاؤل بمستقبل العراق برغم خطورة ما يواجهه في حاضره من تحديات على مختلف الصعد.

غير أن التفاؤل بمستقبل العراق لا يعني مطلقاً تجاهل تداعيات المأزق الأمريكي، وانعكاسات ذلك عند صناع القرار الحقيقيين في واشنطن. وليس أدل على عمق هذا المأزق وتداعياته مما كتبه الجنرال باري ماكافري الأستاذ في أكاديمية (وست بوينت) العسكرية في صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل نحو شهرين، من أن الولايات المتحدة في سباق ضد الزمن في العراق. بسبب المصاعب التي تواجه القوات العسكرية. ويرى أن القوات الأمريكية في العراق "جوهرة التاج" والضمانة للأمن القومي الأمريكي في الحرب على الإرهاب. ويذهب إلى أن النقص الشديد في الرجال والموارد الذي بات يعانيه الجيش الأمريكي يهدد مستقبل الحرب في العراق وأفغانستان. وتأسيساً على ذلك يقرر "ان من شأن هذا الفشل أن يكون كارثة للسياسة الخارجية الأمريكية وللمصالح الاقتصادية الأمريكية للسنوات العشرين المقبلة" كما ورد في تقرير ضيا ميان الأستاذ في جامعة (برينستون) الذي نشرته في 22/8/2005 "منظمة مشروع ضد الخطر الراهن"، ونقله عنها موقع “السياسة الخارجية في بؤرة الاهتمام على شبكة الانترنيت” وقامت بترجمته للعربية مجلة "المستقبل العربي"، العدد 320 تشرين الأول / أكتوبر 2005 ص 125.

وفضلاً عن ذلك فأن في قبول زعامات العصبيات العرقية والطائفية العراقية المستقوية بالأمريكان بالدور الرسمي العربي في العراق المحتل ما ينطوي على إقرار ضمني بتعثر- إن لم يكن فشل كل ما اتخذ من إجراءات أمريكية وغير أمريكية للتأثير سلبا في انتماء العراق القومي العربي. بل والإقرار بزيف كل الاتهامات التي كيلت جزافا طوال الثلاثين شهراً الماضية لما قيل أنه تدخل رسمي وشعبي عربي في شؤون العراق الخاصة. فضلا عما يعنيه ذلك من بطلان كل المقولات المعادية للعرب والعروبة، وانفساح المجال بالتبعية لمشاركة القوى والعناصر قومية الانتماء والتوجه في صياغة مستقبل العراق، الأمر الذي يهدد في الصميم مكاسب أمراء العصبيات العرقية والطائفية ومراكزها السياسية والاجتماعية التي حققتها بالتعاون مع قوات الاحتلال.

يبدو جلياً أن المبادرة العربية تواجه احتمالين متضادين: احتمال أن ينجح أطراف المعادلة الأمريكية العراقية في توظيفها لتعزيز الأمر الواقع بما يخدم مصالح الطرفين وطموحاتهما. واحتمال أن ينجح الأمين العام باستثمار مأزق الطرفين وإبداعات المقاومة في انجاز الوفاق المؤسس لحراك وطني عراقي فاعل ومنتج. والأمر متوقف على ما يمكن تحقيقه على المحاور التالية:

* محور التحرر من الاحتلال بالتوصل إلى برنامج لانسحاب قوات الاحتلال أمريكية القيادة من دون أي شروط، ومن غير أن يترتب على ذلك إبقاء قواعد عسكرية أمريكية في العراق، أو عقد اتفاقية عسكرية تنتقص من سيادة العراق وحرية قراره الوطني.

* على محور تماسك النسيج الوطني العراقي، وذلك بالتوافق على إعادة النظر في دستور سلطة الاحتلال وزعامات العصبيات العرقية والطائفية، والذي ينطوي على لغة تفريقية بدلاً من أن تكون توحيدية جامعة. والاتفاق على انتخاب جمعية وطنية بعد استكمال انسحاب قوات الاحتلال وفق البرنامج المتفق عليه لتضع دستوراً وطنياً يؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويؤكد على الهوية الوطنية الجامعة، وتكافؤ الفرص على أساس المواطنة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان.

* على محور صيانة وحدة التراب الوطني، وذلك بإعادة النظر في موضوع الفيدرالية، التي كانت قوى المعارضة قد اتفقت على اعتمادها في مؤتمراتها التي عقدتها خارج العراق وفي منطقة كردستان العراقية ثم جرى تقنينها في الدستور الصادر مؤخراً. في حين أن اعتماد الفيدرالية في دولة كالعراق إنما يعني التوافق الضمني على تقسيمها إلى أقاليم لكل منها شخصيته القانونية. وحين تقام الفيدرالية على أسس عرقية وطائفية ففي ذلك تهديد في غاية الخطورة لوحدة تراب العراق الوطني وتماسك نسيجه الاجتماعي.

* على محور الهوية الوطنية والانتماء القومي واللغة الرسمية.وذلك بتوضيح أن تأكيد الانتماء القومي العربي للعراق لا ينطوي مطلقا على الانتقاص من الحقوق السياسية والمدنية والإقرار بالخصائص الذاتية الواجبة الاحترام للأكراد والتركمان والكلدو-أشوريين وغيرهم. ذلك لأن العروبة تتميز بكونها مؤسسة على انتماء حضاري وليس على انتساب سلالي، وأن الأمة العربية ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن إطار الوحدة. وتصلها بالتالي صلات تاريخية وتراثية بكل مكونات المجتمع في كل قطر عربي، ما ينفي وجود تناقضات عدائية فيما بينها.

* على محور تكامل القوى المجتمعية لمواجهة التحديات بجهد مشترك، وذلك باستبعاد كل محاولات الإقصاء لأي من الجماعات الاجتماعية أو التنظيمات السياسية العراقية.ذلك لان الوفاق الوطني مستحيل التحقيق عمليا إذا بقي أي طرف أو حزب خارجه، ودون ذلك إقامة جبهة تعارضها القوى المستبعدة كما هو الواقع الراهن الذي جاءت المبادرة العربية لتجاوزه.

وبمقدار ما يتحقق النجاح على المحاور الخمسة يكون أمين عام الجامعة وأركان الأمانة العامة قد تقدموا على طريق إقامة الوفاق الوطني الذي يحتاجه شعب العراق لاتقاء المخاطر التي تهدد وحدة ترابه الوطني وتماسك نسيجه الاجتماعي، وتمكينه من معاودة إسهامه في التصدي للتحديات التي تهدد الأمة العربية في الصميم، كما أن في ذلك ما يبدد القلق الذي يساور الكثيرين تحسباً من أن تنجح الإدارة والأجهزة الأمريكية في أن تسخر المبادرة العربية لتكريس الواقع العراقي المأزوم.