09/07/2006

 

الجهاد القومي والإسلامي ليس اعتباطا إنما هو الوليد الشرعي للتزاوج القومي الصوفي السلفي !!

  (الجزء الأول)

د. عبد الله شمس الحق

ليس من المستغرب أن يستهدف الغرب وأميريكا .. زعماء وأتباع الطرق الصوفية والسلفية ومدارسها ومراكزها وكل مايتعلق بها بعد 11/ أيلول ..! وتستخدم وصف (الأرهاب) بحقها !! وما العراق إلا مركزا مهما بين تلك الساحات الصوفية الممتدة في أرجاء مختلفة من أقطار الوطن العربي والإسلامي .. فلم يُمهله الغازي القديم - بريطانيا - وهو يصاحب الغازي الأميريكي الجديد في أن يجعلوا هدفهم الأول والأساس كل مقومات الصوفية والسلفية في عموم الوطن العربي والإسلامي وقبل الإقدام على غزو العراق .. وخصوصا أن (الحملة الإيمانية) التي قادها الرئيس( صدام حسين) - حفظة الله وفرج كربه .. كانت قد ساعدت على نمو(الصوفية) في قاعدة عريضة من المجتمع العراقي وبما ولد شعور مخيف لدى المتربصين بأمتنا عودة المزاوجة بين القومية والأسلام .. التي نجحوا في الفصل بينهما على مدى عقود مضت..!! لذا سرعان ما أحاطت القوات الأميريكية حال دخولها بتلك المناطق الغربية من العراق ومن ثم ترتيب الهجمات المتتالية على مدنها وقراها دون غيرها من المناطق ..! تارة تحت عنوان إنها مأوى البعثيين القوميين وتارة أخرى تحت عنوان إنها مأوى السلفيين .. وبعودة منا الى التجارب الأحتلالية وخاصة الغربية/الأوربية على مدى العقود الطويلة الماضية وبالدرجة الأساس (بريطانية وفرنسا وإسبانيا) سوف نكتشف كيف أن المادة الأساسية للتعبئة الأميريكية.. وخصوصا اليمين المتطرف الذي كان يتهيأ زهاء قبل أربع عقود للسيطرة على الإدارة الإميريكية ولتسخير القوة الأميريكية العملاقة بما ينسجم مع عقيدتها الدينية والسياسية المتطرفة والتي تلتقي في الجذور والأوجه مع العقيدة الصهيونية العنصرية المتطرفة !! وعلينا أن لانسهو أو نغفل ما صاحب تلك التعبئة العقائدية من تحريض (صفوي متزاوج مع العقيدة اليهودية) .. فنتج عنه ذاك التشويه في الحقائق وتزيفها بدءا من الإضطهاد والمظلومية (الشيعية والكردية) .. ليستهدفوا معه بشكل متساوي ومتوازي عروبة وإسلامية العراق في آن واحد .. مستغلين سنوات وظروف الحصار الجائر الذي فرضوه ضده ليجعلوا من هذه القضايا قضايا دولية لم تكن تمت بأية صلة بموضوع إسترداد العراق (للكويت) .. ومن ثم تتابعا  لبلوغ ما أسموه بالحملة على (الإرهاب) .. فيجدوا بهذا وذاك منفذا لجر فئات من بين القواعد الشعبية/ الجماهيرية الى أنواع من المزالق غير الوطنية والتي لاتعي خبايا الأمور وتحت وطأة الحصار وما تركه من آثار على مختلف الأصعدة الحياتية !! كما أن تجارب المخططين الأستراتيجيين والعسكريين تركزت في دول الغرب في أن الحركات الصوفية كانت ًهي دوما المحرك والأساس الأول في تبلور ونضوج مفهوم الصراع القومي وشعبيته ضد سيطرة دولهم (الإستعمارية) ، ومنع نجاح إستمرار وجودها في تلك الدول التي كانت قد إحتلتها ..!! بل وكان لها الدور في إيقاع الرعب في نفوس جيوش بلدانهم .. ومازالوا يذكرونها بمرارة في كتبهم ووثائقهم وسجلاتهم التاريخية !! وعلينا أن ندرك  أن الحركات الصوفية الأسلامية ، وما لعبتها من دور في تاريخ تكون الأمة الإسلامية بنشر الديانة الإسلامية .. كانت هي الأخرى تسببت بعقدة نفسية تاريخية في نفوس الغربيين وحياة أنظمتهم السياسية ، ويؤكد ( الدكتور الأستاذ سعد ناجي جواد الساعاتي في محاضراته باللغة الأنكليزية على طلبة الدكتوراه 1994/ 1995جامعة بغداد / كلية العلوم السياسية) واصفا ً دور الصوفيين في نشر الدين الأسلامي في مجتمعات  دول جنوب شرق آسيا وأجزاء من أوربا الشرقية وماليزيا وأندونسيا التي تعد اليوم أكبر المجتمعات الأسلامية في العالم الأسلامي .. وخلال فترات زهو الأمبراطورية العثمانية.. بالقول- إذ كانت الأساطيل التجارية التي بلغت سواحل هذه الدول .. يقودها رجال الطرق الصوفية وكانت الصوفية هي حالة طبيعية في حياة المسلم حيث لايفارقه الدين وهو يؤدي واجباته وشؤون حياته اليومية .. لذا تأثر بهم أبناء شعوب دول هذه الجزر النائية من خلال مشاهداتهم المستمرة لتلك الحلقات الذكرية والدراسية التي كان يداوم على عقدها الصوفيين مع العاملين في السفن التجارية التي كانوا يستقلوها .. بعد ساعات من العمل الشاق في نهاية كل يوم .. وكانوا هؤلاء العاملين يعدون من أتباع الطرق الصوفية ويعملون في المواظبة عليها أينما حلو وأرتحلوا !! من هنا يؤكد ( الدكتور سعد ناجي ) أن الفضل يعود للصوفيين الأسلاميين ، الذين مثلوا قمة الأخلاق الأسلامية لنشر الأسلام وإتساع رقعته الجغرافية .. لتبلغ أقاصي الأرض ومثل تلك الجزر النائية وهم يشتغلون بالتجارة ومن دون سيف أو حرب !! ومن الأمور التي يؤسف عليها بهذا الصدد .. أن ( تسمية الصوفية) هي نابعة من التمسك بخطى أصحاب الرسول - ص- وبدرجة كبيرة بالسيرة الحياة الفكرية والسلوكية ( لعلي بن أبي طالب ) - رض- .. لكن الخفوت الإسلامي في الممارسات الدينية مع نجاح التغلغل ( الصفوي) ومظاهر الحياة الغربية داخل حياة المسلمين والعرب .. جعلت من (الصوفية) هدفا سهلا للملاحقة تحت ذرائع سبق ونوهنا عنها سابقا .. على أية حال ، ولنبقى في جوهر موضوعنا .. فالمتابع لحركات التحرر في الأقطار العربية والأسلامية ولتاريخ وسيرة أبطالها ( الصوفيين ).. سوف يعرف عمق الأستراتيجية السياسية الدينية المسيحية واليهودية والصفوية المتطرفة المخططة من قبل الجبهة المضادة للنهضة العربية والأسلامية الصحيحة .. القائمة على النيل من (المدارس الصوفية)الأسلامية ، وهي العلقم الذي تشربه الأعداء المحتلين لبلاد العرب والمسلمين على أيدي زعماء (الدين) الصوفيين على مدى قرون وعقود مضت!! والذي على أثره أضطروا لمغادرة ديار المسلمين والعرب .. ناكسي الرؤوس أمام صلابة ( جهاد ) الصوفيين ..! وكذلك لما لعبت هذه الحركات من دور جلي وواضح في نشرالأسلام لتكون في محيط أوربا وبلاد الصليب !! وليس غريبا ً أن يذكر أحد المؤرخين الأوربيين ( أنه لولا الدولة الصفوية التي شاغلت الدولة الأسلامية العثمانية بمعاداتها ومن جوارها بالعبث المذهبي والطائفي والحقد الفارسي على كل ماهو عربي .. لكانت أوربا كلها اليوم مسلمة ) !!

 وهنا سنحاول على قدر كبير من الأقتضاب والإيجاز .. أن نسرد بعض تلك النماذج من الأعلام والنماذج الصوفية التي مازالت تعد من النجوم الساطعة في كتب التاريخ العربي والأسلامي ومدارسها الزاخرة بالوطنية والوفاء القومي تحت الراية الإسلامية ! ببطولاتها ومآثرها التاريخية المشرفة .. التي تفتخر بها الأمة على مدى أجيالها القادمة .. ثمّ ليتبين للقارئ من منظور هذا الموضوع - ماهية مهمة ، من بين ماهيات غزو العراق .. الى الدرجة التي تكالبت وتتكالب فيها أقوى(قوة دولية) في العالم مثل أميريكا ، وبتحالفات مختلفة ومتنوعة مع أغلب القوى الأوربية والعالمية المشتركة معها بالعدوان المسلح المستمر .. عبر هجماتها على مدى أسابيع وشهورعلى بلدات وقرى وأقضية ونواحي في المناطق الغربية من العراق ،لاتشكل أية نسبة مئوية أمام  قدراتها العسكرية والبشرية والجغرافية .. وثم  تتباهى أمام كل شعوب العالم بأنها تحقق إنتصارا ت كبرى في العراق ..؟!

 

من الثوابت التاريخية المدونة ، هو أن أول من أطلق صيحة الجهاد لترعب قلوب الأنكليز في ( فلسطين الحبيبة ) كان هو الشهيد الشيخ ( فرحان السعدي ) - المولود 1858- وهو أبن عائلة ( سعدية جيباوية صوفية ) .. لكن الأنكليز تمكنوا من إلقاء القبض عليه مع مريديه .. وأعدم وهو صائم ..! حتى رثاه الشاعر الفلسطيني ( عبد الكريم الكرمي ) قائلا ً :

 

قوموا إسمعوا من كل ناحية  يصيح دم الشهيد
قوموا أنظروا فرحان فوق جبينه أثر السجود
يمشي الى حبل الشهادة صائما ً مشي الأسود ِ

وكذلك هو ( عز الدين القسام ) ، فهو رجل ذات أصول عائلية صوفية .. والجدير بالذكر أن جده رجل شريعة وجهاد من بلدة ( جبلة السورية ) .. تتلمذ في العراق حتى كان من أبرز رواد ( الطريقة القادرية ) ومن بغداد أرتحل الى فلسطين ليكون نصيب ( الحفيد عزالدين) تلك المنارة التاريخية الجهادية( الثورة الكبرى 1936) في حياه فلسطين .. وكان كما يذكره أهل الكتب (( شيخ الزاوية الشاذلية في (جبلة الأدهمية ) !! ألا أن ذاك الحفيد لم يكن أبن فلسطين أو أبن موطن الجد ( سوريا ) !! أنه كان أبن كل الوطن .. قاد مظاهرات تندد بالأحتلال ( الأيطالي لليبيا ) .. وقاوم ( الفرنسيين ) مع بدء أحتلالهم للسواحل السورية .. وأصدروا (حكم الأعدام غيابيا ً) بحقه... وبقي يناضل - متخفيا- ثم أنتقل الى ( فلسطين ) 1920 .. وكان قد  أشتهر بمناقبه النبوية المنفردة بطابعها ونكهتها الدينية في ( حيفا ) مع كل إطلالة بمناسبة ( مولد الرسول) - ص - بل يمكن القول أنه جمع ( مشايخ وأهل الصوفية ) وخلف عشرات الرجال المخلصين الذين كانوا من أبرز مجاهدي ( حركة الثورة الفلسطينية ) حتى يومنا هذا .. ! أما (الشيخ محمد الشريف اليعقوبي الشاذلي) 1943 هو من قاد ( كتيبة شبان المغاربة في موقعة ميسلون ) !! و( محمد بدر الدين الحسني ) - هو من مفجري الثورة السورية الكبرى 1925 ..! و( الشيخ محمد الهاشمي الشاذلي ) الذي حتى وهو في العقد السابع من عمره ، لم ينقطع عن التدريب والمقاومة رغم المعروف عنه ( ضعف بدنه ) !! أو ( الشيخ صالح كيوان) الذي كان ينقل المؤن والذخائر للثوار في (سوريا) وغيرهم الكثيرين !! أما ( الشيخ الأمير عز الدين الجزائري ) - حفيد عبد القادر الجزائري - كان بمثابة منزل الرعب في قلوب الفرنسيين في ( منطقة الغوطة السورية ) !! و( الشيخ عبد القادر القصاب ، الشيخ محمد بن يلس التلمساني ، الشيخ محمد الأشمر النقشبندي ، الشيخ محمد علي الدقر التيجاني ، وشيوخ الصوفية - أحمدالحارون ، وأبو الخير الميداني ، مكي الكناني ، حسن حبنكة ، إبراهيم الغلاييني ، محمد صالح فرفور ) ... كما أن المغرب العربي لم يكن  أقل من مشرقه .. بل أن المشايخ الصوفية في المغرب العربي ، لعبوا دورا ً تاريخيا ً يثلج صدور المسلمين حتى نهاية الدهر!! ولايمكن جمع أسماءهم ومنجزاتهم وسيرتهم وبطولاتهم الجهادية.. إلا بسلسلة متواصلة من المجلدات المتخصصة ..! وهم أول من حذروا من عاقبة التراخي وإنقسامات الدولة الواحدة بعد ( الأندلس ) الى دويلات وإمارات حتى سميت ( بدول الطوائف ) !! مثل قول - الخطيب بن نباتة الأندلسي 374 هجرية - (( قد دخلت علينا الفتنة من كل باب ، وأطمعتنا الدنيا أطماع السراب ، نتهارش على مطامعها تهارش الكلاب ، ونلبس فيها جلود الضأن على قلوب الذئاب .. وقد أظلنا من العدو سحاب ، ممتدة الأطناب ، ودبت منه عقارب الخراب ..)) !! ولا يخفى على أحد دور الصوفيين في قيام دولة العدالة والحق( المرابطين ) - منتصف القرن الخامس - في( الرباط) !! على يد الشيخ الزاهد ( عبد الله بن ياسين المصمودي ) !! وإنها كانت في البدء مجرد دولة نائية في الصحراء .. لكن سرعان ما أرتحل اليها المسلمون ليستقروا فيها لما عرف عن صلاحها وعدالتها .. ومن شيوخ هذه الدولة الصوفية ( يوسف بن تاشفين)!! وهو صاحب موقعة ( الزلاقة ) المشهورة ضد( الأفرنج 479 هجرية ) وهي مازالت تعد من أعظم معارك المسلمين مع الإسبان !! ومن المعروف أن ( الإمام الغزالي ) في بغداد ..! كان أعد للرحيل لرؤية ( يوسف) من شدة أعجابه عما سمعه عن ورعه !! لكن وفاة الأخير .. لم يكتب له أن يكمل نية السفر !! ومن بعد من رجالات الصوفية المغربية ( محمد بن تومرت المشهور بالمهدي ) ذكره ( أبن خلدون ) بالخير.. وألتقاه ( أبو حامد الغزالي ) وعشق فيه صفاته وشمائله .. وأصبح يشهد له في مجالسه ..! ومن أشهر أقواله في خطبة جهادية - (.. وأعلموا وفقكم الله أن العدو لايغلب بالعدد ، ولابالقوة ، وإنما يغلب بحسن النية والتقوى والأعمال الصالحة ، والتوكل على الله - كما قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم .... وفي كتاب له ذكر - أما أصول الفتن فهي : الأفتراق وعدم الأجتماع والأختلاف وعدم الإتفاق ، وحفظ سواد الحروف ، وتضييع حدود القرآن ، وإتباع رسوم العبادات ، وتعطيل حقائق الدين ، وموت القلب ، وخساسة الهمة ، والشح المطاع ، والهوى المتبع ، والدنيا المؤثرة )!! وليس ( الشيخ محمد بن عبد الكريم الخطابي ) - 1881 / 1962 - إلا مثال أسطوري آخر لأعلام الصوفية في مقاتلة المحتلين والغزاة !! وخلف عدد كبير من المريدين لمواصلة الدرب من بعده ..! وفي (الجزائر) إنطلقت صرخة  الجهاد من فم ( المجاهد عبد الرحمن الثعالبي - 875 هجرية ) للجهاد ضد الهجمات الصليبية وحماية الشواطئ من  غاراتهم !! ولايخفى أحد مآثر ( الشيخ محمد بن علي السنوسي- ق. 19 ) المتشرب من الطريقة ( الخضيرية الشاذلية) ودورة في بناء قوة عربية إسلامية في صحراء ( ليبيا ) على أساس ماسمي ( بالرباطات والزوايا ) التي تحولت الى معاقل حقيقية للدفاع عن ( ليبيا ) ضد الغزو ( الأيطالي) فيما بعد ..! ومن أبرز أبطالهم وهم كذلك على الطريقة السنوسية الصوفية ( المجاهدين - عمر المختار وأحمد الشريف السنوسي) !! ولم يكن البطل المجاهد ( عبد القادر الجزائري ) إلا نتاج المدرسة الصوفية ولقد تأثر بالطريقة ( النقشبندية ) ثم بعد أن زار ( بغداد) و(الحضرة الكيلانية ) نال من مشايخ ( القادرية ) الطريقة التي وصلت حتى ( أستراليا ) !! وقيل في وصف جهاده - (( لم ينل النوم لأسابيع .. وندر أن شوهد أغمد سيفه .. وسرجه كان عرشه) !! ولحقه بالجهاد أبنه ( محي الدين ) و( الشيخ محمد المقراني والشيخ محمد الحداد الشاذلي ) ..

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار