09/07/2006

 

حتى يكون معها للمؤمنين المجاهدين كل يوم (بدرا) الجزء الأخير

 

د. عبد الله شمس الحق

الجنة ليست منحة مجانية للمتقاعسين :

 كان حديث الآيات السابقة في الجزء السابق ، هو حديث لاينفصل عن الخوض الحي في المعركة ، وكيف يمكن الاستفادة منها بالتخفيف من سلبياتها ومضاعفة إيجابياتها ، ودراسة أهدافها القريبة والبعيدة .. أمّا في آيات الأخرى قد  نلاحظ أنَّ التعبير يتخذ بُعداً آخر، وهو مواجهة المؤمنين بميزان إسلامي للدخول إلى الجنّة ، وهو العمل الصالح المتحرّك في خطّ الصبر والجهاد الذي يعبّر عن نفسه في الممارسات الصعبة التي يخوضها المجاهدون والصابرون الذين يضعون حياتهم في كفّة الميزان ، وإيمانهم وعقيدتهم في الكفّة الأخرى ، فيرجحون كفّة الإيمان والعقيدة على كفّة الحياة ، فيقدّمون حياتهم ضحيّة على مذبح إيمانهم وعقيدتهم .. وليست الجنة منحة مجانية يمنحها اللّه للمتقاعسين الذين يقضون أيامهم في استرخاء صوري كسول ، يُمارسون فيه ترف الفكر في غيبوبة الروح وفي أجواء غير عملية وفاعلة .. ويبدأون التأثير في الطلائع المجاهدة التي تقف في مواقع الخطر في خط الجهاد ، ليحطموا معنوياتهم ويهدّموا روحهم بأساليب غير إيجابية في الفهم والأداء .. وتفسيرات وتأويلات ما جاء الله من سلطان .. فمن يريد الجنة فهي قريبة منه .. منْ كان قريبا من الله فهو قريب من الله .. قريب من الجنة بعيدا عن النار .. والعكس بالعكس ، كما أخبرنا الصادق الأمين - ص -  فلا بد السعي بصدق نحوها  وبوسائل تعبر عمليا عن الجهاد في الطليعة .. وكل حسب وسعه - قدرته - الميدانية .. فالمجاهد الحقيق يقود نفسه مؤاثرها على غيره من المؤمنين نحو الإحتكام لطاعة ما أنزل وأمر به الله لتحل له من بعدها الجنّة الموعودة ، كما  تحل العروس لزوجها في ليلة عرسه ، وذلك في قوله تعالى  ((أم حسبتُم أن تدخلوا الجنَّة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصَّابرين ))

على ضوء هذه الحقيقة ، لا بُدَّ للإنسان المؤمن الذي يفكّر بالجنّة من أن يطلبها في حركة الواقع الصعب ، وفي ساحات الجهاد المرّ، لا في باحات المساجد ومحاريبها فحسب .. أو(البسبسة) الكلامية بالجهاد .. فجهر الجهاد العملي هو الخط الفاصل بين الحق والباطل ، بين الشك والحقيقة ، بين الظاهر والباطن ..  ومن الإيمان المطلوب والحقيقي هو أن يراك الله وعباده في سوح المنازلة الواقعية الميدانية .. لأنه نبع أجر جاري بما يؤثر على أن يتبعك الأخرون لسوح الجهاد .. ألم يكن المسجد عند الإسلام منطلقاً لصيحات الجهاد التي تختلط بأذان الصلاة لتأكيد أنَّهما ينطلقان كوحدة واحدة ؟! والتعبير المخلص عن مواقف العبادة الخالصة .. ولكنَّ يا للأسف لقد شوهت ملذات الحياة والطمع بترفها والخوف والتردد والرياء والمراءات والأحقاد الظنية ، النمو الصحيح في نفوس أغلب المسلمين فمنهم لم يبتعد عن الجهاد الصحيح  وحسب ، إنما بدء في التطاول عليه وكأن لسان الكفرة زرع في فاهه .. بل ومنهم صار يعتدي مشاركا الكفار على الجهاد والمجاهدين بالبهتان المصحوب بالسلاح .!! فكيف يصح بعدها أن يسمح لمثلهم أن يدعوا أنهم مسلمون ..!! ومنهم منْ  نشهده بوضوح في فلسطين والعراق .. بل ومن شهدنا منهم في العراق .. مصاحبا لقتلى الكفار باكيا .. ومنهم منْ يلعن ويدوس على أشلاء مجاهد شهيد قد قتل ويتمعمع في كلام كالمتزندقين ..! فبربكم أليسوا هؤلاء من زنا الشيطان (كالسامري) الذي زنا بأمه الملعون !!

 

خط التحدي للنوازع الذاتية :

تتحرّك الآيات القرآنية في خطّ التحدّي للتمنيات السابقة على المعركة التي كان المؤمنون يعيشونها في داخل أنفسهم - (( لقد كنتم تمنَّون الموت من قبل أن تلقوه)) ... فقد كانوا يتمنَّون قتلاً في سبيل اللّه ، ليحصلوا على جنته ورضوانه مما يحدثهم القرآن ، وعمّا أعدَّ اللّه للمجاهدين من فضلٍ وكرامة وسعادة في الدار الآخرة عنده ..! وجاءت التجربة في معركة (أحد) ، وكان الموت يركض خلف هذا ، ويقف عند ذاك ، ويرفرف على رأس هذا ، ويتحرّك في حركة شديدة في هذا الاتجاه أو ذاك .. فبدأ خلل التردّد والقلق ، وثم ُسمح للزلل ليسمح بحركة التفاف حول أحلام المسلمين نتيجة نوازع ذاتية ، ولقد خاطب القرآن هؤلاء وخاطبنا من خلالهم ، ليؤكّد أنَّ الأمنية عليها أن تثبت ذاتها في الموقف ، فها هو الموت أمامكم ، حدّقوا به كيف يتحرّك في خطّ الشهادة - (( فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)) لقد رأيتموه ، إذن عليكم في تقبل الموقف كما تمنيتم أو تتراجعوا عنه ؟! ، فتترك الآية الحديث عن التفاصيل ، لكنها لم تترك التأمل عند المؤمن لذاته .. ليفكّر ليمتد تفكيره في اتجاه المسؤولية التي تقف في الخطّ الفاصل بين الدنيا والآخرة .. على إساس الإتقان في الفصل بين متاع الدنيا والفوز بالآخرة ..!

معركة (أحد)  بين النصر أو الهزيمة :

لقد وعد اللّه المسلمين النصر في معركة (أحد) ، على لسان رسول اللّه (ص) - ولقد صدقكم اللّه وعده- . لكنَّه لـم يكن وعداً مطلقاً على كلّ حالٍ ، بل كان وعداً مشروطاً بالسير على وفق الخطّة الموضوعة التي تنسجم مع الأسباب التي تهيّئ ظروف النصر للمعركة ، وكان من بينها وضع الرّماة في الثغرة التي كانت تمثِّل نقطة الضعف في دفاعات المسلمين في الجبل ... وسارت الخطّة على ما يرام ، فقد انتصر المسلمون في بداية المعركة عندما أخذوا بأسباب النصر، ونفّذوا الخطّة الموضوعة من الرَّسول (ص) بدقّةٍ وأمانةٍ وإخلاص – (( إذ تحسُّونهم بإذنه )) ، وكان المسلمون يحسُّون الكافرين ، أي يستأصلونهم بالقتل ، فكأنَّ القاتل يبطل حسَّ المقتول ، وكانت العملية بإذن اللّه وتوجيهه ، (( حتَّى إذا فشلتم )) - ولكن المسلمين وقعوا في الفشل وتركوا أسباب النجاح، (( وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون )) وتنازعوا في أمرهم ، فأنفار كانت ترفض النـزول إلى ساحة المعركة من أجل الحصول على الغنائم ، وأنفار كانت تصرّ على ذلك ، (( منكم من يريد الدُّنيا ومنكم من يريد الآخرة)) ..  فسبق زلل الفريق المصرّ على المعصية الذي يريد الدُّنيا على الفريق الذي يريد السيرعلى خطّ الانضباط لأنَّه فضل متاع الدنيا على الآخرة ، فهوى الفريق الأول من الجبل راكضا .. فعمّ ليظهر مساوئ إبتعاد المسلمون عن روح الإيمان ليبتعدوا معه عن خطّ النصر ..!

(( ثُمَّ صرفكم عنهم ليبتليكم )) ، وصرفهم اللّه عن المشركين من خلال الأسباب الاختيارية التي ينصرف فيها المجاهد عن صنع النصر، ليبتلي المسلمين ويختبرهم ويدفعهم إلى مواجهة الموقف بإيمان وصدق واستعداد ، للاستفادة من هذه التجربة الصعبة في سبيل نصر جديد ، على أساس الالتزام بالخطّة الحكيمة .. وشعر المسلمون بالخطأ الذي وقعوا فيه ، وعاشوا روح الندم ، وتعمّقت التجربة في داخلهم ، وراجعوا إيمانهم ، وعادوا إلى اللّه يستغفرونه ويطلبون منه القوّة على الانطلاق نحو المستقبل بروح إسلامية عالية ، وعلى صنع الموقف على أساس الإرادة اللازمة والصحيحة .. وعفا اللّه عن المؤمنين بفضله ، وأنَّه ذو فضلٍ عليهم ، وهذا ما يؤكده قوله تعالى – (( ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين )) ، وهو يحبّ المؤمنين لإيمانهم وجهادهم في سبيله ، ويعلم نقاط الضعف الكامنة في نفوسهم والطارئة عليهم ، كما يعلم أنَّهم في ساعة الضعف لا يبتعدون عنه ، ولكنَّهم من الممكن أن يغفلوا عن ضوابط أحكامه ، بفعل الضغوط الهائلة المؤثرة عليهم ، ولذلك لـم يعاجلهم بالعقوبة ، ولـم يهملهم أو يكلهم إلى أنفسهم ، بل تعهّدهم بفضله بما يثيره في نفوسهم من الرغبة في العودة إليه والتوبة والاندفاع ـ من جديد ـ نحو جولة جديدة من الجهاد في موقع جديد ، لأنَّ الهزيمة في موقع معيّن لا تلغي الإيمان ولا ُتسقط الإرادة ولا تبتعد بالمؤمن عن اللّه ، لأنَّ الإيمان لا يمثل حالة طارئة ..! فينطلق هذا الفضل الإلهي الذي يغمر به اللّه عباده المؤمنين في الحبّ الإلهي ، لأنَّهم بادلوه حبّاً في حركة الإيمان والطاعة ، فبادلهم حبّاً في إرادة العفو والمغفرة .. و الله يحب المستغفرين و التوابين ..!

دروس:

في الآيتين 153ـ 154 من سورة آل عمران .. يعرض القرآن صورة من صور معركة (أُحد) ، في نهاياتها التي رافقت أجواء الهزيمة بعد النصر، وأبرزت كثيراً من السلبيات الفكرية والروحية في النماذج المتنوّعة المتواجدة في المعركة – (( إذ تصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرسول يدعوكم في أخراكم )) .. لقد انهزم المسلمون وأبعدوا في الأرض هرباً من الموقف الصعب الذي فرضته الهزيمة .. وانطلق الرسول يدعوهم إلى أخراهم فيقول - ارجعوا إليّ عباد اللّه ، ارجعوا إنّي أنا رسول اللّه ، من يكرّ فله الجنة .. فأثابكم غمّاً بغم - أي- غمّاً أذقتموه للرّسول بعصيانكم له ، أو غمّاً مضاعفاً ، أي غمّاً بعد غمّ ، وغمّاً متصلاً بغمّ ، من الاغتمام بما أرتجف به قلوبهم من (قتل) رسول اللّه (ص) - تخبطا -وظفر المشركين وفقدان النصر كأولى غنيمة ... الأمر الذي وكأنه يوحي بأنهم كانوا ينفلون في هروبهم في خط ممتد ابتعد أولهم عنه ، واقترب آخرون منه .. كان يريدهم النبي الكريم - ص - أن يتوقفوا قليلاً ليتدارس معهم طبيعة الزلل ، ويُحاول من خلاله تحويل الهزيمة إلى نصر جديد ، لكنهم لا يلوون على أحد ، لا يلتفتون إلى نداء الرسول أو غيره ، فقد أخذت الهزيمة الداخلية مأخذها منهم ، فهربوا من الموت ... فعاشوا الغمّ النفسي الذي أثاره اللّه في نفوسهم في ما واجهوه من حالة الانسحاق الداخلي والندم المرير على ما قاموا به ، وأفاقوا على واقع لـم يحسبوا له حساباً ، وذلك كردّ فعلٍ على الغمّ الذي جلبوه للرّسول وللمسلمين وللإسلام . وقد أراد اللّه لهم من خلال ذلك أن يعرّفهم كيف يربطون بين النتائج وأسبابها ، فلا يُبادرون إلى الاندفاع  خارج حكمة الله والموقف .. إلا بعد التفكير والتأمّل في عواقبه ، لأنهم باندفاعهم سيمتثلون الى ذهنية السذاجة أمام مشاكل الحياة وآلامها وهزائمها ، لذا عليهم أن يملكوا الذهنية التي تحلل وتتدبر وتناقش وتستنتج ، من أجل أن تحوّل نقاط الضعف إلى نقاط قوّة ، وتغيّر السلبيات إلى إيجابيات. وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى - (( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم واللّه خبيرٌ بما تعملون)) .. فإنَّ الظاهر منها أنَّ اللّه أراد لهم أن يعيشوا الحالة النفسية التي تمثل ما يشبه الصدمة في الداخل على أساس ما حدث من أجل أن تكون تجربة ودرساً يُبعدهم عن مشاعر الحزن أزاء الخسارة أو المصيبة ..!

هكذا هو النهج الإيماني الإسلامي في معالجته لمثل هذه الحالات السلبية التي يمرّ بها المسلمون في الذي قد تتمخض عنه الحرب بهزيمة عسكرية ، بعدم الإستسلام والسقوط أمام التجربة المرّة بالحزن العاطفي الذي يجتر معه الإنسان الآلام لتتفاقم الى حالة نفسية مدمّرة ، كما لو كانت الهزيمة أو الفشل نهاية المطاف في حياته ، وإلا لا يصير بعدها إلى غلبة أو نجاح أبداً .. فإنَّ الحزن عاطفة إنسانية نبيلة ، ولكن لا بُدَّ للإنسان من أن يحرّكها في الاتجاه الإيجابي الذي يثير في النفس المرارة لتدخل في مضمار وعي التجربة ، لاستخلاص العبر منها ، من أجل الدخول في تجربة جديدة في مستقبل جديد .. وهكذا يتحوّل هذا الغمّ الذي يسبب ضيقاً في الصدر، وألماً في الإحساس ، إلى انفتاح على كلّ مفردات القضية السلبية ، من أجل أن يتفهموا طبيعتها وتفاصيلها ، على صعيد الخسائر البشرية والمادية والمعنوية ، فاللّه لا يريد للحزن أن يكون طابع المجاهدين العاملين في نتائج الأوضاع المضادة في النتائج التي قد تعقد حياتهم ، فعليهم أن يراقبوا اللّه في ذلك من خلال إيمانهم بأنَّه خبير بما يفعلونه ، سواء كان ذلك من خلال باطن أفعالهم أو ظاهرها ، لينفتحوا على مواقع الصواب من خلال المحاسبة الدقيقة لكلّ الماضي المعقّد في انتظار المستقبل المنفتح ، وهكذا يرتفع الحزن على الخسارة ليحل محله الوعي والأمل بانتظار الربح في المستقبل القادم ... أن الفئة المؤمنة تأخذ دروساً وعاد البعض إلى رسول اللّه بعد ( هزيمة أحد) وهم يعيشون هذه الصدمة الكبيرة ، ويبحثون في أسباب الهزيمة من نتائجها ، وشعروا بالتقصير والندم ، وبدأوا في التخطيط لحسابات المستقبل ... وكان لا بُدَّ من حالة استرخاء يستريحون فيها من متاعب المعركة وانفعالات الندم ، ليملكوا زمام تفكيرهم ، فألقى عليهم النعاس ليعيشوا الإحساس بالأمن والطمأنينة ، فتتجدّدت لهم طاقاتهم التي أتعبها الجهد ، ولتصفو أفكارهم التي كدرها الألم ، ويستريحوا مما أرهقها من الأنفعالات ، فغابوا في سباتٍ عميق يفصلهم عن كلّ هذه الأجواء الخانقة من التوتر والرُّعب والانفعال ... وتلك هي الفئة المؤمنة التي لا تفقد صوابها ، ولا ترتاب في إيمانها ، ولا تتزلزل في مواقفها أمام الصدمات والتحدِّيات والهزائم ، بل تقف من جديد ، لتفكّر في المستقبل من خلال دروس الحاضر، ولتواصل المسيرة وتعتبر أنَّ كلّ ما حدث ما هو إلا تجربة وامتحان واختبار قد يفشل الإنسان فيه وقد ينجح . ولكن القضية في كلتا الحالتين تمثل العبرة التي يستفيد منها الفاشل كيف يتفادى الفشل في المستقبل ، ويتعلّم منها الناجح كيف يمكن أن يستزيد من فرص النجاح في الحياة ، وهذا قوله تعالى - (( ثُمَّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنةً نعاساً يغشى طائفةً منكم )) ... والمهم العودة كما ينبغي لمجابهة العدو كي لايهنأ بنصره ..!

طائفة نقائض الجهاد :

وهناك طائفة أخرى قد أهمَّتهُم أنفسهم ، فهي المحور الذي يدورون حوله في حركة الحياة ، فهم يفكّرون في سلامتها وراحتها بعيداً عن أي هدف كبير يدفع الإنسان إلى الجهد والتعب والتضحية ، فإذا فكروا بالنصر في معركة ما ، فإنهم يفكّرون فيه من حيث هو وسيلة للحصول على الغنائم والأسلاب ، وإذا فكروا بالهزيمة، فإنهم يتفادونها لأنها تمثل خطّاً أسود في تاريخ حياتهم الذاتي ، وموقفاً يسيء إلى بعض الأنانية الذاتية في مواقعهم العامّة . وهكذا يختنقون في سجن الذات، فلا يتنفسون هواء الإنسانية الممتد في رحاب اللّه ،(( وطائفةٌ قد أهمَّتهُم أنفُسُهُم )) .. وعلى أساس هذا المحور الذي تدور حياتهم حوله ، فإنهم (( يظنُّون باللّه غير الحقِّ ظنَّ الجاهلية )) .. فلا يستسلمون له استسلام العبد الواثق بربِّه المطيع له ، العالـم بأنَّ اللّه لا يريد به إلاَّ الخير، وأنَّ الشرّ عندما يطوف بحياة الإنسان ، فإنما هو امتحان واختبار منه سبحانه له .. بل كلّ ما عندهم هو أن يمنحهم اللّه الخير والرزق والبركة ، فإذا منع ذلك عنهم تمرّدوا وانحرفوا، فهم لا يتصوّرون اللّه إلاَّ من خلال منافعهم ، كما أنَّهم يعملون على إثارة الشك والريب بالنبيّ وبالإسلام إذا تعرضوا لبعض الانتكاسات في ساحة السلم أو الحرب ، انطلاقاً من الفكرة الخاطئة التي يعتنقونها في مرادفة النصر للحقّ، والهزيمة للشك والريب والتزلزل... وهكذا كانت ظنونهم منطلقةً في الاتجاه المادي للحياة ، وهذه من ظنون الجاحدين والكفرة التي تبتعد عن الحقّ في خطّها الفكري الإيماني الزائف وتصوّرها عن اللّه والكون والإنسان ، لأنَّ التصوّر الحقّ ، هو أنَّ اللّه يجري الأمور على أساس سننه الحتمية التي ترتكز على مبدأ مهم ، وهو ملاحظة المصلحة العميقة للإنسان على مستوى الامتداد الشامل لجوانب حياته وعلاقتها بالآخرين وفق إيمانه بالله نفسه ، فقد تكون هناك مصلحة في إثارة العقبات أمام شخص أو جماعة ، من أجل أن يكون ذلك وسيلة من وسائل تقوية المواقف وتركيز الشخصية ونضوج التجارب ، وقد تكون المتاعب سبيلاً للحصول على الراحة في النهاية مما لا يحيط بعلمه إلاَّ اللّه الذي عنده - (( مفاتيح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلاَّ يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابس إلاَّ في كتاب مبين)) 59/ الأنعام ...

ولذلك نرى أصحاب طائفة النواقض .. يثيرون التساؤل أمام نتائج المعركة مسبقا  - (( يقولون هل لنا من الأمر من شيء )) .. ليسجلوا نقطةً على النبيّ (ص) وأصحابه عندما انطلقوا في خطّ المعركة ولـم يستمعوا إلى النصائح التي كان يقدّمها (رأس النفاق) في (المدينة) كما أشرنا سابقا ، لتعويقهم من الخروج إلى القتال ، فكأنَّهم يودون خلخلة رأئ المؤمنين ، من أجل التخلص من تحمّل نتائج العمل في طبيعة المسؤولية ، لأنهم لـم يشاركوا في اتخاذ القرار، ولولا الإحراج الذي واجهوه من قومهم ومن النبيّ لما شاركوا في الحرب .. بل قل ربما كانوا لاينبصوا في الجهاد ولو تلفظا !! ويأتي الجواب حاسماً – (( قل إنَّ الأمر كلّه للّه)) .. فماذا يمثِّل هؤلاء ليكون لهم الأمر من بين هذا كلّه وهو لله ؟! إنَّهم لا يمثِّلون شيئاً في حجم القوّة والعلم والمستوى الخالقي ، لإنَّ الأمر للّه ، فهو الذي يخطّط ويدبّر ويأمر وينهى ويوجه رسوله والمؤمنين نحو الوقوف في وجه الكفر والطغيان ، وهو الذي يعرف ما يصلحهم وما يفسدهم ، وما يضرهم وما ينفعهم ، فكلّ الأمر بيده ، وهو يملك الأمر كلّه ، وإذا أراد شيئاً فلا بُدَّ من الخضوع والطاعة لجل جلاله والانقياد لإرادته .. فقد دخلوا ( واقعة أحد) بقلب مغلق ينطوي على الشك والريب والنفاق – ((يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك )) .. ولـم يدخلوها بقلبٍ مفتوح ينفتح على اللّه في صراحةٍ صافيةٍ تعرف ماذا تريد ، وتصارح الأخرى بكلّ شيء ، حتّى لا تعيش الزيف باسم الإخلاص ، ولا تتحرّك في الشك باسم اليقين ، ولذلك فإنهم يضمرون لك يا (محمَّد) الكيد والمكر والمعصية ، ويظهرون لك الطاعة والخير والإخلاص ... فهم يعتبرون أنفسهم قادرين على تغيير سير المعركة في جميع نتائجها ، أو بالأحرى قادرين على التحكم في مصير حياة أنفسهم وموتها ، فلو ترك لهم الأمر .. ولـولا فرض الضغوط .. لكانوا في بيوتهم في المدينة ، وما تعرّضوا للخطر الذي تعرّضوا له الآن ، وهذا ما جاء في قوله تعالى- (( يقولون لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما ُقتلنا ها هنا )) .. وربَّما كان مرادهم أنهم لو كانوا ـ كمسلمين ـ جادين وعلى خط الحقّ .. لأنتصروا وكسبوا المعركة ولـم يخسروا ما خسروه من أرواح وأموال ، أو كأنهم يريدون أيضا أن يبثوا الريب والشك في الإسلام نفسه ، وفي نبوّة النبيّ محمَّد (ص)...! ولكن اللّه سبحانه يواجههم بالحقيقة الكونية التي لا تجعل قضية الحياة والموت خاضعة لاختيار الإنسان بجميع أبعادها ، بل هناك أوضاع وظروف قد تقود الإنسان إلى نهايته بعيداً عن جانب الرغبات الذاتية ، لأنَّ اللّه سبحانه لـم يجعل الآجال تابعة دائماً لعنصر الاختيار، فربَّما تتدخل فيها بعض العوامل غير الاختيارية - (( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم )) .. انطلاقاً من الأجواء الداخلية أو الخارجية التي تبعث في داخلهم الرغبة في الخروج تحت تأثيرات غامضة ، كما لو كانت هناك قوّة خفية تسيطر عليهم وتدفعهم إلى مصيرهم المحتوم ، فلا مجال بعد ذلك للتعلّل ببعض الجوانب الذاتية الخاصّة .. (( إذ تُصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرَّسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمّاً بغمٍّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم واللّه خبيرٌ بما تعملون * ثُمَّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنةً نُعاساً يغشى طائفةٌ منكم وطائفةٌ قد أهمَّتهُم أنفسهم يظنُّون باللّه غير الحقِّ ظنَّ الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إنَّ الأمر كلَّه للّه يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي اللّه ما في صدوركم وليُمحِّص ما في قلوبكم واللّه عليمٌ بذات الصُّدور ))  153و154/ آل عمران ...  ختاما هذا ما أعاننا الله من إيفاء تقديمه وفق عهدنا .. فنرجو أن يكون موافيا لحق قراءنا .. والله خير العارفين .. ونحن ندعوه عسى أن يصيبنا ذريرة أجر من كنوز أجور المجاهدين!!

 

إلى صفحة مشاركات الزوار