09/07/2006

 

حتى يكون معها للمؤمنين المجاهدين كل يوم (بدرا) الجزء الرابع

 

د. عبد الله شمس الحق

 

الملائكة وجهاد المؤمنين ؟

كيف نزلت الملائكة ساحة حرب الجهاد ، وهل كانت مهمّتهم إشتباكية لقتل المشركين ؟ وإذا كان الأمر كذلك ـ  كما ترجح بعض الرِّوايات أن تؤكد ، فماذا كان دورالمسلمين ، في المعركة إذن ؟ ولم ُقتل العدد الذي قتل منهم في المعركة وهناك مدد إلهي ، إذ تقف الملائكة كشركاء معهم في القتال ؟! ربَّما أن ما توحي بها الآية التي سيلي ذكرها شافية الجواب - في أنهم مثلوا مدداً معنوياً يقصد من خلاله رفع الروح المعنوية لدى المسلمين للشعور بأنَّ الملائكة يطوفون شحون المعركة ، فيشعرون بالأمن والطمأنينة والاندفاع نحو العدوّ بشدّةٍ وقوّة ، وهذا ما نستقر به ، وإن كنّا بصراحة غير قادرين على الجزم بذلك ، لأنَّ من الممكن أن يكون هناك تفسيرات تتصل بالغيب الذي لا يمكن تفسيره بطريقة مادية ونحن لم نوتي من العلم إلا قليلا ...! فتقول الآية :-

(( وما جعله اللّه إلاَّ بشرى لكم ولتطمئنَّ قُلُوبُكُم به)) .. لكن يصح لنا القول أن الأساس الأول والأخير هو أن النصر من عند اللّه ، فاللّه هو الذي يهيّئ للنصر أسبابـه ، ويرعاه بألطافـه ، ويخلق الظروف الموضوعية التي تنفتح به على النتائج الحاسمة - وهذا مايؤكده سبحانه بالقول - (( وما النَّصرُ إلاَّ من عند اللّه العزيز الحكيم )) .. والهدف هو حتمي هو إسقاط  قوّة الكفر وإضعافهم (( ليقطع طرفاً من الذين كفروا)) .. أي تحطيم جانب ذو أثر من قوّتهم العسكرية ، فتسقط مواقعهم المتقدّمة وتأثيراتهم القوية على المؤمنين فتصيبهم الهزيمة. وقد ذكر صاحب (مجمع البيان) - أنَّ هناك اختلافاً في وجه اتصاله بما قبله ، فقيل - يتصل بقول - (( وما النَّصر إلاَّ من عند اللّه)) .. ومعناه أعطاكم اللّه هذا النصر وخصكم به ليقطع طائفةً من الذين كفروا بالأسر والقتل ، وقيل- هو متصل بقوله - (( ولقد نصركم اللّه ببدرٍ )) أي- ولقد نصركم اللّه ببدرٍ ليقطع (طرفاً أو يكبتهم )  بالهزيمة (( فينقلبوا خائبين )) .. خاسرين لـم يحصلوا على شيء مما أرادوه   وإستقتلوا من أجله ...!

حديث تفكر في آيات الله :

بعد أن تبينا السورة عن موقعة (بدر) .. نعاود لنتدبر معركة (أحد) في وقفة نقدٍ وتقويـمٍ لمواقف المسلمين فيها ، فقد أدّت الهزيمة في هذه المعركة إلى حالةٍ شديدة من الشعور بالوهن والضعف والحزن لدى المسلمون ، وبدت تسآؤلاتهم عنيفة ، كيف حدث كلّ هذا ؟! ولماذا ؟... ويستنكر القرآن أن تقرن تسآؤلاتهم هذه بالضعف والحزن - (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون )) .. لأنَّ الوهن والحزن يؤديان الى إنسحاقٍ وضعف داخلي بعد الهزيمة ، وإنطواءٍ روحيّ يسقط معه الشعور بالكرامة والإحساس بالعزّة ويتخلخل الإيمان من بعده . إذن أن  اللّه يستثير في المؤمنين حيوية الإيمان ودلالاته في نفس المؤمن رغم الفشل بقوله - ( وأنتم الأعلون) ، ليبقي الإيمان هو الوسيلة والهدف معا ، وهو الأعلى بالمقياس الحقيقي للأشياء ، ومدحهم من قبل اللّه يُشعرهم بالقوّة العليا ، وانطلاقة جديدة من قاعدة الإيمان يوحي لهم بالفكرة الأسمى ، فيندفعون نحو خدمة الحياة إلى الأعلى مشدودين لأهداف الحركة الروحية ... وبذلك يتحوّل الإيمان إلى عنصر قوّةٍ يدفعهم إلى السمو في الذات على كلّ عوامل الضعف والخوف والحزن ، وليدعوهم إلى الإحساس بالقوّة والفرح الروحي بالألـم والتضحية في طريق الجهاد .. ولكن ليس للإستعلاء على الآخرين لتصبّ في مجرى الأنانية الذاتية .. بل كلّ ما يريده ـ كما يستوحى من قول البارئ ـ هو السمو والتفوق بالشعور الروحي والرسالي على قوى الكفر والظلم والطغيان ، وذلك من خلال تدبر قول (( إن كنتم مؤمنين )) .. وما تمنح من مفاهيم وأحاسيس وإيحاءات إيمانية قوية للإرتباط بالأساليب والإمكانات في واقعها الطبيعي المنظور ولكن بشموخ وقوة الرب..! فتكون قضية النصر والهزيمة في حياة المؤمنين المجاهدين غير مرتبطة بالجانب الغيبـيّ بشكل مطلق ..!! وللإنسان أن يواجه قضاياه بروح مؤمنة دون أن يندفع إلى الشكّ في منطلقات الإيمان وخطواته ، بل يرتبط بالجانب الواقعي للأشياء ، فعلى المستوى العام إنْ أخذ الناس بأسباب النصر فإنَّهم سينتصرون وإن كانوا غير مؤمنين ! وإذا تركوها انهزموا وإن كانوا مؤمنين !! لأنَّ اللّه ليس من المعقول أن يستمر بالقتال نيابة عن المؤمنين .. فماذا يبقى من قيمة وطعم وحلاوة لإيمانهم .. وهل هناك أجور تمنح من غير عمل حقيقي وفعلي ، فلابد أن يأخذوا بسنته وأحكامه وأوامره .. فهي بمثابة إرشادات ربانية كفيلة في أن تحقق لهم كل مايريدون ويرغبون من أجل الحق ، فينطلقوا إلى سوح الجهاد من موقف الوعي لمتطلبات ميادينه الروحية والمادية...!! ومعه يمكن لقضاء حكمة اللّه أن يتدخل في الحالات الإستثنائية ، التي يريد أن يتدخل فيها لأنه ( فعال لما يريد ) .. حتى لا تؤدي هزيمة ما يجدها (سبحانه) أنها تبلغ بالمسلمين ودينهم حالة الإنهيار .. و هو يقول أن الدين عند الله هو الإسلام .. فحدث التدخل في معركة (بدر) ـ لأنها حالة من الحالات الإستثنائية التي ألزم الله ذاته العليا بالتدخل لتمهيد المسلمين الى سبل الجهاد الممتدة  على سكة الحياة !! فبهذا لايكون التدخل قاعدة عامّة وثابتة .. وخاصة في الحالات التي يعلم بها أن المجاهدين مازالوا بخير وقوة وفيهم نفع بلوغ أهدافهم على قاعدة الإيمان الصحيح ..! لأنه الخبير علام الغيوب ومحيط بكل شئ ..!! فعندها يبلغ المؤمنون قاعدة الإيمان الثابتة وليس قاعدة التدخل الثابتة ..! فهو الله مالك الملك يؤتي الملك منْ يشاء وينزع الملك ممن يشاء ..! فهل من معترض على حكمته .. أو أنه يستوجب من كل مؤمن مجاهد أن يحتكم لقضاءه .. ويستسلم اليه .. ويتكل عليه سبحانه .. وهو الرؤوف الصادق الأمين !!

هكذا يخاطب ويريد اللّه المؤمنين .. لذا نهاهم عن الحزن والوهن ودعاهم إلى الشعور بالعلوّ في خطّ الإيمان ، ووضعهم في واجهة الحقيقة وليسعوا في كيفية مواجهتها ، وذلك في قوله تعالى – (( إن يمسسكم قرحٌ فقد مسَّ القومَ قرحٌ مثلُهُ )) .. فإذا كان المسلمون قد انهزموا في المعركة في (أحد) وأصابهم القرح ، فقد أصاب الكافرين مثل ذلك في (بدر) ، فليست الهزيمة حالة ثابتة للمؤمنين في هذه المعركة أو تلك ، وليس النصر قانوناً حتمياً دائماً في حياتهم الجهادية، فينتصرالمؤمنون عندما يسلموا ذواتهم لله (مخلصين له الدين) .. فينهزم الكافرون أمامهم والله هو الفخور !! وحينما تتخلخل ملذات الدنيا كما هي في ( واقعة أحد ) والطمع في الغنائم لتعبر عن حالة عدم الركون المطلق لله ورسوله - ص - وهو من أولي الأمر ستختلف النتيجة..!!

(( وتلك الأيام نُداولها بين النَّاس)) فقد تكون القوّة لفريق من النَّاس فيما هيّأ اللّه لهم من أسباب القوّة ، وقد تتبدل الحال فتكون القوّة في الجانب الآخر-الكفرة- والضعف في جانب المؤمنين ، ولكن من المستحيل أن تتبدل سنة الله (( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون )) 8/ الصف .. فإذا كان الله يستهجن ويستنكر عليهم في أن يطفئوا نوره بإفواهم .. فكيف إذن سيكون رده عليهم لو بلغوا في أن يطفئوا نوره بالقوة والسلاح والعدد والعدة ..! فتمعن ياعزيزي الخالق العظيم في هذه الآية .. وتأمل كم هو الله معنا .. مع الحق .. وليس مع الباطل .. وهم على باطل أكيد ..! فتلك هي سنّة اللّه في الأرض التي تدفع الحياة إلى خطّ التفوق الإيماني المستمر فلايمكن أن تجد لسنة الله تبديلا .. فلا ييأس للمؤمن المهزوم حينا ، ولا يستوجب أن يطغى في نفسه تجبرالمنتصر بانتصاره ويستسلم لنتائجه بشكل حتمي ، بل عليه أن يبقى في إحتمال الهزيمة ، ليحافظ على نتائج المواجهة المقبلة بروح إيمانية متفوقة ، قادرة على تجاوز المحن حتى لو حلت واقعا .!! وفي ذلك كلّه يتجدّد الإيمان وينمو ويتكامل عناصره .. وليبقى في نفوس المجاهدين في حيوية وحركة إيجابية لصالحهم .. وعندها يتحرّك خطّ الجهاد صعودا لايعرف معنىً للإنحدار في قاموس إيمانهم بالله ووعده بالنصر المبين !!

(( وليعلم اللّه الذين آمنوا)) .. إنَّ المواقف الصعبة التي يواجه فيها النَّاس الهزائم قد تزلزل النفوس وتدفع بعض المؤمنين إلى الريبة والشكّ والتراجع، وقد تزيد المؤمنين آخرين ثباتاً وقوّةً وتحفزاً وتصميماً على مواجهة التحدِّيات، وبذلك ينكشف الإيمان المزيّف من الإيمان الخالص الصحيح الثابت، فإنَّ حالات الرخاء والأمن والدعة تجمع في داخلها كلّ النماذج الخيّرة والشرّيرة ، ولأنَّ الأمن والعيش المعتاد حالة عامة لايمكن أن تتكشف فيه معادن البشر .. وتكون معها القدرة الإنسانية المسؤولة عاجزة عن عملية الفرز الاجتماعي الإيماني .. في ظروف مثل هذه الحالة العامة .. وهي تمثل الواقع الذي يحتوي الجميع وتستوعبهم من دون سلبيّات ظاهرة التي سرعان ماتتكشف عند الشدائد ..! كما حصل معنا في حالة غزو العراق ..! فمن هنا قد يكون الله أكرم المؤمنين في أن يحل ما حلّ بنا وبالعراق من شدائد .. ((وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين )) 141/ آل عمران .. لأنه العراق .. وهو جوهر الأرض كلها على كافة مستويات بدء الحياة البشرية .. وربما أراد بها صحونا من الغفلة والرقود وسوء الظن والتقدير..الذي غشى عيوننا ووسوس قلوبنا نحو كل مقادير الخطورة التي كانت تعشعش بيننا وحولنا .. فعليه لو سمح لي القارئ أن أذكر - من هذه الرؤية إجتذبتنا رواية ( الرئيس صدام حسين ) - فك الله أسره وفرج الله كربه – ( أخرج منها يا ملعون) !! ونهتم بها إهتماما تفصيليا ، ونقولها بكل إيمان .. لأنها رواية تحكي عن هذه الجوهرة العراقية التي كنا عنها غافلون .. وعن أعداءها ساهون ..! ومن المضحك أن نجد أعتى الرواة والأدباء والمثقفين المتباهين .. لم يركنوا الى تلك الجواهر النفيسة في المعاني التي حملتها بطون الرواية للمؤمنين ..! حتى بلغ بالبعض أن يستهزؤا بها .. لأنهم أخذوها وفق قوالب عقول الرواة الجامدة المألوفة للصياغات الترفية والحكاياتية الدنيوية وقواعد نصية أدبية خالية من الإيمان الشمولي الصحيح .. ومنهم من لم يدركها ولم يحتسبها أكثر من رواية تحمل بعض المفاهيم القيمية والقصصية التي عفا عنها الزمن .. فنسوا بذلك ربهم لأن قيم الدين وآيات الله تبقى حاضرة لايعفو عنها الزمن بل هي هي .. وطالما الله أخبرنا في قرآءننا الكريم عن قصص الأولين لتكون عبرة عند ذوي الألباب .. تلك القرون التي خلت لم تنفعهم ماعمروا وبلغوا من المجد والقوة مقابل تضيعهم للدين ونسيانهم لقدرة الخالق العظيم وقتلهم ومشاكستهم وجدلهم للأنبياء والصالحين .. وخرجوهم عن طاعة أوامره وتعاليم وقوانين كتبه ..!!  فعلى سبيل الذكر تأمل ياعزيزي القارئ بعض تلك الآيات المنذرة في هذا الصدد - (( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لايشعرون )) 26/ النحل ... (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )) 17/الأسراء (( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا )) 74/مريم (( وكم إهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)) 98/مريم ...(( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد )) 45/ الحج ..(( فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ))8/ الزخرف ..(( أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين )) 37/الدخان ..(( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التئ أخرجتك أهلكناهم فلاناصر لهم ))13/ محمد 

وبعد فيوحي تعبير هذه الآية (( وليعلم اللّه الذين آمنوا)) - بأنَّ التجربة تستهدف علم اللّه بالمؤمنين ، فهل يحتاج اللّه في علمه بالأشياء إلى وسيلة للعلم مما يحتاجه الإنسان في ذلك ؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. فما معنى ذلك إذاً ؟! الظاهر والثابت أنَّ هذا أسلوب قرآني منفرد .. يستعمل الأفعال المنسوبة إلى اللّه بالطريقة التي تنسب إلى الإنسان من أجل التأكيد على ارتباط النتيجة بالمقدّمات في طبيعة الأشياء ، وإن اختلفت في طريقة نسبتها إلى اللّه الذي يعلم الأشياء قبل حصولها ، ونسبتها إلى الإنسان الذي يحتاج إلى الوسيلة التي تؤدّي إلى العلم ...

وهذا أسلوب جرى عليه القرآن في طريقة المحاكاة في المواقع التي لا يحمل فيها الفعل طبيعة المعنى الذي أطلق عليه ، كما في قوله تعالى : (( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ))194/ البقرة .. ويا لمصير منْ يزغرد اليوم في العراق .. في أن يستقبل المعتدي بالمقاومة السلمية .. هم - المعتدين الآثمين - يقتلوننا ويذبحوننا ويستحيون نساءنا وينهبون خيراتنا ويقررون أيام السبت كاليهود عطولنا .. ويتجاسر المرتدون عن دين الله - المعممون والخونة العملاء - في التناغي بمقاومة سلمية تدغدغ  أطراف المعتدون والكفرة ..!! فأية بدعة هذه .. وأي جهل أوتجاهل مقصود لأحكام الدين عند هؤلاء المجرمون !! وهم يدعون بالإسلام وبه يتلحفون .. مع أنَّ انتصار الإنسان في الحق لنفسه لا يعتبر اعتداءا ، ولكن هذا لا يخلو من  إرادة الله في عملية ( التمحيص) التي لابد لها من أن تكشف أصحاب الإيمان الزائف والعمل المشين السئ . على ضوء - (( ليظهر اللّه الذين آمنوا )) من خلال التجربة ..!

من هنا ، تنطلق أهمية التجربة الصعبة للإيمان .. التي تتنوّع فيها المشاكل وتشتدّ فيها المعاناة وتتصارع الوسائل لتتجدد على نحو الإيمان الصحيح على أساس المبادئ والقيم العليا تاجها الإيمان المطلق بالله دون الركون للبدع .. لأنها قيم ومبادئ وأحكام ثابتة .. لأنها تعود لله الواحد الأحد ،  فهكذا يبقى الإسلام وأمة ( محمد) - ص - بإرادة الله ، في صيرورة وديمومة دائمة في صنع الإنسان القيادي في بطونها لايمكن لها أن تنتهي ..! من خلال دورة الإيمان التي من المحال لها أن تتوقف في توليد المؤمن الصلب الواعي المتحدّي الفاعل ..! لأنَّ مسألة القيادة ليست حالة تولدية تقليدية .. بل أنها حالة متصلة بالإيمان في الجانب الفكري والعقائدي عند الإنسان قبل كل شئ ـ بل هي ـ إلى جانب ذلك ـ مسألة مرتبطة بالتجربة الحيّة التي تدفع بوعي الإنسان في ساحة المعاناة ومواقع الصراع للتصاعد في حركة الإيمان بتلذذ ورغبة حقيقية سواء في حالة النصر أو الهزيمة - الفشل - رغم كل المعاناة والمآسي التي يتوقعها المؤمنون والمجاهدون نتيجة تمسكهم المضطرد المستمر بالإيمان والقيم والمبادئ العليا وفق كتاب الله الحكيم .! وهكذا يطلّ الإنسان المؤمن على واقع الأمّة في شخصية قيادية .. ليرصد كلّ حركة في الحياة الإيجابية أو السلبية في خطّ الاستقامة أو الانحراف من خلال وعيه الحركي للحياة كحياة .. وللآخرة مفازة وخلود ، ويبقى معاندا مصرا رغم كل معاناته على الموقف الحقّ في صراع الحقّ والباطل ... لذا لايمكن لأمة الإسلام أن تخلو من الديمومة اليومية لولادة قادتها في حالة لاشعورية من الأمة ذاتها .. وهي حالة ستفيد بالنتيجة لديمومة بقاءها في البحث عن القائد أو القادة بكل قوة لتحقيق أهداف صياغاتها العقائدية التي تؤمن بها كأمة حيّة أرادها الله سبحانه لها أن تبقى كذلك .. لأنها تعتمد على مصدر رباني خالد ومحفوظ ( وإنا له لحافظون) ..  فهذه طبيعة الإسلام الذي يمثل أسمى عقيدة في إستمرارية بناء الأمة لتستمر في تطريز سجل الحياة  بثوابت الحق على الأرض !!

 (( واللّه لا يُحبُّ الظَّالمين)) الذين ظلموا أنفسهم بالانحراف عن الحقّ والتراجع عن الطريق السويّ .. (( وليُمحِّص اللّه الذين آمنوا)) ويختبرهم بما يبتليهم به، ويقودهم إلى المواقف السليمة الثابتة ، وذلك من خلال أنَّ الابتلاء المنفتح على التجربة المتنوّعة الأبعاد المتعدّدة الجوانب، يمنح الإنسان المؤمن وعياً جديداً صافياً، بحيث تتغيّر نظرته إلى الأشياء وفهمه للأمور لمصلحة تغيير الذهنية العامّة ، والسلوك الأخلاقي ، لصالح القيم العملية العليا ، فتتحوّل نقاط الضعف فيه إلى قوّة ، وتتلاشى الجوانب السلبية وتتطور الجوانب الإيجابية الإيمانية في نفسه ..  فتزول كلّ الشوائب التي تبعد الإنسان عن صفاء الحقّ ونقاء الحقيقة ...

(( ويمحَقَ الكافرين)) وذلك بتوجيه الضربات المتتالية إليهم ، وتتابع الفرص أمام المؤمنين في الاندفاع مرّة بعد أخرى للإنتصار على الكفار .. وذلك من دون تفريقٍ بين المستحق أو غير المستحق الفردي والجماعي المضطر للإنصياع لأوامر الكفار ومشاركتهم في الميدان ، تبعاً لأسباب الحادثة في الواقع الذي تسببه الكافرون والنوايا في قلوب المجاهدين .. إذ كل يؤخذ بعمله ، حتّى يستقيم الأمر للخطّ الصحيح في نهاية المطاف ..

وهنا لنا وقفة أخيرة ، حتى نكمل في جزء قادم موضوع ( معركة بدر) المباركة .. فعذرا للقارئ ...!!

 

إلى صفحة مشاركات الزوار