08/12/1427

في ذمة الله يا أبا عدي
بقلم :عمر شبلي

 

بين ضجيج الحجيج في منى،صباح عيد الأضحى وصوت زوجتي توقظني باكراً لنذهب إلى "الأوزاعي" لشراء أضحيةٍ منذورة لأماليد بنت ابنتي فنن انفجرالمذيع من محطة "العربية" يعلن إعدام الرئيس صدام حسين، واعداً بمزيدٍ من التفاصيل لاحقاً، وفجأةً أصبت بما يشبه الدوار، وحاولت أن لا أصدقَ ما أسمع ، وقلت :لعلّي ما زلت متأثراً بكوابيس النوم التي تسكنني منذ زمن بعيد.
كان الخبر كالصاعقة التي تفجّر أعمق ما في الإنسان من غضب، لا لأنني لم أكن متوقعاً إعدام هذا المناضل الذي ملأ الدنيا ، ولكن لم أكن أفهم أن ينحدر الحقد في إنسانٍ ما مهما كان حقده أسود أن يقدم على إعدام خصمه في يوم قبول الفداء من ابراهيم الخليل عن ابنه اسماعيل الذبيح.
نحن قوم نؤمن بالفداء والتضحية، وتلك مشكلة تتلف الجسد وتُثري الروح،ومن هنا يتولد من الفداء حزن نبيل،ويكون التناقض حاداً بين ما يريده الجسد و ما تريده الروح، وينشأ صراعٌ يولد فينا ذهولاً، ولأيهما ننتصر سيكون على حساب الآخر. والعرب عبر تاريخهم الطويل منحازون للتضحية والإيثار،ولذلك لا نستغرب عندما كانت فكرة قداسية الأضحية منطلقة من أرضنا اولاً،هناك في مكة المكرمة، حيث قال إبراهيم لابنه اسماعيل : إني أرى في المنام أني اذبحك،وكان حلم إبراهيم اختباراً علوياً لنعيم التراب المقيم في صلصال الفخار،وهل تنتصر القيم أم ظلموت التراب وما يتجمع فيه قبائح. 
اليوم عيد الأضحى وتقدّم اليوم في مكة والعالم الإسلامي الأضاحي تطهيراً للنفس من وثنيّتها وانتظار اشتراك السماء في فداء الإنسان الذي كرمه الله على جميع مخلوقاته، في هذا اليوم ينتصر الفداء لحياة الإنسان،بمعناها الإشراقي، وفي ذلك ذروة التواصل بين الذات وخالقها و تدخُّل الله مباشرةً ليقول لإبراهيم إرفعِ السكين لقد فديناه "بذبحٍ عظيم".ترتفع السكين ونحن نسمع نجاوى اسماعيل القابل طوعاً افتداء حلم أبيه "يا أبتي إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" ويقول لأبيه همساً وبثاً لما في ذاته من حلم للقاء ربه عبر حزن ترابية الجسد ومعموديته: "يا أبتي أحسن مرَّ السكين على عنقي كي لا أتألم وقت الذبح،واحذر أن تنظر في وجهي حتى لا تأخذك الرحمة ، وإذا ما جئت إلى أمي فاقرئها مني السلام"
لكأني بصدام حسين كان يقرأ في القرآن قصة إسماعيل المفتدى،في ساعاته  الأخيرة قبل موعده مع ربه. ولعله لم يكن يرى أمامه سوى العراق، أما الخونة فقد حيل بينه وبينهم بحجبٍ كثيفة،وكيف يرى المشرق بنور الشهادة كتلَ الظلام الممثّلة بالخونة زبانية امريكا وأُجَرائها. صدام لم يكن يرى العملاء . فقط كان يرى العراق، ويقول له: يا وطني إفعلْ ما تُؤمَر ستجدني إن شاء اللهُ من الصابرين.كان يستعد للرحلة إلى الله عبر العراق وبجواز سفرٍ عراقي،لم يكن لديه شيءٌ سواه، ما عدا نسخة من القرآن أرجعها لصاحبها وهو يصعد إلى ربه.فجأة أحسست بكثافة شعورية عجيبة، وقلت لماذا لايكون صدام حسين ذِبْحَ العراق العظي ،والعراق أساساً هو وطن ابراهيم الخليل صاحب الرؤيا التي صدقتْ؟!!كان الإيمانُ ضرورياً جداً في تلك اللحظات الصعبة التي مررتُ بها.فليقولوا في صدام ما يقولون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا أنه نُحِر يوم النحر في عيد الأضحى المبارك،وفي العراق صعوداً إلى السماء حيث روحه تنظر من علاها إلى جسدٍ لها قد فارقتْه.وحيث روحه لا تأبه بأولئك الذين يظنون أنهم سيطفئون نار أحقادهم بقتل جسده ومصادرته خوفاً من عودة الحياة إليه.إذن هناك علاقة قوية بين حلم إبراهيم الخليل والذِبح العظيم صدام حسين المجيد.
وليقولوا في صدام ما يقولون، ولكنهم لن يستطيعوا أن يقولوا لأبنائهم وأحفادهم إذا كانوا يعرفون اللغة العربية:إن صدام غادر العراق إلاّ إلى ربه فقط. سيسألهم أبناؤهم: لماذا لم يترك صدام حسين العراق قبل دخول الأمريكان إلى العراق.؟ولماذا لم يغادر العراق قبل أسره؟ ولن يستطيعوا الجواب ، ولربما سيسألهم أبناؤهم بعد ذلك لماذا تملكون أنتم أكثر من جنسية وصدام لا يملك إلاّ جنسيةً واحدة.
وليقولوا في صدام ما يقولون، ولكن ألم يكن من حقه أن يرى عائلته قبل سفره إلى ربه؟!!! فهل هذه هي الديموقراطية التي يعدون العراقيين بها؟!!وهل وجدوا فرقاً بين الإعدام بالرصاص وحبل المشنقة سوى تصورهم أنهم يحطون من قدره بإعدامه شنقاً؟وهل هم مخوَّلون بإعطاء الآخرين شهادة حسن قيمة وهم غارقون في وحل الخيانة حتى تخوم " المنطقة الخضراء"ولن نقول: العراق، لأنهم لايجرأون على ملامسة أرض ليس فيها ترسانة أمريكية تحميهم من غضب العراقيين ،وهل هكذا تكون المصالحة الوطنية؟!!
وليقولوا في صدام ما يقولون: ولكن هل يجرأون على إنكار أن إرادة بوش فوق إرادتهم ، هذا إذا كانت لهم إرادة!هل يستطيعون التنكر لمجيء أمر الإعدام من لدن ربهم بوش. هل يستطيعون الادعاء بأنهم أكثر من عملاء في ارتكاب هذه الجريمة الحمقاء؟!!.
وليقولوا في صدام ما يقولون، ولكن هل كانوا قادرين على إعدام صدام حسين لو أن أمريكا لا تريد إعدامه؟!! عليهم إن يجيبوا على هذه البديهيات الحارقة.
وليقولوا في صدام حسين ما يقولون، ولكن هل يستطيعون أن يدّعوا أنهم ليسوا صنيعة أمريكا؟وإن أمر الإعدام وُقـِّع في البت الأبيض أولاً.
إنها قدَريةُ هذا الزمن الرديء أن يُعدم العميلُ الوطنيَّ،وأن يتكلم باسم العراق من لايستطيع أن يتجول في أرض العراق خارج المنطقة الخضراء.
لهم نقول إنتم زائلون لأنكم عملاء وأنتم أشبه بغثاء السيل،وصدام دخل في التاريخ، أنتم الآن ميتون،وصدام لم يمت ساعة مات ، سيستمر في العراق كنخيله، وسيعود في مواسم الخصب مع تموز لتتجدد حياة العراق باستمرار.
صدام الآن حتى بموته مالئ الدنيا، وأنتم إلى الآن لا أحد يحفظ أسماءكم.وإنني أتحدى أي عراقي أن يذكر أسماءكم بشكل صحيح، فمن هو الحي أنتم أم صدام؟
لهم نقول: صدام سيأتي إليكم في كل دوي وانفجار، وستدركون ولو متأخرين كم أنتم أغبياء وجبناء حينما حاولتم أن تضعوا أسماءكم إلى جانب هذا الثائر الخالد.ستزداد بنادق المقاومين ، وأنتم على موعد مع القادمين إليكم من الجهات الست، ولكنني أعتقد أنكم ستغادرون العراق قبل الأمريكان، لأن فيتنام لقنتكم درساً،وهو أن المحتل حين ينهزم لن يحملكم معه على طائراته لأنها لن تتسع لأكثر من أشلائه وبقايا من بقاياه.
وللعراقيين الشرفاء نقول رداً على قول قيس بن الملوّح"يقولون ليلى في العراق مريضةٌ":نعم نقول لهم: لم تمت ليلى ولا مات العراق. سيقوم العراق، وقيامته مرهونة ببنادق الثوّار.
وللشهيد صدام حسين نقول: لقد فزتَ والله،وأنت ستبقى مع المقاتلين تلهمهم، ونقول لك : إننا لن نموت معك . سنبقى نقاوم ونقاوم ونقاوم حتى ينزاح الظلم عن صدر أمتنا الخالدة برسالتها وقيمها الإنسانية العالية.
   

عمر شبلي / كاتب وشاعر

بيروت/30/12/2006

إلى صفحة مشاركات الزوار3