26/10/2006

 

الحزب الإسلامي العراقي..

المسيرة والدور..

 

 بقلم : رائد الحامد

توطئة تاريخية :

في غياب رؤية سياسية إسلامية أوائل القرن التاسع عشر متزامنة مع التحولات الدراماتيكية التي مرت بها أوربا كالثورة الصناعيّة ، وتبلور الديمقراطية كاتجاه سياسي واضح المعالم ، وانعكاسات هذه التحولات على الواقع العربي المتردي في ظل ضعف السلطة العثمانية ، بدأت تطفو على السطح حاجة ملحّة لولادة تيار إسلامي مسيس أو سياسي مؤسلم لمجابهة تحديات ما كان ينظر إليه غزواً فكرياً قادماً من الشمال لدى بعض المفكرين الإسلاميين ، وضرورة البحث عن الذات والرغبة في التغيير والانفلات من قرون من السكون نحو المجابهة لدى البعض الآخر ، خصوصاً وأنّ بوادر انتباه قومي عربي قد بانت ملامحه لدى الكثير من المفكرين العرب العائدين من الغرب ، والذين يرون ضرورة التزاوج الشرعي بين أصول وبدايات التراث الفكري العربي الإسلامي وبين الاتجاه الغربي ، أو ما كان يعرف بالحضارة الجديدة.

 

في ظل تلك الأجواء وما أضافت إليها الحرب العالمية الأولى من تغيرات في جغرافية البلدان وتقسيمها وفق سايكس بيكو ، نشأت في الساحة العربيّة حركات سياسية ودينية ، منها جماعة الأخوان المسلمين عام 1928 في مصر على يد الشيخ حسن البنا ، وقد تبنت العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التزام بالقرآن الكريم والسنّة النبوية ، وكما تعلن الجماعة عن نفسها بأنّها دعوة سلفية وطريقة سنيّة وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية ، وقد أرادت هذه الجماعة أن تعطي انطباعاً لدى الآخر ، بأنّها حركة أو جماعة تتناغم مع كلّ الاتجاهات والتيارات التي تسود المجتمع الإسلامي ، وتؤطر للجميع ضمن إطار واحد هو إطار الجماعة ، أي جماعة الأخوان المسلمين.

 

يجد الحزب الإسلامي العراقي في نفسه بأنّه امتداد تاريخي لجماعة الأخوان المسلمين ، وامتداد لفكر مؤسسها الشيخ حسن البنا ، وبغض النظر عن موجبات وجودها وخفايا انطلاقتها وسرّ توقيتها ، فإنّ المسيرة التاريخية للجماعة ظلت تعيش تناقضاً بين الفكر والتطبيق ، وفي أوائل العقد الخامس من القرن الماضي بدأت هذه الجماعة تسجّل حضوراً في الساحة العراقيّة بلغ ذروته أيام المراقب العام الشيخ محمد محمود الصواف حتّى هجرته عام 1959 إلى مكة المكرمة إثر قرار عبد الكريم قاسم بحلّ جميع الأحزاب ، أمّا بعد السماح بتشكيل الأحزاب ثانية إبان حكم عبد الكريم قاسم نفسه شرط تمتع الحزب المشكّل بالاستقلالية المالية والفكرية وعدم التبعية لأيّة جهة خارجية ، فان جماعة الأخوان المسلمين عادت إلى الساحة السياسية تحت اسم الحزب الإسلامي العراقي عام 1960 ، وظلّ الحزب يمارس نشاطاته منذ ذلك الحين تحت قيادة الدكتور عبد الكريم زيدان الذي شغل مناصب حكومية عليا في عهد أحمد حسن البكر حتّى عام 1973 حيث حُلت هيكلة الحزب وتمّ تفكيكه تماماً كحزب وكقاعدة جماهيرية ، ويمكن اعتبار عقد الثمانينيات من القرن الماضي بالفترة الذهبية للحزب الذي تمكن من معاودة نشاطاته مستغلا انشغال الحكومة آنذاك بالحرب مع إيران ، وسعي النظام لتبني خطابا إسلاميا تقوده بصورة غير مباشرة كوادر متقدمة من الحزب الإسلامي في مواجهة الخطاب الآخر الموجه من الثورة الإسلامية الإيرانية ببرنامجها المعلن في تصديرها إلى العراق وغيره.

 

بعد أحداث الكويت 1991 ، إبتدعت المخابرات الأمريكيّة مسلكاً خاصاً احتضنت فيه بعض الشخصيّات العراقيّة المعارضة لحكومة صدام حسين ، وبدأت ترسم لها خطوطاً عريضة تسير في هديها ، وخطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها ، وتمّت هيكلة تجمّعات عراقية جديدة ، وتشكيل أو إعادة تشكيل أحزاب معارضة ، من بينها الحزب الإسلامي العراقي الذي عاود نشاطه عام 1993 من بريطانيا وأمريكا معاً من خلال مكتبيه هناك ، وقد تلقى الحزب دعماً من الحكومتين ، وفي أعقاب صدور قانون تحرير العراق الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي أواخر تسعينيات القرن الماضي ، ومقابل الدعم المادي المقدّم وفق هذا القانون ، مارست الإدارة الأمريكيّة ضغوطاً على الحركات والأحزاب والشخصيات المتعاونة معها للضغط باتجاه زعزعة الوضع الداخلي في العراق ، وتقديم المعلومات عنه لإيجاد أفضل السبل لتقويضه ، وكذلك الضغط باتجاه زيادة النشاطات الإعلامية المعارضة في الخارج عن طريق تنظيم الندوات الخاصة بمخاطبة الرأي العام العالمي ، وعقد المؤتمرات للقوى المعارضة في الخارج ، ومن أهمها مؤتمر لندن 1992 الذي شارك فيه الحزب الإسلامي.

 

حين اتخذت الإدارة الأمريكيّة قرارها بشنّ الحرب على العراق ، لم تكن لتعتمد على المعارضة العراقيّة في الخارج لوحدها من أجل تحقيق أهدافها ، بل لابدّ لها أن تبحث عن طريق وسطاء عراقيين عن حركات أو أحزاب سياسية أو دينية في الداخل مستعدة للتعاون معها ، خاصة بعد أن ضمنت الوسط الشيعي بضمان موقف المرجعية الدينية ، والوسط الكردي المحسوم أمره سلفاً ، لذا لم يبق لها سوى الوسط العربي السني ، فبدأت تبحث عن حركة سياسية أو دينية تعتقد أنّها الأكثر تأثيراً في جغرافية انتشار العرب السنّة ، وكان لها ما أرادت فعثرت على الحزب الإسلامي العراقي ، إن لم تكن قد نسقت علاقاتها معه قبل الشروع في العمل العسكري واحتلال العراق في 9/4/2003.

 

تدارست إدارة مشروع الاحتلال نقاط الضعف في بنية المجتمع العراقي للعرب السنّة ، وأسهل نقاط اختراقه على مستوى الأشخاص أو على مستوى الفكر والقائمين عليه ، فوجدت في الحزب الإسلامي خير من يحقق لها ما تريد ، خاصة إن أوساط العرب السنة تتميز بقبول واضح ومقنع لأفكار الحزب الإسلامي ومنهجه ، لأسباب أهمها الخطاب الإسلامي الذي يروج له الحزب ، والقبول التلقائي لهذا الخطاب في أوساط المسلمين العرب السنّة ، كما أنّ نصف قرن من إخفاق التيار القومي العربي الذي تصدّر واجهة السلطة في العراق ، شجّع أيضاً حالة القبول التلقائي لأفكار الحزب الإسلامي وسهّل مهمة انتشاره ، يضاف إلى ذلك أنّ العرب السنّة ليست لديهم مرجعية سياسية أو دينية يحتكمون إليها ، وتمتلك حقّ إصدار الفتاوى وإلزام الأتباع بالالتزام الطوعي بها كجزء من مكملات صحة العقيدة وسلامة التقليد ، كما هو الحال عند الشيعة.

 

بعد إحتلال العراق في 9/4/2003 مباشرة ، مارس الحزب الإسلامي غسلاً قسرياً لعقول أتباعه ، ونجح في الالتفاف على مبدأ الجهاد ضد المحتل ومقاومته ، متذرعاً بمقولات مثل ( لننتظر الأمم المتحدة التي أعطت قوات التحالف مدة عام للانسحاب ، وهي مدة ملزمة لهذه القوات ) ، في وقت كانت فيه قوات الاحتلال تردد ( لن ننسحب حتّى نحقق أهدافنا كاملة ) أو ( سننسحب بعد إتمام المهمة ) ، ومعروف أن هذه المهمة متغيرة ومتجددة حسب الظرف الزمني الذي يمرّ فيه مشروع الاحتلال ، وينادي الحزب الإسلامي أيضاً ( لا جهاد في هذا الوقت إذ لم تتوفر شروطه بعد ، علينا أن نبني أنفسنا عقائدياً ، وأن نتأكد من أنّ كفة المجاهدين هي الراجحة على الأعداء حتّى لا نكون كمن يلقي بأيديه إلى التهلكة التي نهانا الله عنها ، وحين نتيقن بأنّ الغلبة للمؤمنين حينها نخوض غمار الجهاد ) ، وتقول كوادر الحزب الإسلامي أيضاً ، ( إنّنا إذا استمرينا بالجهاد فقد نساعد على عودة صدام أو نظامه إلى الحكم وهذا ما لا نريده ) ، ( إنّ الأمريكان ليسوا أعداءً لنا ، لقد حررونا من صدام حسين ) ، ما ورد نماذج من الأفكار التي روج لها الحزب الإسلامي في الشارع العراقي ، والتي تمّ رصدها ميدانياً في الأشهر القليلة التي أعقبت احتلال العراق في 9/4/2003 ، وهذه تمثل الخلفية الفكرية والأسس التي تحكم صورة النهج السياسي للحزب ، وما فيه من دعوات صريحة لعدم حمل السلاح في مقاومة الاحتلال القادم بقوة السلاح ، وكذلك عدم الممانعة في الاستعانة بالأجنبي للتخلص من نظام الحكم القائم.

 

الفكر والممارسة :

اختط الحزب الإسلامي بعد 9/4/2003 نهجاً يستند إلى رؤية الاتجاه السلفي الصوفي ( تمييزاً عن اتجاه السلفي الأصولي ) ، ويتلخص في عدم جواز الجهاد ، أو العمل في أيّ تنظيم مناوئ للسلطة القائمة وفق مبدأ التهلكة المعروف ووجوب السمع والطاعة للإمام وليّ الأمر ، وهذا الاتجاه هو أساسا ضد نهج الجماعات الإسلامية المنظمة ، والإمام – حسب رأي الحزب – موجود فعلاً ومتجسد واقعاً بصفته ملكاً أو أميراً أو رئيساً أو أيّ مسمى آخر ، علمانياً كان أم مؤمناً ، وما على الرعية سوى السمع والطاعة للإمام الذي هو وليّ الأمر ، وإنّ أيّ كلام بسوء عن الحكام هو خروج عن الإمامة ، ومن حقّ الحاكم أن ينتهج السياسة التي يراها تخدم مصالح الرعية ، حتّى لو كانت هذه السياسة متجهة نحو ما يتعارض مع الثوابت الدينية حسب فهم الرعية ، أو وفق مبدأ السياسة الشرعية القريب في جوهره من مبدأ التقيَّة ، على اعتبار أنّ الإمام هو الأكثر فهماً وعلماً من الرعية ، وهو الأعلم بمصلحتهم وأين تكون ، لذلك ووفق هذه الرؤية لا يجيز الحزب لأتباعه قتال المحتلين.

 

إنّ محاكمة الفكر أو الرأي الآخر ، لا يمكن تفسيرها على أساس دوافعها ، بل على أساس النية في إزاحة الستار عن الحقيقة ، وتبيانها بموضوعية مجردة من أيّة أغراض سياسية أو ذاتية.

جاء في أهداف الحزب المادّة الأولى ( مشاركة القوى الوطنية لإقامة نظام نيابي تعددي عادل ) ، في حين أنّ ممارساته لا تنسجم مع هذا ، فالحزب يؤمن باجتثاث البعث فكراً ووجوداً ، كما ورد في إطروحات الدكتور محسن عبد الحميد في مجلس الحكم الانتقالي ، وهذا يتناقض مع إيمانه بالنظام النيابي التعددي ، وعلى صعيد الواقع ، فإنّ عناصره هم أصحاب الحظوة في إعادة هيكلة الإدارات المدنيّة في جغرافية انتشارهم ، حيث تتمّ عملية اختيار المناصب المهمة في المحافظات والأقضية على أساس انتمائهم للحزب ، كإدارات المدارس والكليات ورئاسة وعضوية المجالس البلدية ، والمؤسسات الخدمية والجماهيرية كالمنظمات الخيرية وجمعيات الإغاثة.

 

يرفض الحزب الإسلامي في المادّة الرابعة من مبادئه ( أشكال العنف والغلو والإرهاب كافة في الفكر والممارسة ) ، وتماشياً مع رؤية قوات الاحتلال وفهمها للإرهاب والمقاومة ، وكذلك الحكومات المتعاقبة التي لم تعترف بالمقاومة العراقيّة ومشروعيتها والحزب الإسلامي كشريك معها ، وعليه فإنّ ما يجري من عمل مسلّح في مجمله لا يعدو ( كونه إرهاباً قادماً عبر الحدود أو قتلاً لأجل القتل ، أو هي محاولات لإعادة نظام صدام حسين إلى الحكم ) ، كما تقول قيادات الحزب الإسلامي في منشورات وزعت على أعضاء الحزب في آب 2003 ، ينطلق الحزب الإسلامي في موقفه هذا من نهجه المعلن في تبني خيار المقاومة ( السلمية ) لإنهاء الاحتلال ( لأنّ الحزب وجد فراغاً كبيراً في المجال السياسي ) ، كما يبرّر على لسان الدكتور عمار زين العابدين مسؤول مكتب الإعلام ، ويعتبر ( المشاركة السياسية تعزيزاً للمقاومة المسلحة الراشدة ) ، فيما يحاول الحزب أن يكون ممثلاً سياسياً للمقاومة وأن يستغلها لصالحه ( نحن نطمح إلى التكامل ) ، وقد حاول الحزب أن يلعب هذا الدور منذ دخوله في العملية السياسية عبر مفاوضات مع قوات الاحتلال توجت بدخول رئيس الحزب الدكتور محسن عبد الحميد في مجلس الحكم الانتقالي في تموز 2003 ، وهو مجلس يفتقر إلى الشرعيّة وفق القانون الدولي ، واستمر الحزب في رفضه المقاومة المسلحة ، رغم أنّه حزب سياسي يستمد أفكاره من تعاليم الإسلام ، بل إنّ أئمة المساجد وخطبائها من المنتمين إلى الحزب يدعون الناس في ذلك الوقت صراحة إلى عدم مقاومة المحتل عسكرياً بدعوى ( ضرورة انتظار المحتل حتّى يفي بوعوده للأمم المتحدة والعراقيين في الانسحاب بعد عام ).

 

ليس لأحد أن ينكر حقّ أيّ عراقي في التمتع بكامل حقوقه الثقافية وخصوصيتها ، ومشاركة الآخرين على أسس المواطنة الصالحة بنفس الدرجة في صنع القرار السياسي ، وفي صياغة مستقبل الوطن كشركاء فيه ، إلاّ أنّ الفيدرالية والمطالبة بها والعمل على تحقيقها في ظل الاحتلال ، ينظر إليها بأنّها خطوة نحو تقسيم العراق ، ولم يعترض الحزب الإسلامي على الفيدرالية ، بل هو يقف إلى جانبها من خلال قراره ودعوته العراقيّين للتصويت على الدستور بـ ( نعم ) في 13/10/2005 ، والدستور يقرّ الفيدرالية كأساس من أسس بناء العراق الجديد ، فيما ( يسعى الحزب لجعل العراق وطن العراقيّين جميعاً ، ويسعى صيانة وحدته واستقلاله ) كما جاء في نصّ المادّة الثانية من مبادئ الحزب ، وهي تتناقض تماماً مع موقف الحزب الحقيقي من الفيدرالية.

 

الحزب الإسلامي والمقاومة العراقيّة :

بعد أن تمكّنت الإدارة الأمريكيّة من كسب ولاء المرجعية الدينية في النجف الأشرف كما سبق وأشرنا ، وتمكنها من اختراقها على مستوى الشخصيّات النافذة أو على مستوى الشخصيّات ذات الدور الفكري التعبوي ، وما نجم عن هذا من نزوع سلمي تجاه الاحتلال عمّ الوسط الشيعي ، أي تمكّن تلك الإدارة من تحييدهم ، ثم كسبهم إلى صفها في محاربة المقاومة العراقيّة من خلال تشكيلات الحرس الوطني ومغاوير الداخلية وقوات الجيش الجديد المبنية على أساس مذهبي وعرقي ، وهذه تنفذ أجندة الحركات والأحزاب لا الأجندة الوطنية للعراقيّين جميعاً ، لهذا كان على الإدارة الأمريكيّة أن تعمل على اختراق الوسط العربي السني بعد أن ضمنت الوسط الكردي السني ، فوجدت في الحزب الإسلامي القدرة أكثر من غيره على تحقيق ذلك ، حيث يلقى الحزب ( الأشهر الأولى للاحتلال ) قبولاً واضحاً ومقنعاً لأفكاره ومنهجه المعلن كما تمت الإشارة إليه.

 

متابعة لممارسة وأطروحات الحزب الإسلامي تكشف بعضاً من الدور الذي يمكن أن يكون قد أوكل إليه في العمل على تحييد الاتجاه الإسلامي العربي السني عن مقاومة الاحتلال ، حيث أنّ الكثير من المقاومين من الفئات العمرية 17 – 25 سنة الذين يوصفون بالشباب المسلم ، والذين انخرطوا في الفعل المقاوم المسلّح منذ الأيام الأولى للاحتلال ، ما لبث هؤلاء أن تراجعوا عن حمل السلاح بعد أقل من ثلاثة شهور بتوجيهات من قياداتهم الحزبية التي تمكنت من الهيمنة على أفكارهم ، وقد يكون هذا التراجع متزامناً مع المفاوضات التي جرت بين إدارة الاحتلال وقوى عراقية مرتبطة بها من جهة ، وبين قيادات الحزب الإسلامي من جهة أخرى والتي توجت بدخول الحزب الإسلامي في مجلس الحكم الانتقالي ممثلاً برئيسه الدكتور محسن عبد الحميد ، كما سبق ذكره.

 

يدرك الحزب الإسلامي كما هي الإدارة الأمريكيّة ، أنّ الاتجاه الإسلامي الأصولي في العراق لـه الثقل الأكبر في مقاومة الاحتلال ، لذلك لابدّ أن يكون هناك تنسيقاً ما قد جرى بينهما بهدف توجيه دفة نشاط ما أمكن من العرب السنّة باتجاه يخدم هدف الاحتلال في اختراق البنى التحتية والتنظيمية للمقاومة ، ومعرفة أساليب عملها وأهدافها الآنية والمستقبلية ، وعناصر قوتها ومكامن ضعفها ، وحقيقة برنامجها السياسي والعسكري بما يسهّل اختراقها واحتوائها ، ومن ثم الانقضاض عليها لتمرير مشروع الاحتلال مقابل امتيازات مادية ومكاسب سياسية ونفوذ اجتماعي.

 

نشط الحزب الإسلامي في استقطاب الشباب المسلم على أوسع نطاق ، وضمهم إلى صفوفه مستغلاً في ذلك منابر المساجد التي جيّرَ أكثر من 90 % منها لصالحه عن طريق الترغيب لمن هم ليسوا معه من الخطباء ، أو ترهيبهم بالتخلي عن منابرهم لصالح مناصريه ، وكذلك عن طريق الهيمنة على جمعيات الإغاثة الإسلاميّة التي استغلها لغايات الكسب التنظيمي عن طريق التوزيع غير العادل لإيراداتها ، وقد أولى الحزب اهتماماً عالياً بالتربية الفكرية لهؤلاء الشباب من خلال المحاضرات السياسية والدينية ، وإدخالهم دورات مكثفة على الحاسوب ، وإشغالهم بأنشطة رياضية تستنزف جلّ وقتهم ، وقد أنفق الحزب على هذه النشاطات بسخاء مادي يثير علامات استفهام حول مصادر تمويل الحزب وضخامتها.

 

إنّ المقاومة العراقيّة في عمومها اتخذت من المناطق ذات الكثافة السكانية للعرب السنة مأوى ومنطلقاً لها ، وبيئة لاستقطاب المقاومين وتجنيدهم في صفوفها ، لذلك بدأ الحزب الإسلامي بمهمة احتواء الشباب المسلم خاصّة كما أوردنا ، وتحييدهم مرحلياً ومن ثم تجنيدهم للعمل بالضد من المقاومة في مرحلة لاحقة إذا كان هذا ممكناً ، فالكثير من المقاومين الإسلاميين بدا عليهم التثاقل بادئ الأمر ، ثم الانسحاب إثر قناعات مكتسبة تولدت لديهم فحواها عدم توفّر شروط الجهاد في الوقت الحاضر.

 

لم تمض سوى أيام على احتلال العراق حتّى انطلقت المقاومة العراقيّة ، وبمرور أسابيع تمكّنت من فرض نفسها كواقع لا يمكن تجاهله ، فاتسعت رقعة انتشارها الجيوسياسية ، وتزايدت مشاعر التعاطف الشعبي معها عراقياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً إلى حدّ ما ، ووسط هذه الأجواء ظهر الحزب الإسلامي بنشاط علني في عموم المناطق التي تشهد عمليات مقاومة للاحتلال ، وعادة ما تكون مناطق عربيّة سنيّة شبيهة بالوسط الذي ينتشر فيه الحزب ، إلاّ أنّ الكثير من فصائل المقاومة صنفت الحزب الإسلامي كأحد القوى المساندة للاحتلال ، وفي ضوء هذا التصنيف تلقت مقراته وقياداته ضربات متتالية من المقاومة العراقيّة ، وتمّ استهدافه في أغلب المدن التي يمارس فيها نشاطاته ، ولم يسلم رئيسه من محاولات فاشلة استهدفت اغتياله شخصياً.

 

محطات سياسية في مسيرة الحزب :

 

المحطة الأولى :

 مجلس الحكم الانتقالي :

تمّت الإشارة إلى ظروف مشاركة الحزب الإسلامي فيه آنفاً.

المحطة الثانية :

دور الوسيط في معركة الفلوجة:

كان دخول الحزب الإسلامي ممثلاً بالسيد حاجم الحسني أحد كبار قيادييه آنذاك في وساطة بين قوات الاحتلال والمقاومة العراقيّة في معارك الفلوجة 2004 ، أمراً أزال الكثير من علامات الاستفهام الدائرة حول حقيقة تخندق الحزب الإسلامي ، وخاصّة لدى أولئك الذين يرون فيه حزباً مناهضاً للاحتلال أو على الأقل ما يفهم من بياناته المتكررة بمطالبة الاحتلال بالانسحاب ، وقد أعلن الحزب الإسلامي بأنّه مقبول من فصائل المقاومة العراقيّة لأن يكون وسيطاً بينها وبين الاحتلال ، إلاّ أنّ هذه الفصائل أكّدت من خلال بياناتها عن رفضها قبول وساطة الحزب ، وأن لا وجود لأيّة قناة مباشرة من قنوات الاتصال بينهما ، وانه ليس محل ثقة المقاومة ، ووصل الأمر إلى حدّ اتهام الحزب بأنّه طرف مساند للاحتلال ، وأنّه يحاول فرض وجوده بين وسطاء آخرين لتحسين صورته لدى الآخرين الذين يرون فيه حزباً يدعي تبنيه نهجاً إسلامياً يفرض عليه قتال المحتلين لا الدخول وسيطاً بينهم وبين المقاومة ، إلاّ أنّ حرص المقاومة العراقيّة على وحدة أهل الفلوجة وتجنّب شقّ صفوفهم ، جعلها تستجيب لمطالب الوجوه العشائرية والشخصيات الاجتماعيّة ورجال الدين فيها لقبول وساطة الحزب الإسلامي ، وهو ما يفسّر دخولهم المتأخّر عن الوسطاء الآخرين.

ويمكن اعتبار هذه المحطة من أسوأ المحطات التي أضرت بالمقاومة العراقية ، خاصة وان الوقائع الميدانية كانت تشير إلى وقوع قوات الاحتلال تحت وطأة حصار بري محكم ، حيث قطعت خطوط إمداداته بفعل السيطرة المطلقة للمقاومة على الطرق البرية المؤدية إلى الفلوجة ، أما الإمداد الجوي فقد كان محفوفا بالمخاطر حيث تعرضت مروحيات الاحتلال التي تنقل المؤن والعتاد إلى نيران المقاومة ، وتم إسقاط عدد منها ، كما أن الإمداد الجوي لا يتناسب مع حجم المعارك ومتطلباتها ، وبذلك يسجل الاحتلال للحزب الإسلامي جميل إنقاذه من هزيمة وشيكة أدركها حراس احد المعتقلات الذين كانوا يتساءلون عن مصيرهم ، وما الذي ستفعله المقاومة بهم ، هل ستقتلهم أم تدعهم يغادرون إلى عوائلهم بسلام؟.

 

المحطة الثالثة :

من المشاركة السياسية إلى المقاومة السلمية :

بعد أن أصدر رئيس الحكومة الانتقالية ( إياد علاوي ) أوامره للجيش الجديد باجتياح مدينة الفلوجة للمرة الثانية خلال عام 2004 بمساندة قوات الاحتلال ، أعلن الحزب الإسلامي انسحابه من الحكومة المؤقتة وانتقاله من منطق ( المشاركة السياسية إلى منطق المقاومة السلمية ) كما ورد في بيان الحزب في 9/11/2004 معللاً ذلك بأنّه ( لا يريد أن يتحمّل سفك الدماء العراقيّة بلا مبرر شرعي ) كما جاء في مقابلة أجرتها وكالة قدس برس مع الأمين العام المساعد للحزب السيّد إياد السامرائي ، وهذا التحول في نهج الحزب يثير تساؤلات عن تبرير الحزب للدماء التي سفكت منذ 9/4/2003 ولغاية هذا التاريخ حين كان شريكاً في الحكم ، وقد اصطدم هذا التحوّل في نهج الحزب الإسلامي بموقف الرجل الثاني في الحزب السيّد حاجم الحسني الوزير في حكومة علاوي ، الذي رفض تقديم استقالته استجابة لطلب الحزب إثر إعلانه الانسحاب من العمل السياسي المشترك مع الحكومة الانتقالية.

 

المحطة الرابعة :

الانتخابات الأولى 30 كانون ثاني 2005 :

يمكن أن يكون الموقف من الانتخابات الأولى في 30 كانون ثاني 2005 من المحطات المهمة في مسيرة الحزب الإسلامي العراقي ، فقد دعا إلى الدخول في الانتخابات عبر تشكيل قائمة عراقية وطنية كما اسماها ، ( يتمثّل الحزب فيها إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المعروفة على النطاق الوطني ، والمعروفة بالشفافية والنزاهة ) وقد وزّع الحزب بيانات على المصلين في مساجد بغداد والمحافظات لم ننشر في وسائل الإعلام ، وهي تدعو المسلم ( إلى المشاركة في الانتخابات لترشيح وانتخاب من تثق بـه من ذوي الأيادي المتوضأة الذين يريدون الخير لهذا الوطن ) ، ولم يستمر الحزب الإسلامي على موقفه هذا ، حيث ما لبث أن اتخذ موقفاً مناقضاً لـه ، إذ أعلن مقاطعته لها.

 

المحطة الخامسة :

الاستفتاء على الدستور:

يمكن أن يكون البيان رقم 97 الصادر عن الحزب الإسلامي في 13/10/2005 من أهمّ ما يعكس موقف الحزب من الدستور ، وحسب ما جاء في نصّ البيان ( وجد الحزب الإسلامي العراقي نفسه مضطراً لتحديد موقفه من مسودة الدستور بأنّه الرفض الكامل.. وأخذ بتحشيد جماهيره وكلّ العراقيّين ليصوتوا على مسودة الدستور بـ (لا) لإدراكه المخاطر التي تحيق بالعراق أرضاً وشعباً وهوية وثروة من جراء مسودة الدستور ) ، كما يعبّر البيان ، ويضيف من منطلق الحرص على عدم تراجع العملية السياسية ، مؤكداً على إمكانية تغيير مسودة الدستور تحت ما أسماه بضغط الإرادة الخيرة للجماهير ، معتبراً أنّ إسقاط الدستور يساهم في ( زيادة الاحتقان في الشارع العراقي المحتقن أصلاً ) ، وعلى الرغم من أنّ الحزب الإسلامي قد وافق على قانون إدارة الحكم الانتقالي المبني أساساً وفق مواد القانون المذكور ، إلاّ أنّ الحزب الإسلامي على لسان أمينه العام السيّد طارق الهاشمي اعتبر أنّ ( إسقاط الدستور بالقول (لا) يعني الرجوع إلى قانون الدولة الانتقالية الذي فيه من المثالب والعيوب الكثير ) كما صرّح بهذا في 12/10/2005.

 

إنّ مواقف الحزب الإسلامي تلك ، تعكس حالة التذبذب والتأرجح وعدم الثبات على الموقف ، وهو ما يضفي شكلاً من أشكال الغموض يغلف حقيقة الحزب ومواقفه التي تغلّب المصالح الشخصيّة والطمع بالمكاسب السياسية على حساب المصالح العليا للعراق.

 

وفي خبر سبق صدور البيان 97 ، أوردت قناة الجزيرة مساء 11/10/2005 نقلاً عن الحزب الإسلامي دعوته العرب السنة للتصويت بـ ( نعم ) على الدستور في الاستفتاء المقبل في 15/10/2005 ، ولم تمض سوى دقائق حتّى أعلن الأمين العام للحزب نفيه للخبر ، وتأجيل حسم موقفه من عملية الاستفتاء ، مشيراً إلى احتمال أن يكون موقف الحزب منها بالإيجاب ، إثر هذا أعلن السيّد جواد المالكي من قائمة الائتلاف تأكيده لموقف الحزب الإسلامي ، مشيراً إلى أنّ هذا الموقف اتخذ بناءً على وساطة قامت بها السفارة الأمريكيّة في العراق وبالتنسيق معها ، وفي وقت لاحق أعلن السيّد إياد السامرائي ( أنّ الحزب قد اتخذ قراره بالمشاركة في الاستفتاء والتصويت بـ ” نعم “ ) ، ومن خلال استعراض المراحل التي مرت بها الدعوة للقول ( نعم ) للدستور ، يمكن ملاحظة عملية التهيئة المتأنية للرأي العام العراقي عموماً ، ولأتباع الحزب الإسلامي خصوصاً لقبول موقفه دون ردود فعل غير محسوبة بالنسبة لقياداته.

 

وفي 13/10/2005 ، أعلن الحزب الإسلامي موقفه رسمياً كما أشرنا ، لأسباب يراها الحزب ، منها إجراء تعديلات تفيد ( بأنّ الجمعيّة الوطنية الجديدة ستملك الصلاحيات الكاملة لتعديل أو تغيير أو إعادة صياغة ( كلّ ) مواد الدستور ) ، وهو ما لم توافق عليه قائمة الائتلاف ، رغم أنّ الحزب الإسلامي قد حصل على ضمانات من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربيّة كما أعلن ، ومع هذا فإنّ الحزب الإسلامي يرى ( أنّ الضرورة قد انتفت في التصويت على الدستور بـ ” لا “ ، وأنّ المخاطر المتوقعة من جراء المسودة قد تراجعت إلى الحدّ الذي ندعو فيه أهلنا للتعامل بإيجابية مع مثل هذا الاستفتاء ، على أنّ التصويت بـ ( نعم ) للدستور لا يعني رفع تحفظاتنا على العديد من المواد التي وردت فيه ، وإنّما العمل على تمرير الدستور من أجل تعديله في المستقبل ) ، كما جاء في البيان.

 

أوضح السيّد طارق الهاشمي ( أنّ الحزب الإسلامي يفهم التعديل الذي جرى على مسودة الدستور ، والذي يتيح ترحيل كامل الدستور بلا استثناء لأيّة فقرة إلى الجمعيّة الوطنية القادمة لمراجعتها وإعادة النظر فيها ) ، ووصف الحزب الإسلامي الاتفاق النهائي على مسودة الدستور بأنّه ( إنجاز عظيم ) ، وقد باركت دائرة الوقف السني موقف الحزب الإسلامي ، ومع ذلك أثار هذا الموقف غضباً عمّ المدن العراقيّة التي تتبنى خيار المقاومة المسلّحة ، فقد تمّ نسف وإحراق العديد من مقراته في بغداد والصينية والفلوجة والموصل وغيرها ، فيما قدّم العديد من أعضائه استقالاتهم احتجاجاً على موقف قياداتهم ، فمعلوم أنّ الدستور مفروض أمريكياً ومن قوىً شعوبية طامعة ، وكلاهما يصران على تمريره بموعده وبأيّ ثمن كان ، في حين كان أتباع الحزب الإسلامي وغيرهم من العراقيّين يأملون بموقف يتمثّل في مقاطعة رسمية صريحة لدستور يلغي هوية العراق العربيّة الإسلاميّة ، ويقرّ مبدأ الفيدرالية الذي هو الخطوة الأولى نحو التقسيم ، ويؤسس لعراق عرقي مذهبي يفتقد مقومات الوحدة الوطنية ، ويزيد من احتمالات نشوب حرب أهلية ، وغير هذا من المخاطر التي ستنجم عن إقراره ، وكان من شأن المقاطعة الرسمية لو تمّت ، أن تعطي أصحابها حقّ المطالبة بحقوقهم مستقبلاً ، وتشرعن للشعب العراقي ومقاومته كأيٍّ شعبٍ يقع تحت الاحتلال الأجنبي ، وهذه الشرعيّة يستمدها الشعب أساسا من رفضه ومقاطعته الرسمية للعملية السياسية ، وما يترتب عليها من نتائج فاقدة للشرعية كونها تتمّ تحت الاحتلال العسكري ، وهو احتلال غير شرعي ، وحسب المبدأ الثابت فإنّ كلّ ما بني على باطل فهو باطل حكماً ، وعليه فإنّ العملية السياسية بمجملها عملية باطلة لأنّها بنيت وفق إرادة المحتل ، وهي إرادة باطلة وفق القانون الدولي ووفق ما هو متعارف عليه في تاريخ الأمم.

 

المحطة الخامسة :

الانتخابات الأخيرة :

لم يدع الحزب الإسلامي أيّة فرصة دون أن يؤكّد على خياره الذي أسماه المقاومة السلمية ، وجرياً على هذا النهج شارك الحزب الإسلامي بالعملية السياسية في أغلب مراحلها ، بما فيها مشاركاته في مؤتمرات المعارضة العراقيّة قبل الاحتلال ، ومن أهمها مؤتمر لندن الذي رسم مستقبل العراق الذي نراه الآن.

 

عقب عملية الاستفتاء على الدستور ، وما أفرزته من تكريس واضح للمذهبية والعرقية في أجواء العملية السياسية والمجتمع العراقي ، وخلال عام من سيطرة قائمة الائتلاف على زمام الأمور ، وما تخلّله من انتهاكات ضد العراقيين ، ومن فضائح تعذيب في سجون الاحتلال والأجهزة الأمنية العراقيّة ، وغير ذلك من مشاهد الدم التي باتت مألوفة ، بدءاً من القتل على الهوية ، مروراً بحملات الاعتقال لعشرات الآلاف من العراقيّين ، والحملات العسكريّة المشتركة ضد المدن ، وانتهاء بالاغتيالات المتبادلة ، أجواء كهذه ساهمت في ولادة تحالفات سياسية بين أطراف لا تلتقي على أرضية وطنية مشتركة ، بل تجمعها حسابات قد لا تكون في مصلحة العراق الوطن والمواطن ، وقد دخل الحزب الإسلامي في أغلب التحالفات استجابة لرغبته بالتواجد دائماً على الساحة بأيّ شكل وتحت أيّة مسميات ، ومن أبرز هذه التحالفات موافقة الحزب على الاشتراك في المؤتمر الذي دعت إليه حركة الوفاق الوطني باسم ( مرام ) ، التي ظهرت على خلفية الاحتجاجات على نتائج الانتخابات الأخيرة التي شارك فيها إلى جانب مؤتمر أهل العراق ، ومجلس الحوار الوطني باسم جبهة التوافق ، وقد شارك الحزب وفق رؤيته التي عبّر عنها الدكتور عمار زين العابدين مسؤول مكتب الإعلام ، الذي يرى في مشاركة حزبه تصحيحاً للخلل الواضح في ( الميزان السياسي والاجتماعي ، وكان لهذا الخلل نتائج خطيرة لمسناها في استفحال الاعتقالات والاغتيالات وضرب المدن الآمنة وتشريد السكان وأقبية التعذيب وما إلى ذلك... مما استدعى النهوض بقوة لتصحيح الوضع من قبل القوى المغيبة والرافضة للاحتلال ) ، ويرى ذات القيادي في الحزب الإسلامي ( أنّ الاحتلال الأمريكي بالذات هو أعتى أنواع الإرهاب ، ولا يمكن أن يكون المتعاونون معه إلاّ إرهابيين وأدلاء للإرهاب ) ، ورغم هذا التوصيف للعلاقة بين قوات الاحتلال والإرهاب إلاّ أنّ الحزب الإسلامي لا يرى ضيراً في ( التحاور حتّى مع قوة الاحتلال ، لا سيّما وأنّ القوة المحتلة الآن في أضعف حالاتها ، وهي تبحث عن مخرج من أزمتها ) على حدّ قول مسؤول مكتب الإعلام ، وهذه الرؤية تعكس السلوك البراغماتي الذي يحكم تعاطي الحزب الإسلامي مع الحدث ، أي غياب المبدئية في العمل السياسي ، وقد تدلّل هذه الرؤية على شكل من أشكال العلاقة مع قوات الاحتلال ، واندفاع الحزب باتجاه نجاح العملية السياسية التي تعول عليها الإدارة الأمريكيّة كثيراً كخطوة في طريق نجاح مشروعها الاحتلالي ، بما يكفل تزيين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي الذي لم يعد قادراً على تحمّل المزيد من الخسائر الاقتصاديّة والبشرية في القوات الأمريكيّة ، وهو ما أدى إلى تراجع شعبية رئيس الإدارة الأمريكيّة إلى أدنى مستوياتها ، وهذا يتفق تماماً مع رؤية الحزب الإسلامي بأنّ ( القوة المحتلة الآن في أضعف حالاتها ، وهي تبحث عن مخرج من أزمتها ) ، وهكذا يتجلى بوضوح أنّ هذا المخرج لن يتمّ إلاّ من خلال نجاح العملية السياسية ، وهذا النجاح يرتبط مباشرة بالقضاء على المقاومة العراقيّة ، مما يثير أكثر من علامة استفهام حول الدور الموكل إلى الحزب الإسلامي.

 

بذل الحزب الإسلامي جهداً في إقناع بعض فصائل المقاومة والحصول منها على وعود بوقف عملياتها خلال التصويت على الانتخابات ، وقد نجح الشيخ إياد العزي عضو المكتب السياسي للحزب في إقناع بعض تلك الفصائل بضرورة مشاركة العرب السنة في الانتخابات ، وهو أمر مهم اعتبرته الإدارة الأمريكيّة نجاحاً للديمقراطية وفق مفهومها ، وتلتقي هذه الرؤية مع رغبة قوات الاحتلال بهذا الشأن ، وقد تمّ اغتيال الشيخ العزي على يد مسلحين بعد حصوله على تلك الوعود ، ونعاه الرئيس العراقي السيّد جلال الطالباني بقوله : ( لقد فقدنا رجلاً لعب دوراً مشهوداً في محاربة الإرهاب ) ، أي المقاومة العراقيّة كما يفهمها السيّد الطالباني.

 

يؤمن الحزب الإسلامي بحق الشعوب في مقاومة المحتل ، وقد ارتأى الحزب أن ينتهج المقاومة السلمية في هذه المرحلة ( لأن الحزب وجد فراغاً كبيراً في هذا المجال ، بينما يوجد في ساحة المقاومة المسلّحة من يشغلها من الرجال الوطنيين والإسلاميين ) ، حسب تصريحات الدكتور عمار زين العابدين الذي يرى في هذه المشاركة السياسية تعزيزاً لما أسماها بالمقاومة الراشدة ، وهو يطمح إلى ( التكامل بين المقاومة المسلّحة وبين السياسية كحاجة معلنة من فصائل المقاومة العراقيّة ) ، وبالتأكيد إنّ المقاومة المسلّحة لها تحفظاتها على الحزب الإسلامي ، ولا ترى فيه الأهلية للعب هذا الدور ، حيث لم تلق مواقفه خلال مسيرة ثلاثة أعوام من الاحتلال قبولاً من المقاومة العراقيّة ، التي لم تجد فيها ما يعزز عملها ضد الاحتلال ، بل إنّ الكثير من الفصائل صنفت الحزب الإسلامي ضمن القوى المساندة للاحتلال بدليل استهداف قياداته ومقراته نتيجة مواقفه المعلنة.

 

الخلاصة :

من خلال ما ورد ، يمكن تثبيت أهمّ ما تمَّ التوصّل إليه من خلال هذا الرصد لبعض من أدبيات الحزب الإسلامي ومواقفه وبياناته وتصريحاته وتبليغاته لأئمة المساجد المحسوبين عليه ، ومن خلال المتابعات الميدانية:

أولاً-

منذ الأيام الأولى للاحتلال ، عمل الحزب الإسلامي على تحييد الشباب المسلم عن العمل المسلّح في المدن التي يمارس فيها نشاطاته ، والتأثير عليه من أجل أن ينتهج خيار الحزب في المشاركة السياسية ثم خيار المقاومة السلمية فيما بعد.

ثانياً-

مشاركة الحزب الإسلامي في أغلب مراحل العملية السياسية التي ينظر إليها العراقيّون بأنّها غير مشروعة كونها تجري في ظل الاحتلال العسكري.

ثالثاً-

 تغليب المصالح الحزبية والشخصية والمكاسب السياسية على المصالح الوطنية العليا.

رابعاً-

تزايد حالة الرفض الشعبي للحزب ومواقفه ، خصوصاً في مدن غرب العراق.

خامساً-

 تراجع الكثير من أعضائه عن العمل معه لاحتجاجهم على مواقف الحزب العملية وتناقضها مع أدبياته ، وخاصّة فيما يتعلّق بالعلاقة مع الحكومة والاحتلال وأساليب إنهائه.

سادساً- ممارسة الحزب لعملية تضليل فكري على أتباعه ، واكتشافهم عدم إيفاء قوات الاحتلال بوعودها بالخروج من العراق بعد عام ، ثم بعد عامين ، كما روّجت قيادات الحزب.

سابعاً-

في إطار التناقض بين الفكر والممارسة ، قد يشهد الحزب حالة من التفكك في هياكله التنظيمية بعد فشل خياراته السياسية ، وآخرها الانتخابات الأخيرة التي لم يستطع من خلالها الإيفاء بوعوده الانتخابية بإنهاء الاحتلال عن طريق المقاومة السلمية لا المسلّحة.

ثامناً-

افتقار سياسة الحزب ومواقفه للحكمة وترددها وتخبطها وعدم ثباتها على المبدأ.

تاسعاً-

تماشي سياسة الحزب مع رغبة وتوجهات إدارة الاحتلال ، وخاصّة توافق رؤيتهما من العملية السياسية وضرورة نجاحها بأيّ ثمن.

عاشراً-

غياب الرؤية الإستراتيجية خاصّة فيما يتعلّق بالموقف من الدستور ، وعدم قراءته الواقع قراءة صحيحة ، وتصديقه بضمانات تتعلّق بتعديل الدستور مستقبلاً.

حادي عشر-

عدم تبنّي الحزب للجهاد رغم كونه حزباً سياسياً دينياً ، وهو ما يؤشر إلى كونه حزباً سياسياً يحاول استغلال الدين لحسابات خاصّة.

ثاني عشر-

عدم اتخاذه موقفاً رسمياً واضحاً ومعلناً من مسألة هوية العراق العربيّة والإسلاميّة ووحدته ، وخاصّة تهديدها في حال قيام الفيدراليات.

ثالث عشر-

محاولات الاستئثار بالسلطة والمراكز الوظيفية على حساب الاتجاهات السياسية الأخرى.

رابع عشر-

استغلاله حاجات العراقيّين للإعانات والمساعدات ، وكذلك منابر المساجد في كسب الأتباع والمؤيدين.

خامس عشر-

البحث الدائب عن الزعامة والإمساك بدفة التغيير والدور السياسي ، ولم تشكّل العقيدة الفكرية عائقاً يحول دون طموحاته.

 

الخاتمة :

ختاماً ، إنّ برنامج الحزب الإسلامي قد أخفق في إثبات وطنيته منذ مشاوراته المبكرة مع قوات الاحتلال ، والتي انتهت بدخوله في تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي ، وهو مؤسسة من مؤسسات الاحتلال ، وقد نجح الحزب باستغلال توصيفه ( الإسلامي ) في كسب المزيد من الأتباع بادئ الأمر ، وبالذات من شريحة الشباب المسلم وتسييسهم ، وتوجيههم الوجهة التي يرتأيها الحزب وقياداته إلى ساحات عمل بعيدة عن الساحات الوطنية ، التي تفرض على من هم في داخلها مقاومة الاحتلال عسكرياً أولاً ثم سياسياً ثانياً ، فالأفق السياسي عادة ما يكون مكشوفاً للآخر في اتجاهاته وأهدافه ، مما يسهل التصدّي لـه وتضييق المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلالها في حدّها الأدنى من استرداد السيادة والمطالب المشروعة في التحرير ، ويبقى الخيار السياسي مهماً حين يتزامن مع الخيار المسلّح وينقاد لـه ، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال العمل بالخيار السياسي على انفراد ، في حين يمكن للخيار المسلّح أن يقطع مسافات متقدمة باتجاه مهمته في إنهاء الاحتلال بمفرده ، ثم يأتي الخيار السياسي بعد أن يتمّ إنهاك العدو ، وبعد أن يرى هذا العدو قوة العمل المسلّح ونتائجه السلبية على مشروعه وأهدافه التي جاء من أجلها غازياً ، عندها يبدأ العدو في البحث عن قنوات للتفاوض مع المقاومين من موقع ضعف ، وبذلك تتمكن المقاومة العراقيّة من فرض إرادتها على العدو لا العكس ، وهذا المنطق يصبّ في الاتجاه المعاكس لرؤية الحزب الإسلامي ، لهذا يمكن القول أنّ الحزب الإسلامي قد وقع في خطأ تاريخي بحق الشعب العراقي ، وبحق تاريخه كحزب ، لذا عليه أن يعقد صلحاً مع نفسه ومبادئه التي ينادي بها ، أو أن يعلن تخليه عنها رسميا ، وأن يقوم بمراجعة سريعة يتمخّض عنها عدوله عن نهجه كي لا يقع ضحية خطأ قاتل آخر قد يأتي على ما تبقى له من أتباع ورصيد جماهيري.

 

تنويه :

اعتمدنا في الموضوع على مشاهدات ميدانية ، خاصّة في الأشهر الأولى من الاحتلال.

يعتمد الحزب الإسلامي أسلوب التوجيه الشفهي لأتباعه من خلال قياداته الفكرية في الترويج لخطابه.

 

(انتهت)

20 شباط 2006

إلى صفحة مُشاركات الزوار2