07/02/1428

اليورانيوم المنضب: قاتل خبيث يستمر في القتل1

ترجمة: د. عبد الوهاب حميد رشيد

* الأسئلة

     أعيش على بعد أميال قليلة من مصنع ATK (Alliant Tech) المنتج لقذائف وعتاد اليورانيوم المنضب Depleted Uranium-DU. تستخدم هذه القذائف ضد المدرعات لتدمر وتقتل، وهي مع بقية أسلحتنا العسكرية المتطورة المدمّرة تُذكرنا بفشل حضارتنا. لكن أسلحة اليورانيوم المنضب والقذائف ضد المدرعات تشكل فقرتين تثيران أسئلة بشأن ما إذا كان المجتمع بحاجة إلى هذه الأسلحة. بعد فترة قصيرة من حرب الخليج (1991) أخذ الناس من عسكريين ومدنيين يتساءلون عن مدى سلامة هذه الأسلحة التي تُنتج من مواد إشعاعية. وكلما كَثرتْ الأسئلة اتجهت المجمعات الصناعية نحو إصدار المزيد من الدراسات التي تبين سلامة عتاد اليورانيوم المنضب. أطلقت CEO على اليورانيوم المنضب في إحدى دراساتها تسمية "قشدة الحليب!"

     ومع ذلك يرى أعداد من المعنيين أن شيئاً غادراً insidious يحدث عند استخدام قذائف اليورانيوم المنضب. كيف يمكن تفسير تضاعف معدلات الإصابة بالسرطان وعلى نحو متصاعد، أمراض صعوبات التنفس، انتشار التسمم الإشعاعي بين العراقيين في منطقة البصرة؟ كيف يمكن تفسير حصيلة دراسة إدارة شئون المحاربين القدماء ممن خدموا في حرب الخليج (1991) معاناة 21 ألف من صعوبات/ مشاكل defect في التنفس بمعدل مضاعف للذكور وبمعدل ثلاث مرات لدى الإناث مقارنة بالمحاربين القدماء ممن لم يخدموا في تلك الحرب؟ كيف يمكن تفسير تقرير واشنطن بوست- يناير/ ك2 2006- من أن 518 ألف من المحاربين القدماء من مجموع 580 ألف من المحاربين القدماء الذين خدموا في حرب الخليج سُجلوا على قائمة العجزة disability، وأن أكثر من نصفهم في حالة عجز دائم؟ كيف يمكن تفسير موت أكثر من 13 ألف من هؤلاء المحاربين القدماء في حين قُتل في ساحة المعركة فقط 250 وجُرح 7000 في هذه الحرب ذاتها؟

     وأخيراً، ومن خلال البحث العلمي لـ Dr. Rosalie Bertle المعترف به عالمياً، من المحتمل أن يكون لدينا الجواب على هذه الأسئلة. والجواب يتطلب الأخذ في الاعتبار طريقة منهجية علمية مناسبة، على عكس المنهجيات غير المناسبة التي قامت على افتراض أو الادعاء بعدم وجود مضار لليورانيوم المنضب. وبنفس الأهمية المطلوب إدراك أن مادة اليورانيوم المنضب تضم مركبين: مركب إشعاعي radiological ومركب معدني ثقيل heavy metal وهما في مركب واحد أكثر سمّية من كل منها على حدة.

* ما المقصود باليورانيوم المنضب، ولماذا يُشكل مشكلة؟

     اليورانيوم المنضب DU عبارة عن نفايات waste ناتجة عن تخصيب اليورانيوم في مفاعلات نووية لإنتاج القنبلة الذرية. تمتد حياة (حيوية وفعالية) هذه النفايات لمدة 4.5 بليون سنة! يتم التعامل مع اليورانيوم المنضب في الولايات المتحدة فقط من قبل أشخاص مدربين في مجال سلامة الإجراءات الإشعاعية. كذلك يجب عزل هذه المادة عن البيئة.

     جاءت أغلبية التقييمات لأوكسيد اليورانيوم من خلال تعدين وفرز اليوارنيوم mining and milling، لكن هذه الطريقة تهمل حقيقة جوهرية- إن أوكسيد اليورونيوم الناتج في أرض المعركة مختلف جداً عن أوكسيد اليورانيوم الناتج بدرجة حرارة اعتيادية أثناء التعدين والفرز. فعندما تصيب قذيفة اليورانيوم المنضب هدفاً صلباً تتفجر إلى لهب متوهج يخلق شكل دخان/ غبار معدني غير منظور، يُسمى في الغالب: هباء جوي aerosol. (اختبارات نُفّذتْ بعد 8-10 سنوات على حرب الخليج1991، وجدتُ أن غبار اليورانيوم المنضب انتقل من أرض المعركة إلى البصرة وبغداد، رغم عدم حصول معارك فيهما!)

     تتضمن عملية معالجة اليورانيوم المنضب aerosolizing درجات حرارة 3000-6000 مئوية ليتحول إلى أوكسيد على شكل جسيمات خزفية بالغة في الصغر وغير قابلة للذوبان في سوائل الجسم. وإذا ما تم استنشاق هذه الجسيمات، عندئذ تخلق ترابطاً إشعاعياً ومصدراً معدنياً سمّياً. وتلك الدرجة الحرارية العالية تخلق معادن ثقيلة أخرى في نفس المساحة تكون متصلبة كالفولاذ، نيكل المنيوم وحديد وهي قابلة للاستنشاق. ذلك أن جُسيم اليورانيوم المنضب (مع بقية المعادن) بحجم الفايروس تقريباً، قادر على اختراق الرئة والانتقال إلى بقية أنحاء الجسم. ويمكن أن تصل ذرات الجسيمات إلى أهداف حساسة: الأنسجة اللمفاوية، الطحال، القلب.. ولها القدرة على اختراق مركز نظام الخلايا العصبية.

* تقييم تأثيرات اليورانيوم المنضب

     تتجسّد المشكلة الرئيسة للعديد من دراسات التقييم التي تمت لليورانيوم المنضب في وجود آثار إشعاع ألفا لتصب في هيكل الخلية cell، متضمنة بروتينات DNA التي تفرز إشارات كيمياوية حيوية biochemical signals وإنزيمات بنية البروتوبلازما، وهذه كلها أُهملت من قبل علماء فيزياء الذرة ممن اعتادوا على إجراء تقديراتهم اعتماداً على غبار اليورانيوم الناتج عن مرحلة التعدين، وهي طريقة غير ملائمة تماماً مقارنة بغبار اليورانيوم المنضب الناتج في أرض المعركة. ويعتقد العديد من الأطباء الحرفيين professionals إن مشكلة البروتين مسئولة عن مختلف أمراض تفسخ الأعصاب التي أصابت المحاربين القدماء في حرب الخليج 1991.

     وحسب بيرتل "إن التعرض لمعدن ثقيل (متضمناً اليورانيوم) يمكن أن يسبب فقدان مناعة النسيج الخلوي، أمراض فقدان المناعة الذاتية، أمراض المفاصل، الدورة الدموية، والنظام العصبي... فقدان الهيكل الجيني mitochondria لوظيفته هو الأكثر إضراراً للقلب، الكلية، المخ، الكبد، والهيكل العظمي في هذا النظام," كما أن فقدان مناعة النسيج الخلوي يعرض العضو الحي للفايروس، البكتريا، وغزو فطريات البلازما مرتبطاً بمختلف الأمراض.

     وبنفس الأهمية، وجد العلماء أن كميات قليلة من اليورانيوم المنضب، حيث جسيماته بالغة الصغر، تكون سامّة جداً وتسبب السرطان ومخاطر على الذريّة/ النسل. كذلك اعترف معهد بحوث الإشعاع البيولوجي لقوات الجيش الأمريكي من أن اليورانيوم المنضب يمكن أن يسبب السرطان.

     يتعرض الكائن البشري بشكل اعتيادي/ طبيعي لـ 1.9 ميكروغرام من اليورانيوم يومياً في طعامه وشرابه، مع إمكانية امتصاص الجسم 1%-2%  من هذه الكمية. بينما تخرج البقية مع البراز.

     تحجب أجهزة الكائنات البشرية اليورانيوم الطبيعي على نحو فعال تماماً. لكن نظام الحاجز البشري غير قادر على إزالة أو طرد جسيمات اليورانيوم المنضب من الجسم لأنها على شكل مادة خزفية متصلبة قادرة على اختراق الرئتين. وهذه الجسيمات غير قابلة للذوبان وغير قابلة على فقدان قدرتها الإشعاعية والسميّة.

* إدانة دولية

أعلن المحقق الخاص للجنة الفرعية للأمم المتحدة في مجال تحسين وحماية حقوق الإنسان أن قذائف اليورانيوم المنضب غير قانونية في ظل القانون الخيري الإنساني humanitarian law القائم. كذلك فإن أسلحة اليورانيوم المنضب تنتج غباراً معدنياً سمّياً تنتهك بروتوكول جنيف بشأن تحريم استخدام الغاز في الحرب، حيث وقعت عليه الولايات المتحدة عام 1975.

* لماذا تجاهل الأدلّة؟

     لدينا أدلّة كافة موثقة بدرجة عالية من أن أسلحة وقذائف اليورانيوم المنضب تنتهك القوانين الرئيسة الأربعة والأعراف الدولية التي تحكم استخدام الأسلحة الحديثة: أن ينحصر أثر السلاح في أرض المعركة.. أن لا يسبب القتل بعد انتهاء المعركة.. أن لا يتسبب في معاناة قاسية/ وحشية.. وأن لا يكون له أثر سلبي على البيئة الطبيعية. لدينا بالتأكيد أدلّة كافية لإيقاف استخدام هذه الأسلحة.. ومع ذلك نستمر في إنتاج وبيع واستخدام قذائف اليورانيوم المنضب. كيف يمكن تبرير هذه الممارسات؟

     لعل النظر إلى نموذج Agent Orange** يعطينا فكرة أعمق. فقد تجاهلت حكومتنا المحاربين القدماء ممن تأثروا بهذه المواد الكيميائية السامة وعلى مدى ثلاثين عاماً بعد حرب فيتنام قبل أن تعترف أن ألـ Agent Orange كانت، في الحقيقة، سبباً للكثير من المشاكل الفيزيولوجية التي تحملها المحاربون القدماء في حرب فيتنام. وعندئذ كان الأكثر تأثراً بهذه المادة قد ماتوا. كانت الحكومة ستتحمل أعباء مالية أقل فيما لو اعترفت بالمشكلة في وقت سابق.

     إذا ما أقرت الحكومة أبداً أنها استخدمت في العراق قذائف اليورانيوم المنضب بواقع 1000- 2000 طن حسب غالبية التقديرات- العواقب المالية، عدا الانتهاك غير الأخلاقي الوحشي لحياة الإنسان وحرمة القانون الدولي- تصبح المشكلة أبعد من تصور نتائجها. تنظيف العراق من كميات اليورانيوم المنضب التي تغطي البلاد، تتطلب تحمل تكاليف ضخمة جداً. وخلال بضع سنوات قادمة فإن الجنود ممن خدموا في الكارثة الحالية، بخاصة دورتين أو ثلاث دورات، سيبدءون الشعور بانحطاط قواهم ويعانون من الأمراض التي أصابت المحاربين القدماء في حرب الخليج 1991. أما من استنشق جرعات أكبر من اليورانيوم المنضب فسيرون أن حياتهم الصحية قد دُمِّرتْ نتيجة الأمراض التي سيعانون منها.

     علينا أن نأخذ في اعتبارنا أيضاً تحول العراق إلى أرض قاحلة غير صالحة للحياة Uninhabitable wasteland مع استمرار غبار اليورانيوم المنضب في الهواء والتربة والماء، بقايا غبار تستمر نشطة وفعالة- إشعاعياً وسميّاً- بلايين السنين! هل هذه فكرة سوداوية جدا؟

     الدكتور جواد العلي مدير مركز علم/ دراسة الأورام في أكبر مستشفي في البصرة، قال الآتي عام 2003: "برزت ظاهرتان غريبتان في البصرة لم أُشاهد مثلها أبداً من قبل. إصابة ثنائية وثلاثية بالسرطان لمريض واحد... لزوجتي تسعة أعضاء من عائلتها مصابون بالسرطان." وأضاف: إن هذه العائلات ليس لها تاريخ في الإصابة بالسرطان. من جهة أخرى، قدّرت هيئة الطاقة الذرية البريطانية بعد حرب الخليج 1991 أن التلوث الناجم عن اليورانيوم المنضب يمكن أن يقتل نصف مليون عراقي. لدينا هنا 58 عائلة تضم كل منها أكثر من شخص مصاب بالسرطان...

* الاستنتاجات

     أرتاب في أن لا تضع مجمع الصناعات العسكرية جداراً مانعاً stonewall لإعاقة الاعتراف بآثار اليورانيوم المنضب ولأطول مدة ممكنة بغية تجنب تحمل المسئولية القانونية والمالية وغيرها، نتيجة أفعالها ألا مبالية بالحياة البشرية.

     عندما حاول John Hanchette- مؤسس محرر اليوم في الولايات المتحدة- نشر قصص حيّة عن آثار اليورانيوم المنضب، تسلّم مكالمة تلفونية من البنتاغون تطالبه بالتوقف desist عن تنفيذ هذه الفكرة. وبعد ذلك تم إخراجه من المؤسسة. كذلك رئيس منظمة الصحة العالمية- الخبير في الإشعاع والصحة- كان له تقريره بشأن اليورانيوم المنضب.. تعرض هو الآخر للقمع suppressed. وأيضاً الدكتور Asaf Dorakovic، ثم الكولونيل في الجيش الأمريكي طُلب إليه أن يكذب بشأن مخاطر اليورانيوم المنضب على الجنس البشري.

     وهكذا سوف تستمر محاولات الإعاقة ووضع الجدران أمام الاعتراف بهذه الحقيقة حتى وإن اتقدت أمراض السرطان بين جنودنا والمدنيين العراقيين، وحتى إن استمر موت جنودنا أو التجئوا للانتحار تخلصاً من الآلام المرعبة، بل حتى وإن استمرت الولادات المشوهة في الانتشار عبر العراق وبين محاربينا القدماء.

     ولكن ما العمل؟ اليورانيوم المنضب صانع نقود للمجمعات الصناعية العسكرية الضخمة مثل ATK. كما أن تحويل اليورانيوم المنضب إلى عتاد يساعد الحكومة على حلّ مشكلة مزمنة كبيرة- ماذا تفعل مع جبال من اليورانيوم المنضب، إذ يجب، حسب القانون، خزنها عميقاً تحت الأرض بعيداً عن البيئة؟ ما هو أفضل حلّ من تقديمها مجاناً لصانعي العتاد، ممن سيعيدون هذه المادة في شكل عتاد إلى العم سام Uncle Sam مقابل تحقيق أرباح ضخمة؟ وهنا يربح كل من الطرفين!!

     ما لم نستمر في المعركة من أجل كشف الحقيقة والاعتراف بها، ونصرخ عالياً من أجل تحقيق العدل، سوف يستمر جنودنا والمدنيون العراقيون يموتون بأعداد متزايدة.

     كم عدد مَنْ سيموت في العراق بسبب استمرار بقاء وانتشار هذه المواد المشعة والسامة في البلاد؟ تُشير التقديرات إلى أرقام مذهلة في الحقيقة- أكثر من 11% من ألـ 27 مليون عراقي سيموتون دون أن يتوقف تصاعد حركة الموت.. هذه مجزرة ضخمة ضد البشرية وهي مركونة في الظل منذ عقد ونصف من الزمن!             

 

Depleted Uranium: Pernicious killer keeps on killing, Craig Etchison, Ph.D., truth out, uruknet.info- 19 February,2007.

** مادة كيميائية سامة استخدمت في حرب فيتنام من قبل الولايات المتحدة وأدت إلى آلاف الإصابات بين جنودها وصدر قانون بشأنها عام 1991.  

1 للتوسع، أنظر للباحث (ترجمة منشورة في مواقع الكترونية عديدة خلال نوفمبر/ ت2 2006): العراق: ارتفاع الولادات.. العمليات القيصرية.. اليورانيوم المنضب.. اليورانيوم المنضب وراء تصاعد انتشار السرطان في العراق.

2 نفسه، التحول الديمقراطي في العراق: المواريث التاريخية والأسس الثقافية والمحددات الخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، يوليو/ تموز 2006، ص167.

إلى صفحة مُشاركات الزوار3