21/02/1428

أيهما أخطر على العرب: "إسرائيل" وأمريكا؟ أم إيران؟

(2 - 3)

 بقلم : صلاح المختار

 دور إيران في العراق خطأ أم جريمة مخططة؟

هناك مرض يصيب بعض العيون وهو الحول الخارجي وفيه تصبح عين تتجه يسارا وأخرى يمينا، فترتبك رؤية المريض المصاب به، وهذا هو حال بعض المثقفين العرب، الذين رفعتهم موجة إبادة أمريكا للمثقفين العرب التقدميين والوطنيين، او وضعتهم في سجن العزلة الإعلامية، فملأ الفراغ أنصاف مثقفين أو متعلمين يسهل على محترفي التوسع الاستعماري التلاعب بأفكارهم، إن الدور الإيراني في العراق، احتلالا وتدميرا ومحاولة تغيير هوية، يكفي لوحده لوضع إيران في خانة من يجب أن نقاتلهم كأعداء، ومع ذلك فان ما فعلته إيران اكبر وأكثر من مجرد المساهمة في إنجاح الاحتلال، ماذا فعلت إيران في العراق؟ وهل كان إسهامها ثانويا أم رئيسيا؟

لقد اشتركت إيران في غزو العراق مباشرة ورسميا، كما اعترف قادة ايران وفي مقدمتهم خاتمي حينما كان رئيسا بقول بقوله في نهاية عام 2004 (لولا مساعدة ايران لما نجحت أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان)، هذا الاعتراف قاله حرفيا قبله نائبه محمد علي ابطحي، في مطلع عام 2004 في ندوة دولية في دبي، وقاله بعدهما هاشمي رفسنجاني أثناء حملته الانتخابية في عام 2005. إذن ايران ساهمت في أنجاح غزو العراق ولم يصدر أي تكذيب لهذه التصريحات، رغم مرور سنوات عليها بل جاءت تاكيدات اخرى لها. هل هذا الموقف يصدر عن دولة اسلامية وصديقة للعرب؟ انه احتلال لقطر عربي وتدمير كامل له وليس مجرد اسقاط للنظام الوطني فيه، وهو احتلال لدولة اسلامية هي افغانستان. يحاول البعض لاسباب مختلفة تبرير ذلك بوصفه بانه خطأ ! ولا يتضح حول ضمير هذا البعض الا اذا طرحنا السؤال التالي واجبنا عليه :هل هذا الموقف خطأ ام جريمة كبرى من وجهة نظر عربية؟ بالتاكيد انه جريمة لانه كان العامل الأساسي في تقديم تغطية رسمية من دولة اسلامية للاحتلال جنبا الى جنب مع التغطية الرسمية التي قدمتها حكومات عربية بالسماح لقوات الغزو ان تنطلق من اراضيها. وهذا الموقف، حتى لو كان العمل الايراني العدائي الوحيد، هو جريمة كبرى محسوبة بدقة وليست نتاج التصرفات الفردية او الاخطاء الحكومية.

ماذا على الصعيد العملي؟ ماذا فعلت ايران مساهمة منها في تنفيذ الغزو الامريكي للعراق؟ كانت أول خطوة عسكرية هي ادخال فيلق بدر من الاراضي الايرانية الى جنوب العراق للقتال ضد القوات العراقية والمجاهدين العرب حالما دخلت القوات الامريكية والبريطانية جنوب العراق، وبفضل هذا الدور سقط مئات الشهداء على يد عملاء ايران. وهذه حقيقة معروفة ويفتخر فيلق بدر بانه قام بدوره هذا. وفيلق بدر انشأته ايران ودربته ايران ومولته ايران وتوجهه المخابرات الايرانية وتتشكل اغلب قيادته من ايرانيين او من عراقيين من أصل إيراني، وهو تابع فعليا ورسميا للمخابرات الإيرانية.

وكانت الخطوة الثانية هي خطوة استخبارية إذا أن إيران أصدرت أوامرها لعلي السيستاني الإيراني الجنسية والمرجع الأعلى في حوزة النجف ليصدر فتوى تحرم مقاتلة الاحتلال، وفتوى أخرى تدعوا العراقيين للهروب من الجيش والامن والشرطة وعدم مقاومة الاحتلال ! وكان لفتاوي السيستاني اثر مهم في ترك الآلاف الجيش وعدم المقاومة فاضعف ذلك قدرة العراق على المقاومة. وأكمل السيستاني دوره بالإفتاء بالمشاركة في مجلس الحكم، وهو جهاز أنشأه الاحتلال لتسهيل الغزو والتعاون مع المحتل، وهكذا تضافر الدور القتالي لفيلق بدر وبقية التنظيمات التابعة لإيران مع فتاوى السيستاني وأديا إلى تعطيل مقاومة عدد كبير من العراقيين للغزو.

وبعد "مجلس الحكم" تولى أنصار إيران أو حاملي جنسيتها مثل ابراهيم الجعفري ونوري المالكي رئاسة الوزراء وسيطروا على وزارتي الداخلية والدفاع. وفور حصول الاحتلال دخلت المخابرات الايرانية العراق بالآلاف واخذت توزع قوائم بأسماء من يجب اغتيالهم من ساسة وضباط وعلماء عرب عراقيين. وبدات اشرس حملة اغتيالات في تاريخ العراق قامت بغالبيتها المخابرات الايرانية بواسطة فرق الموت التابعة لها، وكانت هناك ايضا فرق موت امريكية و"اسرائيلية" تعمل كلها على تصفية كل مصادر الثروة البشرية العراقية. وبعد ان كلف جيش المهدي بلعب دور المناهض للاحتلال، لاجل استقطاب الشيعة الوطنيين وعدم السماح بافلاتهم من سيطرة الحوزة والاحزاب الموالية لايران بسبب تاييدها للاحتلال وتعاونها معه، كلف جيش المهدي بالتظاهر بمناهضة الاحتلال، ونجح في استقطاب من كان رافضا للاحتلال من أهل الجنوب، لكنه كشف فيما بعد عن هويته الحقيقية وهي انه الاداة الاكثر وحشية في عمليات التطهير العرقي، المتسترة بالتطهير الطائفي، والتي قامت وتقوم بها فرق موت ايرانية واخرى تابعة لامريكا من اجل اشعال الفتنة الطائفية تمهيدا لتقسيم العراق.

وكانت الأحزاب الموالية لايران هي أول من أيد الدستور الذي وضعته أمريكا، وتنافست مع صهاينة شمال العراق في التمرد الكردي حول تبنيه، وهو يقوم على الفدرالية على اساس عرقي وطائفي، مع انه غير موجود مثله حتى في امريكا التي تقوم الفدرالية فيها على اساس جغرافي وليس ديني او اثني او طائفي. وكانت من اخطر خطوات ايران في تقسيم العراق، طبقا للمخطط الامريكي-"الاسرائيلي"، هي الدعوة لفدرالية الجنوب مع انه عربي ولا فرق قومي بينه وبين منطقة الوسط والشمال العربي، فغلبت الصفة الطائفية على الانتماء القومي، واصبحت هوية عملاء ايران الظاهرية الطائفة وليس الوطن، وتم تبنيهم للفدرالية الطائفية، واخذوا يتحدثون عن حقهم في احتكار ثروات الجنوب لايجاد دافع اناني مادي للتقسيم ! وهكذا اصبح العراق معروضا للتقسيم بقرار امريكي-"اسرائيلي" من جهة وبقرار وتنفيذ ايراني كردي من جهة ثانية.

ولم تكتفي ايران بعمليات الابادة لالاف العراقيين وتدمير دولتهم ونهب ثرواتهم واسلحتهم وتدمير القدرات الصناعية والفنية العراقية، بل انها وبعد ان قطفت ثمن الغزو تريد الان الحصول على ثمن انتهاء الغزو! لقد وصل الدور الايراني الى حد ان احمدي نجاد رئيس ايران وخامنئي مرشده قد قالا، مرارا، ان ايران مستعدة لاخراج امريكا من مستنقع العراق اذا غيرت سياستها تجاه ايران ! ما معنى ذلك؟ معناه الصريح هو ان ايران، بعد ان ساعدت وشاركت امريكا في غزو وتدمير العراق، تريد الان تصفية خصومتها مع امريكا على حساب دماء مئات الالاف من العراقيين ووحدة العراق ومستقبل العراق والحصول على ثمن لمساعدة امريكا على الغزو وثمن اخر على مساعدتها على الخروج من المازق العراقي ! لو لم تكن التنظيمات تابعة لايران وتنفذ تعليماتها بدقة فمن اين كان سياتي النفوذ الايراني في العراق؟ أليس هذا اعتراف ايراني رسمي صريح جدا بانها تدخلت في شؤون العراق واصبحت تملك القدرة على مساومة امريكا حول الخلافات معها على حساب العراق؟ لقد قتل مليون عراقي منذ الغزو بمشاركة ايرانية مباشرة لامريكا، لان من قتل هو ليس فرق الموت الايرانية الامريكية فقط بل القوات العميلة لايران في الجيش الجديد والشرطة الجديدة والحرس الوطني والذي تشكل من عملاء ايران والبيشمركة الكردية، فقامت هذه القوات والقوات الامريكية بتدمير مدن كاملة مثلما حصل للفلوجة وغيرها.

ولم تتوقف جرائم ايران عند هذا الحد بل انها بواسطة "فرق الموت" الايرانية، بالدرجة الاولى، وبدعم أمريكي كامل تم تهجير ما بين اربعة وستة ملايين عراقي الى خارج العراق، وهذا الفرق ناجم عن عدم وجود احصاء دقيق وواحد، وحل محلهم اربعة ملايين فارسي وكردي جلبوا من ايران ! وقدرت الامم المتحدة عدد المهجرين بالقوة بثلاثة ملايين ونصف المليون خارج العراق وثلاثة ملايين داخله، تركوا بيوتهم خوفا من الموت وذهبوا لمناطق اخرى من العراق. ان عمليات التهجير هذه قامت بها بالدرجة الاولى عصابات جيش المهدي وفيلق بدر واستهدفت عرب العراق سنة وشيعة، وليس سنة فقط كما يروج البعض، لاجل تغيير التوازن السكاني للعراق وجعل القومية العربية قومية من بين قوميات اخرى، ابرزها هي الكردية، التي كان عدد افرادها مليونين ونصف المليون حتى عام 1991 واصبح الان اربعة ملايين نتيجة جلب اكراد من ايران وتركيا ومنحهم الجنسية العراقية. كما ان تقسيم العرب الى سنة وشيعة، يعزز خطة تغيير نسب السكان فأصبح التركيب الديموغرافي للعراق بلا قومية رئيسية، وانما هناك قوميات وطوائف متقاربة العدد ! وسادت تعبيرات امريكية و"اسرائيلية" وايرانية في العراق المحتل عند الحديث عن شعب العراق، أبرزها وصفه بأنه (بلد متعدد الطوائف والأعراق يتألف من أكراد وشيعة وسنة وتركمان وغيرهم) وغيبت كلمة العرب عمداً، وهذه هي الخطوة الحاسمة التي بدونها لا يمكن تقسيم العراق.

لقد كان العراق حتى الغزو عبارة عن قطر القومية العربية تشكل فيه 85 % من السكان، اما الان فلا احد يعرف ولا احد يستطيع تاكيد شيء بعد ان تمت عملية خطيرة جدا لتغيير نسب السكان. وهذه الحقيقة تفسر لم أصر الاحتلال على حرق كل سجلات الدولة العراقية ووزاراتها، ما عدا وزارة النفط، فبدون الوثائق الرسمية يمكن منح الجنسية العراقية لمن تشاء امريكا وايران وسحبها ممن تشاء.

والغريب في أمر هؤلاء العرب، الراقصين على أنغام إيران عبر مكبر الصوت اللبناني المسمى "حزب الله"، هو انهم لم يفكروا، ولو للحظة واحدة، بان صرخات ملايين العراقيين وشهادات الآلاف واستشهاد المئات من الفلسطينيين في العراق، وتقارير ممثلو الامم المتحدة وصور الموت البشعة، واعتراف جيش المهدي رسميا بانه يقوم بمحاكمات وينفذ اعدامات بحق عراقيين بالالاف، رغم هذا كله لم يفكر عرب طهران، ولو لمجرد التاكد، بان هذه الصرخات والتحذيرات تستحق التدقيق لانها، اذا صحت، ستؤدي الى كارثة اخطر واسوأ من كارثة فلسطين، وهي كارثة محو عروبة العراق وتحويلة الى دويلات قزمة طائفية او عرقية تشكل قلاعا تقوم باخطر الادوار في تدمير بقية اقطار الوطن العربي، وان ايران هي المنفذ الرئيسي لهذه الخطة بتشجيع ودعم امريكيين كاملين، وأن "حزب الله" اللبناني يقوم بتدريب عملاء ايران العراقيين في معسكراته في لبنان وفي مقدمتهم جيش المهدي الاشد وحشية واجراما من بين كل العناصر الخادمة للاحتلال!

لماذا لا يضع هؤلاء احتمالا حتى ولو بنسبة 10 % بان التهم التي توجه لايران صحيحة فيتخذون موقف الدفاع عن عروبة العراق وليس مهاجمة ايران؟ ما السر وراء اصرار هؤلاء على التقليل من الخطر الايراني بحجة ان الخطر الامريكي-"الاسرائيلي" هو الذي يجب التركيز عليه وليس ايران؟ هل القتل الايراني للعرب يختلف عن القتل الامريكي و"الاسرائيلي"؟ وهل يستطيع ضحية ايران الميت ان يشعر بالاختلاف بين الموت الايراني والموت "الاسرائيلي"؟

 

لعبة الخداع باصطناع جبهات أخرى

لقد وصفت الامم المتحدة عمليات التهجير في العراق بانها الاكبر منذ الهجرة الفلسطينية ! ورغم هذا كله وغيره لم يقنع غلمان ايران العرب بابداء الحرص على عروبة العراق وسلامة شعبه، بل على العكس اصبح دعمهم لايران سعارا مرضيا بعد لعبة الحرب "الاسرائيلية" ضد لبنان، التي قامت بترتيبها المخابرات الامريكية والايرانية بتوافق تام حول اهدافها واهمها التعتيم على احداث العراق، خصوصا التعتيم على انتصارات المقاومة العراقية ومحاولات تقسيمه والغاء هويته العربية. ولذلك اقتضت الضرورة سلب مناعة بعض العرب بتصوير ايران وكانها حامية المسلمين وعدو امريكا و"اسرائيل"! وكانت أكبر أطروحة تضليل كشفت بؤس من يدافع عن إيران هو شعار (إن الصراع الرئيسي في المنطقة يدور بين معسكرين أحدهما تقوده إيران ويضم سوريا و"حزب الله"، والثاني تقوده أمريكا ويضم "اسرائيل" والنظم العربية)! هذا الشعار لم يكتشف بعض السذج طبيعته لأن طبول "حزب الله" كانت تدق بصوت عال يجتذب من لديه عواطف صادقة ضد أمريكا و"اسرائيل"، مع ان هذه الجاذبية مصممة لخدمة الهدف الايراني الكبير، وهو اختراق حصانة العرب وارباك حسهم النقدي ودفعهم للسير وراء ايران، او على الاقل عدم مهاجمتها بسبب دورها الاستعماري في العراق!

وكان هذا الشعار قد صيغ طبقا للقواعد التي يعمل فيها الاعلام الامريكي واهمها قاعدة ان تجبر ضيف البرنامج على تقديم الجواب الذي تريده انت ومنعه من الحديث عما يريده هو، وذلك بوضع اسئلة تقيد جوابه! فوضع العرب أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما إما أن تكون مع أمريكا والنظم العربية أو مع إيران و"حزب الله"، يجبر بعضهم بقوة الابتزاز المعنوي على التماهي مع الموقف الإيراني!

أما الهدف المخفي بعناية وذكاء فكان تغييب المقاومة العراقية عن مجال رؤية الناس البسطاء خارج العراق، تمهيدا لعزلها وتشويه صورتها بتصويرها على انها تحولت الى (حرب طائفية )، وشارك في ترويج هذه الدعاية السوداء ايران وتابعها الاصيل "حزب الله" والمخابرات الامريكية ونظم عربية وفضائيات عربية رغم تناقض مشارب هذه الاطراف! ما هي خطورة هذا الطرح الخبيث؟ ان التركيز على ان ايران تقود معسكر المواجهة مع امريكا و"اسرائيل" يمنح ايران وجها تحرريا مع انها لا تمثل الا وجها استعماريا بشعا في العراق والخليج العربي. هذا على مستوى اعلامي وسياسي، اما على مستوى ستراتيجي فان هذا الطرح ما هو الا محاولة لتغيير مسرح الصراع في المنطقة والعالم برمته اعلاميا وسايكولوجيا وسياسيا. فمن المعروف ان غزو العراق قد تحول الى كارثة هي الاكبر في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية، كما كررت القول مادلين اولبرايت وغيرها، نتيجة هزيمة المشروع الامريكي في العراق، وهو فشل سيقود حتما، اذا لم تشق المقاومة العراقية وتهزم، الى انقلاب ستراتيجي عالمي خطير في غير صالح امريكا و"اسرائيل"، وبالطبع في غير صالح الدعامة الاقليمية الاساسية لمخطط تقسيم العراق والوطن العربي وهي ايران الملالي.

من هنا أصبح من مصلحة الاطراف الثلاثة (امريكا و"اسرائيل" وإيران) تغييب المقاومة العراقية وعزلها عربيا ودوليا، تمهيدا لشقها واحتواء فصائل منها، ويترجم هذا الهدف على انه اقصاء متعمد لحركة التحرر الوطني العربية من مشهد الصراع، التي تمثل المقاومة العراقية المسلحة طليعتها الاعظم، وتنصيب متعمد لايران وتابعها "حزب الله" اللبناني بدلها. وهذه الحقيقة هي التي تفسر سر التوافق الامريكي – الايراني حول تصعيد الازمات وتسخينها، خصوصا في لبنان، لان الذراع الايرانية الاكثر عبقرية وتدريبا موجودة هناك وهي "حزب الله" وليس غيره، والذي اوصل، أي التسخين، الى حد اشعال حرب على لبنان شنتها "اسرائيل" نتيجة التحريض الامريكي – الايراني، لسلب المقاومة العراقية وهجها وجاذبيتها التي اكتسحت الجميع تقريبا وجردت الجميع من القدرة على اتخاذ أي موقف الا دعمها، وهذا الواقع يحرم الاطراف الثلاثة المعادية من القدرة على مواصلة تنفيذ مخطط تقسيم الوطن العربي انطلاقا من نجاح تقسيم العراق.

إن الإنزال المصطنع لمرتبة المقاومة العراقية من أعظم مقاومة مسلحة في التاريخ، لأنها دحرت أمريكا، إلى محض (حرب أهلية) منذ بداية عام 2006 قصد به التمهيد لإحلال إيران و"حزب الله" محلها في معادلة الصراع الإقليمي، والأكثر مدعاة للتأمل في درجة التواطؤ الأمريكي – الإيراني هو أن المقاومة العراقية المسلحة قد دشنت عام 2006 بتصعيد غير مسبوق لعملياتها الحربية وتحرير أجزاء أخرى من العراق وإهلاك المزيد من خيارات الاحتلال، فأكدت المقاومة العراقية أنها ليست أعظم حركة تحرر في التاريخ بل أيضا رسخت طبيعتها الاستثنائية وهي أنها المقاومة المسلحة الوحيدة في التاريخ البشري كله التي تقاتل وتنتصر على أقوى استعمار ظهر على وجه الأرض دون أي دعم خارجي! لهذا لم يكن وقوع حرب لبنان، بعد أشهر قليلة من بدء حملة وصف المقاومة العراقية بأنها تحولت إلى حرب طائفية، غريبا أو بالصدفة بل كان توقيتها وإبطالها تأكيدات متعاقبة عل أنها جزء أساسي من المخطط الأمريكي – الإيراني!

أن واقع ارض المعارك في العراق ينسف هذا الشعار البائس، لان المقاومة العراقية، ورغم كل جرائم وخطط امريكا وايران، بقيت القوة التحررية وليس الطائفية المقررة والحاسمة في العراق في مواجهة القوة الرئيسية الاخرى وهي امريكا، وبذلك احبطت مخطط تحويل ايران الى الطرف المقابل لامريكا في الصراع. وهنا يكمن مأزق امريكا وايران الاقليمي وما يتركه ذلك من اثار خطيرة على الوضع الدولي، ومن هنا يمكن فهم وتقبل حقيقة ان من مصلحة امريكا، و"اسرائيل" بالضرورة، تغليب صورة الصراع كما تريده ايران، أي انه بقيادتها وليس بقيادة المقاومة العراقية. وربما يتسائل البعض : هل من المعقول ان امريكا تريد ان تصبح ايران قائدة معسكر مواجهتها؟

الجواب نعم من المعقول ذلك اذا انتبهنا الى حقيقة شكلية وهي ان صورة ايران تواجه امريكا ليست سوى فيلم من اخراج هولي وود ولا يشكل تحديا لامريكا، وحتى لو تغير الرصاص الذي يطلق فيها من رصاص خلب الى رصاص حقيقي لانها لن تكون الا معركة ثانوية وهامشية ستراتيجيا. كما يجب ان ننتبه الى حقيقة جوهرية، علينا ان نتذكرها دائما، وهي ان المشروع النهضوي الايراني لا يتناقض مع المشروعين الامريكي و"الاسرائيلي" فهو يكملهما، مهما اختلف معهما في الهوامش التفصيلية، وما حصل ويحصل في العراق اوضح دليل على ذلك.

من البديهي أن أمريكا تدرك إن الإثارة المصطنعة للأزمات في لبنان، وهي ثانوية القيمة ستراتيجيا لكنها تضخم إعلاميا لترفع دعائيا الى مرتبة معركة كبرى، كما وصف حسن نصر الله معركة تموز بأنها (معركة الأمة كلها)، لكنه لم يقل لنا أي امة يقصد وهو يستخدم لفظة الأمة دون تحديد هويتها كما يفعل دائما؟ وهذا التحويل للانظار عن جبهة الحرب الرئيسية وهي الجبهة العراقية، وتركيزها على جبهة معركة ثانوية هي لبنان، بقدر ما يخدم ايران فهو يخدم امريكا أيضا، لانه يتيح لها مواصلة الضغوط لاسقاط سوريا في قبضتها، وذلك شرط أساسي في خطة تطويق المقاومة العراقية، وهذه الحقيقة اكتشفتها "اسرائيل" متأخرة بعد ان انجرت الى شن الحرب على لبنان معتقدة بان امريكا لديها اجندة حاسمة ضد النفوذ الايراني في لبنان ومضايقات "حزب الله" لها، لكنها صدمت باكتشاف ان امريكا كانت تريد الحرب على لبنان كوسيلة للضغط على ايران من جهة، وكأداة لتحويل الأنظار عن هزيمتها في العراق من جهة ثانية، واخيرا كاداة لاعادة تجميل الوجه الايراني الذي كشف غزو العراق بشاعته مع ان امريكا كانت ترى ان ايران هي اللاعب الرئيسي في عملية الغزو واكمال تنفيذ اهدافه البعيدة المدى واهمها تغيير هوية العراق السكانية.

ان المواجهة الامريكية الايرانية ليست من طراز المواجهات العدائية الجذرية، وانما هي مواجهة طرفين يتنافسان حول غنيمة، لذلك فان صراعهما ينتهي اما بالتقاسم المتفق عليه او بحل اخر لا يغير الواقع والمعادلة الستراتيجية السائدة فيه. والدليل على ذلك هو ان السياسة الرسمية الامريكية تجاه ايران، بكافة اشكالها، منذ سقوط الشاه تقوم على اساس ثابت وهو ان ايران ليست بلدا معاديا وانما هو يتبنى سياسات خاطئة، والحل هو تغيير هذه السياسة عبر الحوار والضغوط الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية ولكن ليس الحرب. هذا ما تقوله سياسة الاحتواء المزدوج، وهذا ما تقوله سياسة محور الشر ايضا.

وهنا علينا ان نتذكر اهم الحقائق التي تجعل امريكا مسرورة بالدور الايراني في لبنان وهي ان معارك لبنان مهما اشتدت ومهما بلغت، سواء كانت عسكرية كما حصل في تموز، او سياسية استخبارية كما يحصل الان ومنذ انتهاء الحرب العسكرية وتفجير التوترات الداخلية لاسباب واهية، فانها لن تغير التوازنات الستراتيجية على الاطلاق بل قد تحدث تعديلات داخل الوضع القائم، وهو ما لا تعارضه امريكا. ولهذا اعترف حسن نصر الله بعد حرب تموز بأن "حزب الله" لا يريد تحرير فلسطين من لبنان وانما استعادة مزارع شبعا ! والمقارنة بين استعادة مزارع شبعا وبين تحرير العراق تظهر لنا الفرق بين تقديم ربع دولار من قبل امريكا لايران مكافئة لها على تحويل مركز النظر من العراق الى لبنان، مقابل حصول امريكا على غنيمة العراق وهي غنيمة ستعيد الحياة لمشروعها الاقليمي الذي احبطته المقاومة العراقية وليس المقاومة اللبنانية، ومن ثم تعود امريكا الى استئناف العمل بمشروعها الكوني. ماذا يحصل عندما تغيب هذه الحقائق الستراتيجية عن ذهن مشجعي الفريق الايراني في لعبة سباق المسافات القصيرة مع امريكا؟ بالطبع سيكون من اسهل الامور على امريكا وايران ان تقنع كل واحدة منهما انصارها بالتصفيق الحار اثناء السباق، والانغماس في لعبة التمويه على وجود مركز اثارة حقيقي يستحق الانتباه اكثر من غيره، وهو صراع العراق، مع ان أوليات الستراتيجية تؤكد بان معركة الحسم الاعظم تجري في العراق وليس في لبنان او غيرها، ومن ثم فان سيد المقاومة الفعلي والحقيقي هو المقاوم العراقي وليس حسن نصر الله.

 

ما هي طبيعة ما قامت به ايران في العراق؟

حينما نتسائل عن طبيعة الدور الايراني في العراق ماذا نجد؟ اننا نجد الحالات التالية:

1 – أن إيران هي الشريك الاساسي لامريكا في احتلال العراق، فدورها اخطر من الدور البريطاني بعد اللحظة التي تم فيها الغزو، فلقد بدأ الدور الايراني بالتحول من الداعم الى المشارك الاول لامريكا، والدليل هو ان االحكومة الثانية والثالثة للاحتلال تشكلت من انصار ايران ووزارة الداخلية سيطرت عليها ايران، واعمال الابادة والتطهير العرقي والمتستر بالغطاء الطائفي قامت بها اساسا عصابات ايران، وبالاخص العصابة الاجرامية المسماة بجيش المهدي الذي دربه على قتل العراقيين حسن نصر الله. هذه حقائق يعرفها ملايين العراقيين، والان بدأت امريكا تعترف بها بعد ان اخذت ايران تحاول الحصول على مكاسب اقليمية في العراق والخليج وغيرهما اكبر واخطر مما تريد امريكا. في ضوء ما تقدم فان ايران هي مخلب الوحش الامريكي "الاسرائيلي" في العراق، الذي لا نظير لوحشيته في كل تاريخ الوحشية في العالم لانه الاشد وحشية وشراسة، كما اثبتت تجربة وجود بيان جبر او صولاغ وهو ايراني وزيرا للداخلية في ظل الاحتلال، والذي سجل امتيازا عالميا باسمه في عالم التعذيب باستخدام الدريل ( المثقاب ) في التعذيب بثقب الجماجم والوجوه والاجساد حتى الموت. وفي ضوء هذه الحقيقة فان وضع ايران في الخط المواجه عدائيا لامريكا مضلل تماما.

2 – أن إيران تعمل على تقسيم العراق، بتبنيها عبر الحكيم وغيره شعار وخطة الفدرالية، لان تقسيم العراق يزيل من الخارطة القوة الاساسية التي منعت تمددها الاقليمي وتوسعها القومي، رغم ان تقسيمه سيثير لها مشاكل مع القوميات المضطهدة في ايران، ولكن ازالة العقبة العراقية اهم من أي مشكلة قد تواجهها ايران في الداخل بسبب تقسيمه، خصوصا وأن أمريكا و"اسرائيل" تريدان تقسيم العراق قبل أي هدف اخر، وهو ما ورد في وثيقة الكاتب "الاسرائيلي" عوديد ينون.

3 – لولا ايران لما نجحت امريكا في اشعال الفتن والقيام بالتصفيات ضد عرب العراق ووحدتهم، اذ لا توجد اداة عراقية لها تنظيم حقيقي يستطيع تنفيذ مخطط الاحتلال سوى التنظيمات الايرانية، اما فرق الموت غير التابعة لايران فهي اقل اهمية وخطورة من تلك التابعة لايران كما اثبتت التجربة الواقعية. وهنا تسقط واحدة من اهم التعليمات الايرانية لبعض المثقفين وانصاف المثقفين العرب، وهي الرد، على من يقول بان ايران شاركت بغزو العراق، بالقول بان حكومات عربية ايضا شاركت فيه فلماذا تهاجمون ايران وتسكتون عن الحكومات العربية؟ ان الرد بسيط وواضح وهو ان الحكومات العربية التي ساعدت على غزو العراق ليس لديها مخطط خاص في العراق، باستثناء الكويت التي تريد مثل ايران ازالة العراق من الخارطة، وانما هي أي الحكومات العربية سهلت الغزو وخدمته بتسهيلات انتهت عند حصول الغزو، وهي حكومات نتفق حميعا انها بلا ارادة وطنية، اما ايران فانها دولة مستقلة اولا، وتدعي انها ضد امريكا و"اسرائيل" ثانيا، ولها مخطط ومطامع في العراق والوطن العربي ثالثا، من هنا فان دورها لم ينتهي بغزو العراق، كما هو حال دور الانظمة العربية، بل ازداد خطورة بعد الغزو بتحول ايران من داعم ومسهل للغزو الى شريك اساسي فيه، والدليل هو ان القوة الثانية من بين قوى الاحتلال في العراق هي ايران وليس بريطانيا، فبريطانيا حجم دورها بوقوع الاحتلال وصارت حارسا للاحتلال فحسب، اما ايران فاصبحت بالاضافة لكونها حارسا للاحتلال لصا يتحرك في كل الاتجاهات ليسرق العراق ويدمره لحسابه الخاص.

إذن الدور الايراني في احتلال وتدمير العراق والعمل على تقسيمه دور اساسي كان تابعا للدور الامريكي لكنه استقل عنه واصبح منافسا له في تقسيم وتقاسم العراق.

4 – من كان سيشعل الفتن الطائفية لو لم تكن ايران تريدها؟ ان من اشعل الفتن الطائفية طرفان اساسيان يكمل احدهما الاخر وكلاهما يخدمان الغزو الامريكي، وهما الطائفية الصفوية والطائفية السنية التكفيرية، فهما من تحركا مع امريكا او تنفيذا لاوامر امريكا لتقسيم عرب العراق الى سنة وشيعة، رغم انهم كانوا موحدين طول تاريخهم ولم تدخل هذه الفتنة الا مع الاحتلال، مع ان ايران قد حاولت اثارتها عندما وصل خميني للسلطة خدمة لهدف قومي ايراني، وهو اقامة امبراطورية ايرانية تشمل كل العالم الاسلامي وتعيد أمجاد فارس، ولم يكن الاسلام سوى غطاء لخداع السذج. لقد وزعت ايران مليارات الدولارات في العراق والاقطار العربية، خصوصا على النخب الاعلامية والسياسية، من اجل تقسيم العرب الى سنة وشيعة، لان ذلك فقط هو الذي سيسمح بالغاء العراق القوي والذي كان لقرون ولالاف السنين السد الذي يمنع ايران من التوسع غربا، وهو المجال الجيوبولوتيكي الحيوي الرئيسي لايران وغرب ايران هو الوطن العربي.

ماذا نسمي هذا الدور الذي رايناه في الواقع؟ هل هو دور طرف وقع في الخطأ؟ ام انه طرف يمارس الجريمة المنظمة؟ وما هو حجم هذه الجريمة؟ هل هو مجرد مساعدة وانتهى الامر؟ ام انه دور مواصلة العمل على انهاء قطر بكامله بتقسيمه وتشريد شعب بكامله؟ مما لاشك فيه ان الدور الايراني هو دور طرف خطط لعمل كبير لعدة سنوات وهيأ مستلزمات النجاح، ولم يكن مجرد اداة امريكية على الاطلاق بل هو شريك كامل الشراكة التقت مصلحته القومية مع مصلحة امريكا و"اسرائيل" في تدمير العراق تمهيدا لتقسيمه.

 

ما هي الاداة الرئيسية لإيران في بناء إمبراطوريتها؟

أن أخطر ما يهدد الأمة العربية واكثر ما يخدم امريكا و"اسرائيل" الآن هو الحركة التبشيرية للتشيع الصفوي، لماذا؟ للاجابة على هذه ال(لماذا) علينا ان نطرح سؤالا اخرا مهما وهو : ماهي سمة النضال العربي قبل ظهور الخمينية؟ عندما ظهرت الخمينية عام 1979 كانت حركة التحرر الوطني العربي تتصارع مع ما سمي بـ(التطبيع مع "اسرائيل")، بعد زيارة السادات للقدس وكسره للحاجز النفسي العربي الاعظم، وهو تحريم التعامل مع "اسرائيل"، وهذه الحقيقة تعني امرا واحدا وهو ان الامة العربية كانت تواجه منذ اغتيال القائد جمال عبدالناصر رحمه الله عام 1970 محاولات تغيير التناقض الرئيس في الوطن العربي، وهو التناقض بين حركة التحرر العربي من جهة، والغرب الاستعماري وقاعدته المتقدمة "اسرائيل" من جهة ثانية. كانت كل القوى الوطنية العربية تؤمن بان العدو الرئيسي هو "اسرائيل" ومن يدعم "اسرائيل"، من هنا فان زيارة السادات كانت خطوة جبارة في اتجاه تغيير طبيعة الصراع في المنطقة كلها، لانها شقت الصف العربي الذي كان متفقا نظريا وعمليا على أن العدو الأساسي هو "اسرائيل" ومن يدعم "اسرائيل"، فظهر استقطاب عربي موال للتطبيع واخر رسمي وشعبي مناهض للتطبيع. ومع حصول هذا الانشقاق الخطير، فتحت ثغرة في جدار الصمود العربي لكنها لم تهدمه لوجود معسكر الرفض او قوى الرفض، والتي مثلت قوى وتيارات وطنية مختلفة، اتفقت على مواجهة نهج التطبيع بصفته اتجاها لصالح الاستعمار والصهيونية.

كانت تلك عملية تراجع لحركة التحرر العربية وتقدم خطير لقوى الاستعمار والصهيونية التي وجدت لأول مرة من يتجرأ على المجاهرة بالصلح مع "اسرائيل" والتنازل عن القسم الاكبر من ارض فلسطين التي احتلت عام 1948، بقبول قرار 242 ثم بقرار 338 اللذان يقومان على ( مبادلة الارض التي احتلت عام 1967 بالسلام ). اكثر من ذلك فان الارض التي ستعاد للعرب وفقا للقرارين لم تكن كل الارض التي احتلت عام 1967 بل تقتطع منها ارض عربية لاغراض امنية ! وهنا يجب ان ننتبه للحظة تاريخية خطيرة جدا، ففي حين كان الوطنيون العرب يقاتلون للرد على كامب ديفيد وبروز اتجاه رسمي عربي للتنازل عن اكثر من 80 % من ارض فلسطين، جاء اسقاط الشاه ليقلب الوضع الاقليمي راسا على عقب لصالح "اسرائيل" والغرب الاستعماري وليس لصالح الامة العربية والقضية الفلسطينية كما روج ويروج منظروا الخديعة او من يجهل خطوط العمل الاستخباري الامريكي – الايراني. فكيف حصل ذلك مع ان خميني جاء بشعارات هي نفسها شعارات حركة التحرر العربية وفي مقدمتها تحرير فلسطين؟ ببساطة لقد طرح خميني هذه الشعارات ولكن في اطار ديني مسيس وضع حركة التحرر العربية ذات التوجه القومي العربي في خانة العدو ! فهو كان ينطلق من ان تحرير فلسطين واجب اسلامي وان القوى القومية العربية كافرة وان الاسلام وحده هو الحل!

بهذا الطرح حدث الخرق الاعظم للصف الوطني العربي والذي حول الثغرة الساداتية في الجدار العربي الى كومة احجار بعد ان نسفته قنبلة خميني وليس "اسرائيل"! فلقد انقسم العرب بين مؤيد لخميني نتيجة لشعاراته ضد "اسرائيل" وأمريكا، ومناهض له لانه وضع القوى القومية العربية في صف العدو، وبالاخص البعث الذي كان يقود العراق وكان يشكل القلعة الاخيرة للقومية العربية في مواجهة "اسرائيل" وداعميها الغربيين.

ورفض خميني التراجع عن موقفه المعادي للبعث واصر على اسقاطه، وحرك في سبيل ذلك النزعة الطائفية، والتي فشل الشاه محمد رضا بهلوي في جعلها قوة كبيرة مؤثرة نتيجة ارتباطاته بالغرب، اما خميني فبسبب دعوته المناهضة شعاريا لـ"اسرائيل" وأمريكا فان قسما من العرب قد انتعش لديه الحس الطائفي واخذ يتغلب على انتماءه القومي العربي. وبقيام الحرب بين العراق وايران نتيجة اصرار خميني على اسقاط النظام، تحت شعار نشر (الثورة الاسلامية) وبدء تطبيقه عمليا في العراق بالقيام بعمليات مسلحة ضد النظام الوطني، حدث تحول خطير جدا قادنا الى الوضع الحالي وهو وضع غلبت فيه مخابرات ايران الرابطة الطائفية على الرابطة الوطنية والقومية لدى بعض الشيعة العرب. لقد كان لبنان انموذجا مأساويا لهذا التحول، خصوصا مع بروز "حزب الله" بشعارات حبيبة على قلوب الجماهير واساليب ناجحة بشكل باهر استحوذت على الجزء المهزوم من السايكولوجية العربية، والذي كان يحن لاي انتصار ليغطي به عورته المكشوفة منذ هزيمة 1967 حتى لو استبطن هذا الانتصار انهيار منظومة الدفاع العربية الاساسية، وهي الرابطة القومية، مادام "حزب الله" يعمل في اطار ستراتيجية ايرانية توسعية طائفية الظاهر عنصرية الجوهر، إن من يعرف لبنان جيدا يرى حالة مأساوية وهي ان مناطق الشيعة في لبنان كانت المعقل الرئيسي لجماهير القوميين العرب ناصريين وبعثيين، لكنها تحولت الان الى المركز الاكثر خدمة لايران بفضل "حزب الله"!

ولكن متانة الحركة القومية في العراق وكونها تمتد عميقا في الوجدان الشيعي، البعثي بشكل خاص، في العراق ادى الى دحر الخمينية بعد حرب دامت ثمانية اعوام، كانت كافية لقلب المفاهيم وتسميم الاجواء. وتحول مفهوم نشر (الثورة)، في عهد خامنئي بعد هزيمة ايران امام العراق وموت خميني حزنا، من مفهوم يعتمد العنف الى مفهوم يعتمد التبشير الطائفي السلمي، المدعوم بمليارات الدولارات والاغراءات الاخرى، فاستقطبت ايران مثقفين وساسة عرب كانوا هامشيين، بتوفير مكاتب ومنابر لهم تغطي تكاليفها هي وتؤمن لهم راتبا سخيا مقابل تمجيد (الثورة الايرانية المعادية لـ"اسرائيل" وأمريكا)! وفي هذه المرحلة تعرض العراق للعدوان الثلاثيني وفرض الحصار عليه وركز الغرب و"اسرائيل" وإيران كل طاقاتها لاسقاط النظام الوطني فيه، فادى ذلك الى عودة الفقر الى العراق، وهو ما شجع على تقوية الطائفية.

ما معنى هذا تحديدا على المستوى الستراتيجي؟ بغض النظر عن النوايا فان الخمينية جاءت لتكمل ما بداته الساداتية وان كان من الطرف المضاد شكليا، وهو اضعاف حركة التحرر الوطني العربية واحلال التيارات الدينية المسيسة محلها، فالسادات الى جانب خرقه للجدار العربي المتعلق بـ"اسرائيل" أطلق العنان لتيارات دينية متعصبة في مصر لمواجهة الحركة الوطنية المصرية خصوصا الناصرية، فخلق اشكالية الصراع بين القوميين والاسلامويين، او للدقة عمقها وجعلها طاغية. أما خميني فانه غلب التوجه الديني على التوجه القومي العربي لدى بعض العرب بتاثيره القوي انذاك على اوساط عربية كانت تائهة نتيجة صدمة 1967، فبرزت التيارات الدينية لتملأ الفراغ الذي تركه غياب عبدالناصر ومحاصرة العراق. لكن الوعي المستدرج لفخ الانتصار التعويضي، لدى نخب مثقفة خصوصا من التيار القومي العربي، كانت ترى في الخمينية قوة مناهضة للغرب و"اسرائيل"، دس ذلك الوعي التعويضي المدمر الالغام التي تتفجر الان، ويراها هؤلاء ويعرفون بدقة من صنعها، لكنهم مقيدون بفخ التعويض النفسي من جهة، وللحالة التي جعلت لهم رواتب ومكاتب فخمة دون ان يعرف احد من يمولهم ! لقد تغلبت الرؤية التكتيكية على الواقع الستراتيجي، وجاء تسطيح الوعي العام بعد ذلك ليقدم للتيارات الدينية المسيسة دفعة قوية جعلت من الحركة القومية محاصرة في العراق من قبل قوى تتناقض شعاراتها وهي قوى الولاء للغرب، من جهة، وقوى تسييس الدين المعادية شعاريا للغرب من جهة ثانية!

وببروز التيارات الدينية وتراجع التيارات القومية بدات مأساة الامة العربية وهي مأساة التطرف الديني والذي قاد الى الانقسام الطائفي، وهذا بالضبط هو اهم هدف لخطة "اسرائيل" التقليدية: بدلا من مواجهة العرب موحدين مهما اختلفت دياناتهم وطوائفهم واصولهم العرقية، فيجب تمزيقهم على هذه الأسس العرقية والطائفية والدينية. وهنا واجهنا المخطط المسمى (تقسيم الأمة العربية على أسس عرقية وطائفية) وكانت ايران الملالي هي الطرف الرئيسي الاول في هذا التقسيم. ولم تكن صدفة ابدا ان يتزامن صعود الخمينية، ذات الجوهر العنصري المتستر بالطائفية الشيعية، مع صعود التطرف الطائفي السني المضاد، ففي افغانستان ظهر ما يسمى (المجاهدون الافغان ) ليسهموا في خلخلة الاتحاد السوفيتي والتمهيد لتفككه، وهو هدف ستراتيجي خطير عمل عليه الغرب اكثر من سبعين عاما، ولم ينجح الا مع صعود ما اطلق عليه تسمية (الاصولية الاسلامية )بدعم امريكي. وهكذا صعدت قوتان تنتميان في الظاهر للاسلام لكنهما في الجوهر متناقضتان جذريا وعلى نحو عدائي لا يمكن ازالته، نتيجة للاختلاف الطائفي بينهما، وهما الطائفية الصفوية الخمينية والطائفية السنية.

لقد واجهنا كارثة مركبة: التيارات القومية والتقدمية تراجعت نتيجة لضربات الغرب و"اسرائيل"، وملأت الفراغ قوى اسلاموية، كانت مدعومة من النظم العربية وايران والغرب، لكنها متناقضة الانتماء الطائفي ولا يمكنها أن تلتقي، فمهد ذلك للانتقال إلى الصفحة التالية من المخطط "الاسرائيلي"- الأمريكي، وهو حلال صراع الطوائف والاثنيات في الوطن العربي محل الصراع ضد الاستعمار الغربي والصهيونية. والان اذا نظرنا الى واقعنا العربي نلاحظ بسهولة ان الدعوة للتشيع الصفوي هي المحرك الاساسي لايران في الوطن العربي، وهي دعوة تقسيميه تخريبية لانها ادت الى بروز رد طائفي مضاد هو التطرف السني، مع ان الحاضنة الرئيسية لكلا التيارين هي امريكا وبريطانيا ! وبدلا من طغيان وصف وطني مقابل عميل كما كان الحال قبل السبعينيات اصبحنا نسمع ونرى وصفين خطيرين ومدمرين للوحدة الوطنية في كل قطر عربي، وهما وصف (النواصب ) الذي يطلقه الصفويون على السنة، ووصف (الروافض) الذي يطلقه التكفيريون والمتطرفون السنة على الشيعة ! اين الاستعمار والصهيونية؟ لقد تراجعا عمليا الى الخلف، فها هي ايران المتطرفة في شعاراتها المعادية لامريكا تتعاون معها ضد العراق وتساهم في احتلاله ثم تشارك في الاحتلال كطرف رئيسي ! ما هو التبرير الذي اقنعت به اتباعها؟ لقد روجت ايران ما يلي : لكي نمهد الطريق لانهاء ( مظلومية الشيعة ) علينا ان نتعاون تكتيكيا مع امريكا للتخلص من اخطر عقبة تصد توسعنا في المنطقة والعالم وهي عراق صدام حسين.

لماذا فعلت ايران ذلك؟ ان المشروع الامبراطوري الايراني لن يقوم الا اذا موه نفسه بغطاء طائفي، فالطائفية بالنسبة للمشروع الامبراطوري الايراني هي مجرد غطاء لكسب عرب سذج يقعون في فخ الطائفية، والذي فاز حقا من أثارة الطائفية هو امريكا و"اسرائيل" وايران وخسرت الامة العربية كلها. اما التيارات السنية الطائفية فهي التي خسرت، لأنها بلا مشروع منظم وبلا مخططات اقليمية او كونية، كايران و"اسرائيل"، بل هي مجرد فورات حماسية بلا منهج وبلا ستراتيجية وبلا تخطيط حقيقي. والاهم انها تقوم غالبا على نزعة تكفيرية عدمية للتيارات الوطنية والقومية العربية، مما يؤدي على انتفاخها اولا ثم تفريغ بالونها من الهواء فتتمزق وتزول وتظهر غيرها وتقوم على نفس قاعدة الفقاعة، التي كلما كبرت ازدادت امكانية انفجارها، بعكس الصفوية الايرانية التي تعتمد على تخطيط ستراتيجي واهداف محددة ونزعة براغماتية تسمح لها باللعب الشديد الذكاء بكافة الاوراق وبيدها سلاح التقية اليهودية البغيض، وتلك هي بروتوكولات حكماء الفرس. الم تلعب ايران خميني ورقة "اسرائيل" بشراء اسلحة منها اثناء الحرب مع العراق؟ الم تنفجر فضيحة "ايرانجيت" في زمن خميني الذي كانت شتائمه لـ"اسرائيل" أقوى من كل قواميس القوميين العرب؟ كيف حصل ذلك؟ انه حصل لان المشروع التوسعي الإيراني قومي الجوهر وان تبرقع بالدين والطائفة بينما مشروع الاسلامويين العرب هو مشروع عدمي يرفض كل شيء ويكفر الجميع ويرفض التعاون مع الجميع إلى أن يجد نفسه في المقصلة، هو وكل الوطنيين العرب الآخرين، وهذا ما نلاحظه الآن في العراق بوضوح تام!

أن فهم المشروع التوسعي الإيراني هو نقطة البداية الصحيحة لفهم الدور الايراني والأهداف الايرانية الحقيقية ولتفسير لم تعاونت ايران مع أمريكا ضد العراق، ولم تعمل على تقسيم العراق وكل الاقطار العربية. ان الطائفية هي جوهر ومصدر قوة ايران وبدونها فانها ليست سوى قوة عسكرية قوية ولكنها مجردة من الدعم الخارجي وهو شرط نجاح التوسع. تذكروا ان الشاه محمد رضا بهلوي كان ايضا يحلم ببناء امبراطورية ايرانية، وكان يريد ان يجعلها القوة الخامسة في العالم، كما قال، ولكنه فشل وسقط مشروعه حينما طغى عليه الطابع القومي الفارسي، لذلك كانت النخب الشوفينية الفارسية المتميزة بالدهاء تشعر ان قومية الشاه ستفسد عمل الف واربعمائة عام من التقية والعمل المنظم لاستعادة مجد فارس، فكان اسقاط الشاه هو الحادلة التي مهدت طريق صعود الحركة القومية الفارسية ولكن بغطاء جذاب ومثير وهو التشيع الصفوي.

ما الذي يترتب على ترويج الطائفية؟ من بين اهم المظاهر الأساسية الطاعة المطلقة للمراجع الطائفية العليا، والتي تتلخص في تقليد تقبيل يد المرجع وتنفيذ كل اوامره حتى اذا امر بتطليق الزوجة وبيع الوطن ! الم تشاهدوا في العراق كيف أن آلاف الصفويين خانوا وطنهم ولم يقاوموا الاحتلال وتعاونوا معه لان الحوزة الطائفية اصدرت فتوى بذلك، فتم تسهيل غزو وتدمير العراق؟ الم تشاهدوا حسن نصر الله يقبل يد خامنئي كلما التقاه؟ هل يمكن لمن يقبل يد شخص ان يخرج عن طاعته؟ وهل في الاسلام عادة تقبيل اليد التي تشكل اهانة لكرامة الانسان وادميته؟ اذا كان حسن نصر الله يقبل يد خامنئي فكيف يكون تصرف الطائفي البسيط؟ الا ينفذ ما يطلبه المرجع حتى لو كانت نتيجة ذلك الردة وطنيا واخلاقيا ودينيا ايضا؟ واذا تذكرنا ان مراجع الحركة الصفوية العالمية كلهم ايرانيون وقوميون فرس، وهو ما انعكس في الدستور الحالي لايران، هل نتوقع من ايراني شوفيني ان يترفع عن التجاوز على الحقوق العربية؟ لقد نجحت الدعوة الصفوية في العراق في تحويل ولاء بعض العراقيين من الولاء للوطن وللامة العربية الى الولاء لايران. ولعل ابرز دليل هو من كان يسمى ممثل التيار العربي في الشيعة العراقيين مقتدى الصدر وليس غيره. لم يرفع السلاح ضد الاحتلال بمبادرة منه بل لان امرا بالقبض صدر ضده في قضية مقتل عبدالمجيد الخوئي واغلقت صحيفته واعتقل احد مساعديه، فقرر الدفاع عن نفسه بحمل السلاح لمنع اعتقاله.

وهذه الحقيقة تفسر لم قبل التوقف عن القتال حالما اعلن الاحتلال انه سيعفي عنه اذا سلم سلاحه فسلم السلاح مقابل ثمن دفع وشاهد ذلك ملايين الناس، واندمح في العملية السياسية ضمن الاحتلال وصار له وزراء واعضاء في ما يسمى برلمان الاحتلال. هذا التيار الذي لعب دورا حاسما في اغتيال عشرات الالاف من العراقيين والعلماء والضباط الوطنيين سارع فور صدور تهديدات امريكية بضرب ايران الى الاعلان عن انه سوف يهاجم القوات الامريكية في العراق اذا هاجمت ايران ! وكذلك فعلت تيارات طائفية اخرى تعاونت ايضا مع الاحتلال ضد الشعب العراق. لقد تغلبت الانتماءات الطائفية على الانتماء الوطني وظهر ذلك جليا منذ الغزو وحتى الان، فهل يوجد ضرر خطير لحق بالعراق كالمرض الطائفي الذي يجعل عراقيا عربيا يسهل غزو وطنه لان ايران تريد ذلك ثم يعلن انه سيرفع السلاح ضد امريكا اذا هاجمت ايران؟ لقد اصبحت الطائفية بالنسبة للبعض هي الوطن، مع ان الطائفية بالنسبة لمن نشرها، وهو ايران، لم تكن الا اداة من ادوات توسيع المصالح الوطنية الايرانية في الخارج ! هذه الحقيقة يتجاهلها، على نحو يبعث على الدهشة، من مازال يمتدح مقتدى الصدر من المثقفين العرب!!!

ولوضع المسألة الطائفية في اطارها التبشيري الايراني، وهي احد اهم الادوات التي استعملها الاحتلال وايران لتسهيل غزو العراق، يجب ان نذكر بحقيقة صادمة لمن لا يعرفها توضح مدى وخطورة الخطط التوسعية الايرانية وهي قضية نشر التشيع الصفوي في العراق، ومن كان وراءه : التشيع العلوي الاصيل والطبيعي ام التشيع الصفوي الذي يموه دوافع قومية فارسية؟ ربما لا يعلم كثير من العرب بان العراق كان سنيا حتى جاء اسماعيل الصفوي قبل حوالي 400 عام وفرض التشيع الصفوي على ايران اولا بحد السيف وقتل مئات الالاف لان ايران ايضا كانت سنية، ثم بدا يعمل عى نشر الصفوية في العراق وغيرها مستغلا دوغمائية سلاطين الدولة العثمانية. الا يؤدي هذا العمل الى اثارة الطرف الاخر ودفعه للعمل على المحافظة على وضعه؟ الجواب نعم، وهنا نعود لطرح سؤال مهم وهو : لمصلحة من اثارة الفتن الطائفية بين المسلمين العرب؟ ربما يقول البعض ان التشيع مذهب من حقه ان ينتشر وهذا الرد صحيح فنحن لا نقف ضد مذهب احد ولكن ان تموه المصلحة القومية الفارسية ببرقع التشيع فهذا امر يستفز الطرف الاخر ليس طائفيا فقط بل قوميا ايضا.

من يريد ان يفهم هذه الحقيقية عليه أن يقرأ كتاب (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) لمفكر ايراني اعتبر منظر الثورة الايرانية وملهمها وكان خميني معجبا به وهو د. علي شريعتي، والذي يؤكد فيه ان الحكم في ايران، منذ اسماعيل الصفوي، كان تشيعه صفويا قوميا ويتبرقع بالتشيع العلوي ! ورغم ان هذا الكلام قيل قبل اسقاط الشاه الا من يقرا الكتاب الان ويقارن توصيفه للتشيع الصفوي يجد نفسه اسير فكرة طاغية وهي ان النظام الايراني الحالي يمارس التشيع الصفوي رغم انه يتستر بالتشيع العلوي لاهداف سياسية. أذن التبشير الصفوي ستراتيجية ايرانية قديمة وعامة تتبناها نخب شوفينية متعددة الوجوه، فتارة ترتدي وجه الشاه وتارة اخرى ترتدي وجه خميني لان الهدف قومي ومتفق عليه. وهي حركة توسعية لا تختلف من حيث الجوهر التوسعي عن التوسعية الصهيوينة التي يتفق داخلها اليسار واليمين والعلمانيين والمتطرفين دينيا حول هدف واحد هو تحقيق اهداف بني صهيون. ولذلك لم يكن غريبا ان تكون لدى النخب الشوفينية الفارسية بروتوكولات لحكمائهم، كما توجد لدي حكماء صهيون بروتوكولات، تضمن استمرار تنفيذ خطط التوسع مهما تبدلت الوجوه وايديولوجيات الحكام.

 ما معنى الولاء لايران وهي دولة قومية وليست دولة دينية كما يثبت الدستور الايراني؟ أليس معناه خدمة دولة اجنبية؟

 يتبع....... 3

salah_almukhtar@gawab.com

 

إلى صفحة مشاركات الزوار3