26/10/2006

ملوك الطوائف بين بَـغدادَ و قــُرطـُبة

 

 بقلم :  لؤي الخطيب

 

تـُحَدِثــُـنا الأسفار خبر قوم ٍ تفرقوا عن وحدة في دار ٍ كانت لهم روض من رياض الدنيا، حتى اذا شحت النفوس عن طلب الخير عصفت بهم ريحٌ صفراء صرصر فأمسوا شتاتاً  تتقاذفهم الاقدار وقد اتخذوا من البغضاء دينا،ً و من الناس وقوداً، و من القريب عدواً لدوداً، ومن العدو صديقاً عضوداً. ملوكٌ بلا مُـلك،  وأمراء بلا إمرة، في فـِردَوسٍ بين غرناطـَـة َ وقــُرطـُـبة يقال انها الأنــدلــس

 

نزل أولهم من جند ابن نصير جزيرة تُعرفُ بالخضراء، كانت أول دار ٍ لهم و أخرها منزلاً لملوك بني الاحمر. توسطت البحر بين عـُدوَة المغرب وممالك الاسبان التي كانت تنتظرهم بقصورها و رياضها و جمال نسائها، فأمكنهم الله الأندلس وأخدَمَهُم غِلمان وجَواري يُعرَفون بالصَقالِبَه بعد ان كانوا أسياد البلاد والعباد. وكان ما كان من مُلكِهـِم، مما رَوَت لنا أسفار التأريخ من عجيب قــَصَصِهِم وجميل أدبهم وبديع علمهم و عظيم سلطانهم حتى ضننا أنها من أوهام آبائنا و خـُرافات جداتنا و هم يُحَدثوننا عن خبر الجزيرة الخضراء و قصور قرطبة و مدينة الزهراء و الزاهرة، و حمراء غرناطة، و صروح الخزف ِ و قباب الفـُسيفساء

 

كان أول مُلكهم واحدا ً و آخره آحاداً .... حتى اذا ابحر الدهر في سفين الايام و تداولت الاقدار شؤون الآنام ... وجاوزت الأعوام ثمان ٍ من المـِئـِـيـن جـِسام، تنافرت النفوس، وحُمـِلت على الرقاب فؤوس، واستــُبدِلَ الدين بـِقـِيـانٍ و كؤوس، ودارت رحى الحرب بين الملوك ضروس، وتناسى العُربُ ما كان من شأن البَسوس، لعظيم الخطب وهول آثامِ المُطـَـلـَع ... وَكُـلٌ يدعى وصلاً بليلى و رعية الاندلس لا تقر لهم بطاعة. حتى إذى دارت الفتن بين عُلمائها، قتل بعضهم بعضا،ً و كَفـَرَ بعضهم بعضا، و استعضد المسلم على أخيه المسلم بكل كافر و فاجر، فذهب مُلكُهُم و انفرط عِقدهم و طـَفـِقوا يُحَدثون أنفسهم الهرب الى الجزيرة الخضراء أول منزلٍ لهم، عَلها تـَقِــلهُم ... ففزعوا اليها مُستبَسلين بلا مَـتاع، مُخـَلفين ورائهم ما ملكوا من ضـِـياع، حتى اذا نزلوا بها جائهم صقالبة الاندلس من عبيدهم و ملوك الاسبان من ابناء فرناندو ليستعبدوا من كانوا أسيادهم و يستمتعوا بنسائهم، و يجعلوا من أبنائهم غلمانا

 

ولم تمضِ الايام عددا حتى استـثـقـلتهم جزيرة الاجداد بعد ان اصفرت الخضراء من سوء عملهم و أصبحوا لا يَستـَأمنوا بعضهم بعضاً بعد أن تقاذفتهم الامصار لترميهم الى صحراء المغرب و أرض البربر، تلفح رقيق جلودهم و ربيع وجوههم رياحاً ما كانوا ليستقبلوها في مناماتهم فضلاً عن أن يشهدوهاً في حياتهم قبل ذل مماتهم و ضـَياعِ قــُبُورهم

 

قصة ٌ ما أجملها من بداية و ما أتعسها من نهاية، بدأت بجزيرة خضراء أقلت جُندُ أولهم و طريد آخرهم وليُمسيَ تأريخ الاندلس دار مُلكٍ  لعبيدنا لا ننزل بها الا سائحين بإذنٍ قد مُـنينا به بعد خمس ٍ عجاف من القرون طِوال

 

أنقل عـِظـَة الاندلس هذه من أثير التأريخ الى كل ذي سَمع ٍ وبصيرة مِمن أمِــــنَ مكر خضراء بغداد و قد جانـَبَ حَمراءها و لم تجري عليه بعد من المئين ثمان ... أياماً .... لا أعواماً

 

وكأن قـُرطـُبَة َ الحضارة تشتكي ضـَمَأ الحِمى و رجالها أشباهُ

و الأقحوان تنــاثرت أوراقه هــدراً وبُدِدَ في الهواء شَــــــــذاهُ

 

إلى صفحة مشاركات الزوار2