تحية للشعب المقاوم من العراق إلى فلسطين إلى أرض لبنان 

 

بقلم سليم نقولا محسن

 

- عدوان أمريكا على أرض لبنان، هو استكمال للحرب الهمجية التي سبق أن استهدفت العراق.

 

- إن فكر المقاومة وأعمالها، هم التجسيد الحي للشعب العربي المقاوم.

 

- إن تصدي المقاومة في فلسطين، وإلحاقها الهزائم بالجيش الصهيوني على أرض لبنان، هو محاصرة للمشروع الأمريكي، ونصرة للمقاومة العراقية من أجل تحرير العراق.

 

    

لا يمكن أن ينظر التوجّه القومي العربي إلى الأعمال الهمجية الجارية بحق شعب لبنان بمعزل عن التطورات الدولية والإقليمية التي تقضي بافتعال الأحداث وإشاعة حالة فوضى تدميرية على امتداد المنطقة من المغرب العربي الى العراق ومن السودان واليمن إلى مصر وفلسطين إلى تركيا وايران، أكانت ملتهبة في بعض البلدان أو ساكنة في بعضها الآخر.

 

 ومن منطلق وحدة المنطقة ومصالحها،  وبالمقابل وحدة الأطماع المعادية، لا يمكن أن يَتقَبل هذا التوجه القومي العربي،  حتى تكتيكيا، مهادنة العدو الأمريكي في العراق وأفغانستان ومقاتلته في فلسطين أو على أرض لبنان.

 

 وهو ينظر إلى كل الأعمال الجهادية، ضد الظلم الكوني الذي تقود حلفه الولايات المتحدة حيث تتصدى لها المقاومات على تنوع منطلقاتها، على أنها لبوسات متعددة لجسم واحد مقاوم، لن يختلف على مسمياته طلاب الحرية في كل مكان.  وعلى هذا فإن أعمال المقاومة في العراق هي ذاتها في فلسطين ولبنان، وأن انتصارها في أي من تلك الأقطار هو مقدمة لاعادة الشرعية إلى دولة شعب العراق وقياداته الأسيرة، وإلى طرد قوى الاحتلال وعملائه، واسترداد ما اغتصب من أراض عربية في فلسطين، وبدء مسار العدالة والحرية والديمقراطية والرفاه للشعوب العربية.

 

 لذا تقضي الضرورة على أن تعود الشعوب العربية إلى العمل الكفاحي، لأن وجود الجيوش الغازية على أرضها استعباد وإلغاء، ولا مساومة على الوطن، ولا حياة لأعدائه.

 

 إن الحلف الأمريكي ما هو إلا قطيع ضباع شرسة، لا ضابط لها، لا يمكن للشعوب أن تتعامل من ضمن منظومتها الإفتراسية، بل عليها أن تجهد لأن تضع حدا لاستباحتها الوحشية لأجساد المستضعفين من بني البشر عبر أعمال الممانعة.  وهكذا تبدو المقاومة العراقية أداة لإنهاكها على أرض العراق، كما أن المقاومة البطولية في فلسطين ولبنان، تساهم مرحليا في محاصرتها على أرضها لتحرير العراق أولا.

 

  وهكذا يتوضح أن بين حرفية النص في سفر الرؤيا الانجيلي كما درجت على قراءته وتسويقه الإدارة الأمريكية،  "لتعميم المنطلقات الدينية كأساس للصراعات والحروب بين البشروتطبيع مقولاتها في ذهنية الشعوب"،  وبين رمزيته في إيمان الكنيسة التاريخي فرق شاسع. يختلف فيه الأبطال، والمكان، والزمان، عن معنى قصة الوحش الذي أورده السفر وسقوط بابل الزانية المجسدة رموزهم "بأمريكا" الآن.

 

 إذ أن القوى الصاعدة للرأسمال الاستثماري العالمي، كانت ترى انتقاء العراق هدفا،  بداية ضرورية لتطويع المنطقة وفق مخططاتها. لما ينفرد به هذا القطر من تمايزات، يجسدها وجود كتلة بشرية نشطة فيه على أرض خصيبة، تتوالد فيها نزعة قومية خطرة طامحة في الرفض والتحرير، وذلك في منطقة بالغة الأهمية من حيث الموقع والثروات الاستراتيجية الغنية.  وكان الحفاظ على وضع العراق كدولة، منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية وتكوينه السياسي الحديث، بتعدد مذاهبه وإثنياته، يفترض بالضرورة، في أجواء تداخلات الصراعات الدولية الطامعة وجود سلطة قوية، وتماسكا اجتماعيا وطنيا يسمح بالبقاء.

 

·   يا شعبنا العربي : يُقتل الأهل في فلسطين، ويُذبح الأبناء في لبنان، فيُزهر تراب الرافدين جديدا.  إن احتفالية الموت المنتشرة شعائرها في بلادنا، لن تكون مجانية، وأجساد الشهداء ليست قرابين أضاحي على مذابح المطامع بل من أجل الوطن.  سيحيا الوطن، ويموت الوحش جبّار الأمم الوارد في السفر، ويسود إلى الأبد السلام بين البشر.

 

 إن شعبنا، لم يزل يتعرض إلى حملات طامعة، تمتلك قيادات منفذيها ما تطور من أسلحة الجنون، والقدرات والخبرات على صنع فوضى العصر، ذلك لاستمرار مصادرة ثرواته وأرضه وتاريخه، وإجهاض حلم أبنائه. فحلّ الضياع والموت والتخلف والاضطهاد، ولم تزل نخبه تقاوم.  في عام 2003 كان قد قد بدأ دور استعباد شعب العراق على أرض الحضارات، بعد أن أُحرِق طويلا شعبُنا في فلسطين أرض الرسالات، وفي لبنان الأرز فم الأبجدية الناطق بحق الإنسان.

 

 فمنذ الانعطاف الحاد الذي أحدثته التطورات الاقتصادية السياسية الكونية بعد عام 1991، عمد حلف دول العدوان إلى تحميل كلّ الجرائم الذي ارتكبها بحق شعوب العالم على شعب المنطقة المقاوم وشعب العراق ومنظومته السياسية:  من أجل أن /تتطهر/ إدارات هذه الدول في موته كأضحية على أرض العرب من السودان والعراق إلى لبنان، فتطهّر الشعب وحده بفعل صموده ولعنها التراب.

 

·   وكانت الإدارات السياسية الإقتصادية الحاكمة في دول الشر قد ابتكرت ادعاءات وقحة مكشوفة لتبرير استخدام جيوشها، وما كانت قد استحدثته من آلات القتل والدمار لتنفيذ عدوانها، بقصد أن ترهب العالم الفقير بداية عبر العراق.  وقد تمّ لها ذلك، إذ لم تخض هذه حربا مع انعدام التكافؤ بين القوى بل مجازرا، ذلك بعد أن احتوت هذه الادارات ما يسمى الشرعية الدولية،  لتشغيلها لصالحها في خداع الأمم وفي التواطؤ المتآمر على سلب شعب العراق من إمكانات دفاعه المشروعة، لتنفيذ ما خططت له إدارات الشر هذه وعملائها المحليين لتجريده من قياداته عشية العدوان كي يضيع شعب العراق.

 

 وعبر ما ادعته ورددته أنظمة الدول الخائنة التابعة، ونشرته عبر وسائل إعلامها المخادعة، ومن منطق عنصري متكبر ممجوج يقول "بأنها رسالة الإنسانية إلى العالم " من أجل رفع ظلم وبؤس، كانت هي سببه، عن شعب يقدّس أرضه وقيمه، ويرفض ادعاءاتها عن مبادئ لها مزعومة في الحرية والديمقراطية، وهو يشاهد يوميا أبناءا له يُذلّون ويموتون.

 

هذه المشهديات بأنواعها وحواراتها المعدلة لتناسب الزمان والمكان، يُعاد عرضُها الوقح اليوم على أرض لبنان، مستهدفة قيادات المقاومة وشعب لبنان. لذا فهي قد أعدت لذلك وادخرت في جعبتها أفكارا مضللة، لم تزل تخرج منها مايناسب الحال وتروج لها عبر دعاة مرتزقة هم ذئاب خاطفة تتقنع كحملان، عن "الاثنيات المبادة، والأقليات المضطهدة، وسيطرة مذهبيات، وأديان الظلم المتحجرة، والحضارات الميتة، والشعوب المتوحشة، وأصل الشرور، وصفات الحاكم والمحكوم".   كما قَلَبت معاييرَ العقل في مفهوم القيم، وصار السارقُ الخائنُ شريفاً، والقاتلُ شهيداً، والدفاعُ عن تراب الوطن إرهاباً.

 

 وبعد أن تم لهذه الإدارات ما كانت أَعدت للعراق،  تقدمت بأفرادٍ التقطتهم ممن سبق أن لفظتهم أرض العراق، كانوا يحلمون باستعادة دور نوري السعيد الخياني عقب ثورة العشرين، بعد أن نسوا ما آل إليه مصيره.  ارتبطوا بإدارات الشر وأتمروا بأمرها بعد أن درّبَتهم في أوكارها ضد شعوبِهم، كردّاحين كاذبين، بما أوكل لهم أن يدّعوه من سعي إلى إنقاذ شعب العراق.

 

* فلم يكن في العراق حينها ما كان قد سمّى معارضة وطنية بالمعنى السياسي لها حريصة على الوطن، فكل الشعب كان ينضوي بشكل أو آخر، في توازن منظومة النظام الحاكم للعراق، بما كان قد شكّل وضع العراق الوطني من استثناء في نجاح تطوره البنائي ببعده القومي: جعلته لسنوات في حالة استهداف، وبالمقابل التفافه حول نظامه، وهذه هي حالة المجتمعات المتخلفة المضطرة لأن تتبع ذات النسق الاقتصادي السياسي لتتقدم.

 

·      فلتحقيق ديمقراطية أي شعب مقومات ترتبط في جذور مجتمعاتها، وآلية عمل مؤسساته المدينية.

 

 وإذ كانت تنتحب الإدارة الأمريكية، بصواريخها، على الديمقراطية في العراق، كانت تتعمد أن تنسى حروبها الهمجية وبأنها من أمكر وأبشع الديكتاتوريات، وأكثرها تسلطا على شعبها والعالم. لكنها كانت تهدف من قذف كل مقولاتها "الإشفاقية الرحومة" إلى إحداث شرخ، بقطع الجذور ليموت شعب العراق، وتعمية العيون عن الأسباب، ليحصده العدوان، كما يحدث الآن في لبنان.  فعام النكبة في فلسطين 48  يمتد ثقيلا على الصدور، ويتراءى مولودا جديدا في العراق ولبنان.  وما سُطّر من بطولات الشعب العربي عام 56  في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر الذي هدف الى السيطرة على قناة السويس، لم يزل تتكرر روحيته في تشابه فريد.  فلا جديد إذن كان في أسباب العدوان، وإنما يتم نقل وتبادل الأدوار.

 

·   فالمتغيرات الاقتصادية، وانقسام الرأسمال الاستثماري المتعاظم في عالم تتعدد أقطابه، وتتناوب في التناحر  والتصالح على الغنائم، ورأسمال استثماري مُستقطب، ودولة إمبراطورية ذات طموح متوحش مثل الولايات المتحدة.. تقودها إدارات شركات النفط والسلاح، ترى من الحتمي لها التحكم في مفاصل العالم، وإلى تفكيك الأوطان لأجزاء ترتبط به عبر مشروعها المجنون لأمركة العالم.

 

هذه كانت الأسباب الحقيقية لاندفاع الجيوش الغازية إلى أرض العراق الناهض، واحتلالها وتدميرها، ومن ثم نهبها مقدمة للتوسع.  وأيضا في ما تدعيه اليوم بعدوانها الاسرائيلي على لبنان لاستكمال مخططاتها، فلم يكن العراق يوما ولا شعبه خطرا على العالم، وكذلك لم يكن لبنان. وانما جدلية السلوك الطامع لدول العدوان بما أوجد من انقسامات في المجتمع الدولي أَسقَطت منظومتـَه الدولية وشرعيتـَها والسلامَ العالمي لصالح النظام الجديد.  وهذا ما يقود شعوبَ العالم، المرهقة والمهمّشة، إلى التحرك للخلاص من وحشية السلوك الرأسمالي الاستثماري المتعدد الوجوه المتمثل بحاكميها، والى التوحّد مع شعبنا،  بعد أن أصبح العالم كله فلسطين ولبنان وعراق، لإيقاف وحش العصر الجديد المتعطش إلى الدماء.

 

·   ولقد كان لتراكم الخبرات النضالية والوطنية لشعبنا، عاملا مكنه من كشف زيف ادعاءات "الغول" الأمريكي البشع، ودفع شعبنا في العراق إلى مقاومة العدوان، وحيث قاد شعبنا في الدول العربية وكل الشرفاء في العالم، إلى مساندة شعب العراق في صموده البطولي أمام العدوان. ان شعبنا مدعو اليوم، على امتداد الوطن العربي بأوسع أطيافه الاجتماعية والعقائدية، إلى الاصطفاف والى التحرك القومي للتسلح بكل الإمكانات المتناسبة مع تفوق القوات العسكرية والتقنية والإعلامية لآلة الحرب المستخدمة، للتمكن من محاصرة ومواجهة أخطر وأخبث هجمة عدوانية تستهدف وجوده.  إن الشعب يحيا على أرض الوطن ويبقى، أما أنظمة العار فتزول.  فلينتظم كل الشعب أفرادا وجماعات، من أجل العمل الصعب، لإنهاك وشل قدرات العدو  ووسائل دعمه في كل مكان. إن أعداء الإنسان لا يستطيعون بشرّهم أن يدمّروا العالم. وأن مؤشرات سقوط الوحش الأمريكي وانهيار(بابل الفاسقة "أمريكا")، قد بدأت مع بداية العدوان على العراق.

 

·   إن شعوب العالم المهمّشة والمضطهدة، بأفعال نخبة الحاكمين في إدارات دول العدوان "وهي بمثابة لجنة تنفيذية للرأس المال الاستثماري، ومخططاته"، قد نظرت من كل قارات الأرض بإعجاب إلى استمرار مقاومة شعبنا البطولية في تصديه للعدوان على رجاء الخلاص.

 

 فإلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم للعمل مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، ولنخوض كفاحا لا يهدأ، حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان.

 

تموز 2006

إلى صفحة مُشاركات الزوار3